الإصلاح السياسي في سوريا: الخطة والأولويات

الإصلاح مطلب يعكس خللاً في الكيان الاجتماعي الذي يتوجه إليه الجهد الإصلاحي، ويسعى إلى تجاوزه بغية الوصول إلى حالة أعلى وأفضل من الأداء. ولعل أصعب عمليات الإصلاح تلك التي تتوجه نحو المجتمع السياسي برمته، وتسعى إلى إحداث تغييرات بنيوية وقيمية تمس البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.

لا تتعلق صعوبة الإصلاح في المجتمع السياسي—وأقصد بذلك المجتمع الذي يمتلك استقلالية في تحديد القوانين والسياسات الحاكمة لمؤسسات المجتمع— بتعدد القوى الاجتماعية والمؤسسات المجتمعية المؤثرة في حركة المجتمع والمحددة لوجهته، بل في التداخل العضوي لدوائر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، واعتماد “صلاح” كل منها على “صلاح” الدوائر الأخرى. وبالتالي فإن عملية الإصلاح عملية مركبة تحتاج من ناحية إلى رؤية واضحة وأهداف محددة، كما تحتاج من ناحية أخرى إلى تعاون وثيق ومستمر بين القوى الاجتماعية والفعاليات الاقتصادية ومؤسسات المجتمع المدني ومراكز صنع القرار السياسي.

ومن هنا فإن الحديث عن مشكلة الإصلاح في سوريا يتطلب منا بدءاً تحديد طبيعة الخلل في المجتمع السياسي السوري، كما يتطلب تحديد القوى الاجتماعية، وتحليل أولوياتها والمصالح التي تسعى إلى تحقيقها، ومن ثم البحث في الآليات أو المقاربات اللازمة لتحقيق المشروع الإصلاحي.

دواعي الإصلاح

الإصلاح مصطلح يشير إلى رغبة في استبدال حال اجتماعي قائم بحال أفضل منه، وبالتالي تحقيق أوضاع اجتماعية توفر لأبناء المجتمع حياة تتلاءم واحتياجاتهم النفسية والمادية. وتنبع الحاجة إلى الإصلاح من شعور أبناء المجتمع بعجز المؤسسات المجتمعية القائمة عن تحقيق عيش كريم. الإصلاح إذن حركة من حال أسوأ إلى حال أحسن، من حال يشوبه فساد أوسوء إدارة لمؤسسات الدولة، أو إجحاف في توزيع الثروة العامة، أو غياب فرص العمل المناسب المنبنية على كفاءة الأفراد، إلى حال يقل فيه الفساد وسوء الإدارة ويتحقق قدر أكبر من العدالة في التوزيع والتكافؤ في فرص العمل.

الإصلاح في سوريا مطلب قديم متجدد، يمكن تلمسه تاريخيا في الاحتجاجات المتكررة التي وسمت الأيام الأخيرة من الحكم العثماني، والتي دفع أبناء سوريا دماءً زكيةً ثمناً لها عبر نضالهم الدؤوب ضد المركزية الإدارية والنزعات القومية الطورانية والتعسف والاستبداد السياسي الذي استشرى في أواخر الدولة العثمانية، وانتهى بالثورة العربية تحت قيادة البيت الهاشمي. كما يمكن تلمسه في ثورة الريف ضد احتكار أبناء المدن للثروة، وحرمان القرى من مشاريع البناء وتوفير الكهرباء والماء والتعليم إبان الانقلاب الذي قاده حزب البعث عام 1963.

ترتبط مطالب الإصلاح بجملة من الأوضاع التي تميز المرحلة الراهنة من تطور المجتمع السوري، لعل أكثرها وضوحاً تلك التي تتعلق بتقييد العمل السياسي خارج دائرة حزب البعث الحاكم أو أحزاب الجبهة القومية التي تخضع مباشرة إلى إملاءات حزب البعث. كما ترتبط دعوات الإصلاح بتقييد حرية الصحافة، واحتكار النشاط الإعلامي بالجرائد والمجلات التي تصدرها الدولة، والإعلام المرئي والمسموع الذي يخضع مباشرة لسلطة الحزب الواحد. وعلى الرغم من أن هذه المطالب تعود إلى لحظات قيام دولة الحزب الواحد في الستينيات، وتأسيس وزارة الإعلام التي استطاعت تكريس هيمنة صانعي القرار السياسي على وسائل الإعلام، فإن التبدلات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، وانهيار دولة الحزب الواحد في معظم بلدان أوربا الشرقية وآسيا وأمريكا الجنوبية أدت إلى زيادة حدة الأصوات الداعية إلى إصلاح النظام السياسي، والتي بلغت أوجها عقب تسلم بشار الأسد رئاسة الدولة السورية.

بيد أن مطالب الإصلاح بلغت أشدها في نهاية التسعينيات نتيجة انخفاض معدل النمو الاقتصادي إلى أدنى حدوده منذ قيام الدولة السورية عام 1948، إذ تدنى معدل النمو الاقتصادي إلى (-1.7%)، ليتحول إلى تقلص اقتصادي بمعدل (4.4%) إذا ما أخذنا التزايد السكاني بعين الاعتبار، منذراًً بكارثة اقتصادية تهز أركان النظام السياسي السوري إذا ما استمر الوضع على حاله. وانتقلت الانتقادات لأول مرة منذ تولي الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد من دوائر المعارضة التقليدية إلى دوائر النخبة الحاكمة، يتزعمها بشار الأسد الذي تولى مهمة محاربة الفساد الإداري في أواخر حكم والده، وقبيل تسلمه زمام السلطة.

خطاب القسم والإصلاح الإداري

في خطاب ألقاه عقب أدائه قسم تسلم مسؤوليات رئاسة الجمهورية، حدد بشار الأسد معالم خطته الإصلاحية، وأكد عدداً من التصورات والمبادئ التي داعبت مخيال الشارع السوري، وأعطته أملاً جديدأ بواقع أفضل. فقد انتقد الرئيس الجديد العديد من الممارسات التي سادت خلال السنوات الأخيرة، وشدد على أهمية تغيير أساليب عمل أجهزة الدولة، وأكد على التزام إدارته بمبدأ الحوار، واحترام الحقوق، وسيادة القانون، وحرية الرأي والتعبير، وإصلاح الجهاز الإداري.

لاقى خطاب الرئيس تأييداً واسعاً في الأوساط الشعبية، وتنفس الناشطون السياسيون الصعداء، وتطلعوا إلى عهد جديد يقوم على الديمقراطية والتعددية الحزبية وحرية الصحافة والتعبير. وسارعت القوى السياسية إلى تأسيس المنتديات والدعوة إلى إصلاحات دستورية شاملة، ومحاربة الفساد المالي والإداري، وإنهاء إمتيازات الحرس القديم. ومع تأسيس المنتديات بدأت حرباً إعلامية حادة وشديدة على النظام السياسي القديم لم تستثني أحداً من رموزه، وتعالت الأصوات تطالب بتغيير الدستور وإلغاء صلاحيات حزب البعث الحاكم. ولم تكتف المعارضة بالدعوة إلى تغيير الدستور بل عمدت إلى تأسيس أحزاب سياسية أستعداداً لدخول حلبة الصراع السياسي.

من الواضح أن خطاب القسم لعب دوراً أساسياً في تحريك قوى المعارضة السياسية في سوريا وإعطائها فسحة من الأمل وزخماً جديداً للعمل، انتهت مع انتهاء العام الأول لتولي الرئيس الشاب منصبه الجديد بخيبة أمل كبرى عقب اعتقال رموز المعارضة وإقفال المنتديات السياسية. فهل كان الأمل الذي ولده خطاب القسم أملاً كاذباً، أم أن المعارضة السورية أخطأت قراءة مضمونات الخطاب فأساءت التقدير والتقرير.

من الإنصاف القول بأن خطاب بشار الأسد لم يحدد بالتفصيل طبيعة الممارسة الديمقراطية التي يرنو إليها، ولم يبين حدود الحريات السياسية الجديد التي يأمل في تحقيقها، ولم يناقش بإسهاب طبيعة الطرح الإصلاحي الذي يسعى إليه، وبالتالي فإن الخطاب ترك الكثير من المساحات الرمادية التي تحتمل التأويل والتخمين. وأرّجح أن إبقاء بشار الأسد قضايا الديمقراطية والحرية والإصلاح معلقة تعود جزئياً إلى أن المبادئ التي طرحها تحتاج إلى إنضاج على أرض الواقع، وأن سيرورة التغيير أساسية في إعطاء المفاهيم المطروحة أبعاداً محددة.

بيد أن الرئيس السوري الجديد أبدى العديد من التحفظات وقدم عدداً كافِ من القرائن التي تشير إلى أولوية الإصلاح الاقتصادي، ومبدئية التدرج في الإصلاح السياسي. فقد أكد في خطابه على ارتباط الحل الديمقراطي بالإطار الثقافي والتاريخي للمجتمع، وشدد على أولوية الإصلاح الإداري بوضوح، مؤكداً أن “قصور الإدارة لدينا هو من أهم العوائق التي تعترض مسيرة التنمية والبناء والتي تؤثر بشكل سلبي في كل القطاعات دون استثناء وعلينا أن نبدأ بالسرعة القصوى بإجراء الدراسات الكفيلة بتغيير هذا الواقع للأفضل من خلال تطوير الأنظمة الإدارية وهيكلياتها ورفع كفاءة الكوادر الإدارية والمهنية وإنهاء حالة التسيب واللامبالاة والتهرب من أداء الواجب ولابد من محاربة المقصرين والمسيئين والمهملين والمفسدين.”[1]

كذلك شدد الرئيس في خطاب القسم على ضرورة البناء على إنجازات الماضي، وحذر من الجهود الرامية إلى “نسف الواقع برمته” داعياً إلى “الابتعاد عن فكرة نسف الواقع برمته بدلا من العمل على تطويره وتحسينه منطلقين من أن الحياة الإنسانية لا مطلق فيها فمهما كان الواقع سيئا لابد وان يكون فيه العديد من الفوائد ومهما كان جيدا أو ممتازا فلن يخلو من المساوئ.”[2]

واضح إذن أن الهم الاقتصادي والإصلاح الإداري الضروري من أجل مكافحة “الهدر والفساد” والضروري لمنع “الاتكالية والفوضى وهدر الوقت والالتزام بالصدق والإخلاص والتفاني بالعمل ومضاعفة الجهد لتلافي التقصير الذي حدث،”[3] هو الهم الأساسي الذي حكم خطاب القسم.

وبالمثل فإن خطاب القسم أظهر، على درجة أقل وضوحاً، رغبة الرئيس في إيجاد هامش أكبر من الحرية يسمح بالتبني المتدرج للممارسة الديمقراطية تتولد من خلال الممارسة السياسة، ولا تتأتى من اقتباس النموذج الغربي للديمقراطية. ويبقى بيت القصيد عند الرئيس الجديد هو البناء المتدرج على أنجازات الواقع لا نسفه، والبناء من خلال التركيز على”إيجابيات واقع سئ” والانتقال عبر هذا الجهد “إلى واقع جيد ومن واقع جيد إلى واقع أفضل.”

المعارضة والإصلاح السياسي

لم تكتسب المعارضة السورية خلال تعاملها مع الدولة السورية الحديثة التي صلب عودها بعد عقود ثلاثة من الاستقرار السياسي، وأصبحت قادرة على كبح جماح المعارضة الثائرة بقوة وحنكة، أي مهارات جديدة، وانحصرت قدراتها على التعامل مع مؤسسات الدولة في أساليب الرفض والتمرد والتصعيد. ولم تدرك المعارضة أن التغيير السياسي ليس موقفاً عاطفياً، ولا هو سجال كلامي، بل عمل دؤوب مديد، ذي أهداف مرحلية، وخطوات محددة يأخذ الواحد منها برقاب الأخرى.

لقد قرأت المعارضة السورية خطاب القسم وفق مبادئ العمل السياسي التي سادت خلال الخمسينيات والستينيات، القائمة على منطق “كل شئ أو لا شئ” ومنطق “إذا لم تتفق معي فأنت ضدي” ومنطق “ما أدعيه هو الحق وما يدعيه غيرى هو الباطل” وغيرها من المبادئ التي شلت العمل السياسي وأدت إلى بروز دولة الحزب الواحد والرأي الواحد والبطل الواحد. لذلك كانت استجابة المعارضة للقسم استجابة عاطفية حالمة تنفيسية تسعى إلى تحقيق حلم الإصلاح عبر تاكيد الذات وإلغاء الخصم، والتنفيس عما امتلأت به الصدور من غضب وإحباط عبر عقود عديدة، وتحميل السلطة وأجهزتها المسؤولية الكاملة عن مثالب الحالة الراهنة.

لقد أخطأت المعارضة في سوريا في إدارتها للعملية السياسية والاستفادة من التغيرات التي نجمت عن تحولات أساسية في وجهة السلطة السياسية، كما أخطأت في فهم طبيعة التغيير وحدود الممكنات السياسية الناجمة عن هذا التغيير. فمن ناحية، أساءت المعارضة قراءة أولويات الإصلاح، ورأت في خطاب القسم دعوة إلى إصلاح شامل، في حين أن الرئيس الجديد شدد في خطابه على إصلاحات إدارية تهدف إلى تنمية الاقتصاد السوري المتدهور. كذلك أخطأت المعارضة في تقدير طبيعة التغيير الحاصل في النظام السياسي، وقدرات الرئيس الجديد على إحداث تغيير سياسي جذري، على افتراض أن التغيير الجذري هدف الإصلاح المنشود.

الرؤية التي حملها الرئيس الجديد كانت العنصر الأساسي في التغيير الذي طرأ على النظام، بينما بقيت الأطر التي أسسها حافظ الأسد على حالها لم تتغيير. صحيح أن رئاسة الجمهورية تشكل مركز ثقل النظام نظراً للصلاحيات غير المحدودة التي يملكها المنصب.[4] بيد أن الرئيس بحاجة إلى مؤسسات الدولة الأمنية والحزبية والديوانية (البيروقراطية) ليتمكن من تحقيق أهدافه، وهي بالتحديد المؤسسات التى شكلت، على اختلافها، قاعدة الممانعة لدعوات الإصلاح. واعتمد بشار الأسد في جهوده لإحداث الإصلاحات الإدارية على ثلة من الخبراء الفنيين (التكنوقراطيين) ، لكن هؤلاء اصطدموا بمراكز القوى السياسة في الدولة ضمن المؤسسة الأمنية والحزبية والديوانية. ووجد هؤلاء أنفسهم عاجزين عن إحداث التغييرات المطلوبة، أو تطويرالخطط المديدة (الاستراتيجيات) اللازمة لإحداث التغيرات المطلوبة في دواوين الوزارات التي تسلموا زمامها.

إذن عجزت المعارضة عن إدارة سيرورة الإصلاح لأسباب عديدة، نجمل أهمها بالنقاط التالية:

  1. غياب خطة مديدة متكاملة ذات أولويات محددة ومفاصل واضحة للقيام بالإصلاح المطلوب، والاكتفاء برفع الشعارات والتنظير العام وحملات التشكيك والحرب الكلامية ضد النظام القائم.
  2. قصور التحليل وبالتالي الفهم لطبيعة المرحلة واحتياجاتها، وهوية القوى السياسية الراغية في الإصلاح من جهة، وتلك الراغبة في الإبقاء على الحالة الراهنة.
  3. فقدان المعارضة لقواعد شعبية قادرة على دعمها والتماهي معها من أجل تحقق الخطة الإصلاحية.
  4. الخطاب الحدي للمعارضة الذي يضعها في تناقض كامل مع السلطة، وتركيز الخطاب على سلبيات النظام وإغفاله الإنجازات التي حققها، وعلى الرموز الأساسية للنظام، مما دفع بالقوى المتحالفة مع السلطة إلى الاعتقاد بأن نجاح المعارضة قضاء على القوى الحاكمة.

لقد أدت عقود ثلاثة شهدت صراعات دامية على السلطة إلى إضعاف قوى المعارضة وعزلها عن قواعدها الشعبية. فحركة (بل حركات) الإخوان المسلمين فقدت بنيتها الحزبية وقواعدها الشعبية بعد صراع دام، وتحولت إلى منابر خطابية في المنفى. واقتصر دور قادة الإخوان على ترديد شعارات تعبوية، والدعوة إلى الممارسة الديمقراطية والتعددية الحزبية. ولا تمتلك قيادات حزب الإخوان المسلمين برنامجاً إصلاحيا تقدمه، كما فقدت مصداقيتها السياسية نتيجة اعتمادها الكامل على قوة السلاح خلال صراعها مع حزب البعث الحاكم.

تيار المعارضة الثاني، والذي يملك وجوداً محدوداً على الساحة السياسية، هو التيار الذي يقوده رياض الترك، وهو المعارض الجرئ الذي أمضى سنوات طويلة في السجن في عهد حافظ الأسد، ليعود إلى ساحة العمل السياسي لفترة قصيرة عقب الإفراج عنه، فيمن أفرج عنهم إثر تسلم بشار الأسد رئاسة الجمهورية. اقتصرت جهود الترك بعد خروجه من سجنه الطويل على التنديد بحكم حافظ الأسد، ونعته المتكرر في خطبه وأحاديثة بـ”الديكتاتور،” مثيراً بذلك حفيظة شريحة واسعة من مؤيديه الذين يرون فيه “قائداً ملهماًً خالدا.ً”

التيار الشيوعي الذي يقوده رياض الترك، وهو تيار منشق عن الحزب الشيوعي السوري الذي قاده خالد بكداش وانخرط قبيل وفاته في الجبهة القومية في اواخر السبعينيات من القرن المنصرم، فقد الكثير من قدراته التنظيرية وخطابه التحليلي، كما فقد القدرة على تقديم بدائل وحلول للتعامل مع المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة في البلاد. فالفكر الشيوعي فقد مصداقيته بعد تراجع الاتحاد السوفييتي في نهاية الثمانينيات، وانهيار المنظومة الاشتراكية. لذلك نجد أن الخطاب الشيوعي المعارض اليوم يتشابه كثيراً مع خطابات القوى السياسية المعارضة الأخرى.[5]

التيار الثالث الذي برز بوضوح خلال السنة الأولى من لحكم الرئيس بشار الأسد هو التيار الذي قاده رياض سيف، وهو صناعي سوري ناجح، انخرط في العمل السياسي في التسعينيات، وفاز في مقعد في مجلس النواب السوري، ونشط بعد انتقال السلطة من حافظ إلى بشار الأسد. تفاعل رياض سيف كثيراً مع خطاب القسم، ووجد في عفوية الرئيس الجديد وروحه الشابة المنفتحة على الإصلاح والتغيير حافزاً كبيراً للقيام بخطواط إصلاحية، وليعلن عبر المنتدى السياسي الذي عرف بمنتدى الحوار الوطني قيام حزب سياسي تحت اسم حركة السلم الاجتماعي. استعان سيف بعدد من المثقفين السوريين، لعل أبرزهم عميد كلية الاقتصاد السابق عارف دليلة والمفكر السوري المغترب برهان غليون.

اتصف الخطاب الذي قدمته حركة السلم الاجتماعي بالموقف الحدي الداعي إلى الإصلاح الشامل، بدءاً من تغيير الدستور. وعلى الرغم من النبرة الإيجابية التي غلبت على أطروحات الحركة، فقد وجد خصومها في أروقة السلطة في دعوتها الإصلاحية الشمولية، وفي منحاها الليبرالي وتأكيدها على تنشيط مؤسسات المجتمع المدني والخصصة الاقتصادية خطراً على مصالحهم. وتمكن الخصوم أخيراً من تحريض الرئيس الجديد لتضييق الخناق على المنتديات السياسية وبراعم المعارضة المتفتحة، مستفيدين من حدة خطابها وجذرية أطروحاتها النقدية.[6]

سيادة القانون والمصلحة العامة

تصر المعارضة على بدء الإصلاح من قمة الهرم السياسي داعية إلى تعديل الدستور واستبدال حكم الحزب الوالحد بتعددية حزبية، على الرغم من عدم امتلاكها القواعد الشعبية اللازمة لممارسة الضغوط على السلطة الحاكمة، معولة على الميول الإصلاحية للرئيس الجديد وعلى التوجهات العالمية الداعية إلى الانفتاح الاقتصادي والسياسي، في حين يصر الرئيس الأسد على إعطاء الإصلاح الإداري الأولوية في برنامجه الإصلاحي، باعتبار أن التنمية الاقتصادية شرط أساسي للاستقرار الاقتصادي، وأن الانفتاح السياسي في أجواء الاضرابات السياسية قمين بإضعاف الدولة وإشاعة الفوضى.[7]

تظهر النظرة الأولية أن مشروع الإصلاح السياسي الذي تقوده المعارضة ومشروع الإصلاح الإداري الذي تقوده الحكومة يواجهان مصاعب جمة، ويسيران في طريق ملئ بالمزالق والعثرات. فقد استطاع حراس النظام القائم ومراكز القوى فيه من سحب البساط من تحت أرجل المعارضة، واستعادة المساحة المحدودة من حرية التحرك السياسي والإعلامي التي استلتها المعارضة خلال السنة الأولى من حكم بشار الأسد. في حين لم تؤد مبادرات الرئيس السوري إلى إحداث تقدم يذكر في طريق الإصلاح الإداري والتنمية الاقتصادي، على الرغم من عشرات المراسيم والقوانين الذي استحدثت، والتعديلات الوزارية التي أجريت، والتي وضعت في مراكز القرار الوزاري عدداً كبيراً من الوزارء الذي اختيروا على أساس الخبرة والدراية، لا النفوذ والمرتبة الحزبية.

الإصلاح عملية معقدة تحتاج إلى مدى يتجاوز السنوات القليلة لتقويمها، وقد يكون من المبكر إصدار أحكام قطعية أو نهائية حولها. لذا فإن تقويمي لما يجري على الساحة السياسية ليس من باب إطلاق أحكام النجاح أو الفشل، بل من باب النظر إلى الشروط الاجتماعية لتحقيق الإصلاح، وتحديد مدى استفادة كل من الحكومة والمعارضة من العناصر الاجتماعية اللازمة لإحداث النقلة المطلوبة باتجاه الإصلاح والتغيير.

تظهر تصريحات الرئيس الأسد إدراكه للعوائق البيروقراطية التي تقف في طريق الإصلاح، والحاجة إلى سن قوانين لتحرير القطاع الخاص من تلك القيود، وتشجيع الاستثمارات الداخلية والخارجية عبر طمئنة المستثمر بوقوف القانون إلى جانبه وحماية استثماراته وضمان حقوقه. ذلك أن ثقة المستثمر في القوانين ومصداقية المؤسسات القانونية وقدرتها على حماية الأموال والممتلكات شرط أساسي لتحفيز الاستثمار. لذلك نجد بشار الأسد يؤكد في خطاب القسم على ضرورة “السير بخطى ثابتة وان كانت متدرجة نحو إجراء تغييرات اقتصادية من خلال تحديث القوانين وإزالة العقبات البيروقراطية أمام تدفق الاستثمارات الداخلية والخارجية وتعبئة رأس المال العام والخاص معا وتنشيط القطاع الخاص ومنحه فرصا افضل للعمل.”[8] ونجده يؤكد كذلك على “أن العمل المؤسساتي عمل جماعي لا فردي.. عمل مبني على الصدق والإخلاص في التعامل وعلى استغلال الوقت بحده الأقصى وتغليب المصلحة العامة على المصلحة الشخصية وعقلية الدولة على عقلية الزعامة.‏”[9]

بيد أن المفاهيم المحورية التي تشكل مفاتيح الإصلاح الإداري، مفاهيم “القانون” و “العمل الجماعي” و “المصلحة العامة” مفاهيم لا تشغل حيزاً مهماً في البناء الثقافي أو التجربة الاجتماعية السورية الحديثة، وهي غالباً ما تكون مدعاة للتهكم بعد أن أصبحت جزءاً من خطاب التعبئة النظرية الذي يتناقض تناقضاً صارخاً مع التجربة العملية للمواطن السوري. إن تحليلاً سريعاً للمفاهيم المفتاحية في المناهج التربيوية والدارسية، وفي الخطاب السياسي والشعبي، تظهر أن مفاهيم “البطل” و “السلطة” و “المجد”، سواء كان مجد الحي أوالقبيلة أوالقوم هي المفاهيم التي تحتل المكانة العليا في مخيال الفرد.

ففي حين يجد المراقب في القصص المدرسية والأشعار والروايات الأدبية والخطب السياسية تأكيداً مستمراً على البطولة الخارقة، والقائد الملهم، والفارس الصنديد المطالب بحقه الضائع، لا يكاد الفرد يجد اهتماماً واضحاً في ربط البطولة بالتعاون والعمل الجماعي، أو القيادة بالخدمة العامة، ولا الحق باحترام القانون والخضوع للمبادئ، ولا المجد بتحقيق المصلحة العامة. بل نجد الثقافة الشعبية تقدس الأبطال، وتبحث عن المجد في التفرد بالثروة أو السلطة أو الشهرة، وتجد في القانون قيود يلتزم بها الضعيف ويتعالى عليها القوي المهيب.

وتكرست الثقافة الفردية التي تبحث عن السلطة أو الثروة أو الشهرة، وتجعلها قيماً عليا تتعالى على قيم القانون والمصلحة العامة في ممارسات النخب الحاكمة عبر تاريخ سوريا الحديث. فقد بدأ هذا التاريخ بهيمنة أبناء المدن، واعتماد المحسوبيات والولاءات الأسرية والمحلية والحزبية أساساً للتعاون والتناصف، وتميزت تلك الفترة باستعلاء أبناء المدن وتفاخرهم بالحسب والنسب، واعتبار السلطة مكسباً أو مغنماً فردياً، وتنافس أبناء العائلات الإقطاعية وأصحاب المراكز الحساسة في الدولة، وتحولت المؤسسة العسكرية إلى لعبة للطامحين، وتتابعت الانقلابات العسكرية لتحمل إلى قمة السلطة كل مغامر طامع في بناء مجد شخصي. واستمرت العملية بعد استيلاء أبناء القرى أو “الطبقة الكادحة” على السلطة، إذ أصبحت الأخيرة مطية لإعادة توزيع الثروة ، وأصبح المنصب السياسي والعسكري مدخلاً للإثراء السريع، وبرزت تحالفات بين كبار التجار وأصحاب الثروة من جهة، وأصحاب النفوذ من بين العسكريين ومراكز القوى من جهة أخرى.

لقد ساهمت العقود الثلاثة من حكم البعث في سوريا في رأب الفجوة الاقتصادية بين أبناء المدينة وأبناء القرية، وإعادة توزيع الثروات الوطنية بين المدن والقرى، لكنها في الوقت نفسه أدت إلى تكريس النزعات المحلية وعبادة السلطة والثروة والاستهتار بالقانون. كما أدت إلى تدني مستويات التعليم المدرسي والجامعي وتضخم الجهاز البيروقراطي، وإلى إنتشار الفساد في الجهاز القضائي والدوائر الحكومية. كذلك أدت العقود الماضية إلى بروز التحالف التجاري العسكري، أو التحالف بين التجارمن جهة وضباط الجيش والأجهزة الأمنية من جهة أخرى. ويشكل التحالف التجاري العسكري القوة الرئيسية التي تقف حجر عثرة أمام دعوات الإصلاح الإداري الذي يقوده الرئيس بشار الأسد، والإصلاح السياسي الذي تنافح عنه رموز المعارضة.

الإصلاح السياسي قاعدة للإصلاح الإداري، ولكن . .

واضح أن الإصلاح عملية متعددة المسارات، يتداخل فيها المسار التربوي بالمسار القانوني، والمسار القانوني بالمسارين الإداري والاقتصادي، المسارين الأخيرين بالمسار السياسي. وبالتالي تبرز الحاجة إلى السير قدماً في خطوط متوازية والتحرك في آن على مسارات مختلفة. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف يمكن البدء بعملية الإصلاح؟ وهل يعني تداخل المسارات أن الإصلاح السياسي الشمولي الذي تدعو إليه المعارضة في سوريا هو الطريق الوحيد للقيام بالإصلاح؟

من المهم أن ندرك أولاً أن الإصلاح في أي من المسارات التربوية والثقافية والقانونية والإدارية يتطلب قيام قوة إجتماعية تتبنى أطروحات الإصلاح، وتسعى جاهدة إلى تحقيقه، كما يتطلب توفير مساحة كافية للحركة ضمن كل من المسارات الإصلاحية المشار إليها آنفاً. وبعبارة أخرى، ثمة حاجة إلى تمكين مريدي الإصلاح من إحداث تغييرات في مجالات التربية والتعليم والإدارة والاقتصاد. ويعني التمكين هنا نقل النفوذ السياسي إلى القوى الاجتماعية التي تملك إرادة الإصلاح كما تملك المصلحة في تحقيقه.

التمكين لا يعنى بالضرورة نقل الثقل السياسي كاملا من قوة سياسية إلى قوة سياسية أخرى، بل توزيع النفوذ السياسي بين القوى الاجتماعية المختلفة، و خلق توازنات في القدرات السياسية تتيح المجال لتنافس البرامج الإصلاحية والأفكار، وتسمح لمن يريد خدمة المصلحة العامة من عرض برامجه على الرأي العام، وإيجاد مصداقية سياسية من خلال تحقيق برامجه ووعوده. ولعل الطريقة المتاحة اليوم لخلق توازنات سياسية، تعديل قانون الأحزاب، والسماح بالتعددية الحربية. وبالمثل تحتاج الخطوات الإصلاحية إلى السماح بحرية الصحافة، والسماح للصحف بنقد السياسات المحلية، والخطط الوزارية، والممارسات العامة.

ومن ناحية أخرى، يتطلب الجهد الإصلاحي أن تستشعر المعارضة مسؤولية الكلمة، وأن تتبع نهجاً تدريجياً في الإصلاح، وأن تعيد ترتيب أولوياتها بحيث تتبنى برامج إصلاحية تركز على مسارت الإصلاح التعليمي والإداري والقانوني قبل الحديث عن إصلاح شامل لا تمتلك شروطه، ولا القدرات العملية اللازمة لتحقيقه. كذلك يجب على قيادات المعارضة أن تفرق بين العمل الإصلاحي والعمل الثوري الانقلابي. ففي حين يمكن للقوى المنتصرة عبر ثورة شعبية أو انقلاب عسكري فرض رؤيتها، يتم العمل الإصلاحي من خلال سجال بين السلطة والمعارضة، وبالتالي فإنه يتطلب مهارة سياسية تقوم على أساس المناصفة (التحرك باتجاه المنتصف) مع السلطة. هذا يعنى أن تكون المعارضة مستعدة للتحرك باتجاه السلطة خطوة في الوقت التي تطالب السلطة بالتحرك خطوة استجابة لمطالبها.

الإصلاح السياسي ليس تأكيداً للذات وإنكاراً للآخر، أو تشديداً على إرادة المعارضة وتنديداً بإرادة السلطة. كذلك فإن الإصلاح السياسي ليس مسابقة في حل المعادلات الرياضية، تتطلب اعتراف صاحب الحل الخاطئ بأحقيقة صاحب الحل الصحيح في نيل الجائزة. الإصلاح السياسي عملية معقدة متشعبة، تتداخل فيها المصالح، وتتراكب حولها التصورات، وتتعالى فوقها الأصوات، وتشد بأطرافها قوى سياسية واجتماعية متعددة. ومن هنا يتطلب الإصلاح نفساً طويلاً، وخطة عمل مديدة، وقبل هذا وذاك القدرة على تقديم حلول للمشلاكات التي تواجه المجتمع، مدعومة بدارسات منهجية.

ومرة أخرى نحتاج إلى التأكيد أن مشكلة العمل السياسي في سوريا نابعة من مشكلة الثقافة السياسية السورية (أو الثقافة السياسية التي تطبع غالب المجتمعات السياسية العربية اليوم)، وهي ثقافة تتصف بغياب الحس السياسي في التعامل مع الاتجاهات السياسية المغايرة، أي غياب القدرة على حل المشكلات عبر التحاور والتناصف، وغلبة الحدية في التعامل مع الخصوم السياسيين، بدءاً من التنديد بهم وتهميشهم، وانتهاءاً بتخوينهم والقضاء عليهم.

الحس السياسي – القانون – والمجتمع المدني

واضح إذن أن الإصلاح ليس جملة من الشعارات تطلق، أو إرادة فرد أو مجموعة من الأفراد تفرض على المجتمع، بل عملية مديدة متعددة المسارات، تقوم في المقام الأول على تحقيق شروط موضوعية على أرض الواقع، وفي مقدمتها بناء ثقافة سياسية تسمح بتعاون القوى الاجتماعية في عملية بناء المؤسسات التعليمية والقانونية والإدارية والاقتصادية والسياسية التي تشكل دعائم القوة والنهضة لأي مجتمع. وبتعبير أدق فإن الخطوات الأساسية في عملية الإصلاح يجب أن تتجه نحو الارتقاء بالحس السياسي واحترام القانون وبناء مؤسسات المجتمع المدني.

الحس السياسي يقوم على أساس إبقاء الخلافات في دائرة السجال السلمي والاحترام المتبادل بين القوى السياسية المتصارعة، والحيلولة دون انتقال الصراع السياسي إلى مرحلة التشكيك في النوايا أو التخوين أو الاتهام بالعمالة أو ما شابه ذلك من المواقف التي تجعل الحوار مستحيلاً والقدرة على اتخاذ مواقف تناصفية (أي التحرك خطوة أو أكثر نحو الآخر استجابة لاستعداد الآخر التخلي عن موقفه الحالي والاقتراب خطوة) مستحيلة. الحس السياسي السليم يحول دون خروج النقد السياسي عن قواعد الاختلاف السياسي إلى استخدام لغة تحريضية أو تجريم الخصم انطلاقاً من خلافات حول سياسات الدولة أو اجتهاد سياسي. ذلك أن تصعيد الخطاب السياسي إلى مستوى تجريم الخصم واتهام الخصم في وطنيته يخفي وراءه رغبة في نزع الحقوق السياسية والمدنية عن الخصم، وتحويله إلى مجرم يستحق أشد العقوبات، بما في ذلك السجن أو النفي أو القتل.

إن نظرة سريعة إلى تجارب الشعوب التي استطاعت أن تسير في طريق الحل الشوري (الديمقراطي) تظهر لنا ارتقاء الحس السياسي عند القيادات السياسية لهذه الشعوب، والحرص على إبقاء الخلاف ضمن دائرة الاحترام المتبادل لكرامة الخصم وحقوقه المدنية والسياسية. إن الدولتين المسلمتين اللتين قطعتا شوطاً بعيداً في التنمية السياسية والاقتصادية، ماليزيا وتركيا، تتميزان بارتقاء الحس السياسي عند قادتها وأفرادها. فالمتابع لخطاب السلطة والمعارضة يلحظ قدراً كبيراً من الشعور بمسؤولية الكلمة، وتجنب الأحزاب المتصارعة الوصول بالسجال السياسي إلى مستوى تبادل التهم والشتائم. نعم يختلف النظام السياسي للدولتين المذكورتين عن النظام القائم في سوريا، إذ تتمتعان بنظام سياسي تعددي يسمح بتعدد الأحزاب، كما تتمتعان بقدر من حرية الصحافة. بيد أن المعارضة في تلك البلدان استطاعت أن تتعامل بحنكة مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية، وممارسة منهج النفس الطويل وضبط النفس واكتساب ثقة الجمهور لإجبار السلطة الحاكمة على توسيع دائرة الحريات السياسية.

استطاع حزب الرفاه التركي من إدارة الصراع السياسي مع السلطة من خلال سياسية النفس الطويل، والدخول في سجال حول السياسات العامة للحكومة واعتماد خطاب سياسي تواصلي غير تحريضي أو حدي في نقده للخطط الحكومية. ورغم تدخل الجيش في مطلع الستينيات والثمانينيات لإخراج الحزب من معترك العمل السياسي، ثم استخدام مؤسسات السلطة لنزع الشرعية عنه ثم حله عام 1988، تمكن الحزب، والتيار الإسلامي الذي يمثله، من التحرك بذكاء وإظهار ضبط كبير للنفس والارتقاء بخطابه السياسي. فقامت المعارضة بإنشاء أحزاب جديدة، حزب الفضيلة وحزب العدالة، بل نجدها قد استفادت من تجاربها السابقة، فحولت شعارتها الإسلامية إلى برنامج إصلاحي تستلهم قيم الإسلام العالمية ومبادئه الكلية، بدلا من ترديد شعارت ذات دلالات خصوصية حصرية وإعطاء خصومها ذرائع لحل أحزابها والقضاء عليها. وبالمثل نجد الحزب الحاكم في ماليزيا يسعى إلى بناء الجسور والدخول في تحالفات مع خصومه السياسيين للحفاظ على تماسك المجتمع الماليزي، وتعبئة القوى السياسية والاجتماعية على اختلاف مشاربها للمشاركة في عملية البناء والتنمية.

ولا يتوقف نجاح التنمية السياسية والاقتصادية النسبي في التجربتين الماليزية والتركية على ارتقاء الحس السياسي، بل يرتكز هذاالنجاح أيضاً على سيادة القانون وبناء مؤسسات المجتمع المدني. فسيادة القانون واستقلالية مؤسسات المجتمع المدني عن الدولة شرطان أساسيان لنجاح الدولة الحديثة. فسيادة القانون تعطي المواطن والمستثمر الثقة في نزاهة محاكمة، وإمكانية صيانة حقوقه المدنية والمالية، فتجعل المواطن شريكاً في بناء الوطن ومحاربة الفساد، وتمكن المستثمر سواء كان وطنياً أو أجنبياً من بناء استثمارات طويلة الأمد، لثقته من قدرته على تحصيل حقوقه، ومنع اعتداءت الطامعين على أملاكه. واستقلالية مؤسسات المجتمع المدني، من نقابات وشركات استثمار أو انتاج أو مراكز تعليمية وبحثية، تسمح بقيام مبادرات فردية للمساهمة في عملية البناء، وتولد مزيداً من توزنات القوى التي تحول دون الفساد الإداري.

الدولة الحديثة والمجتمع المدني

ارتفعت أصوات المعارضة السورية الداعية إلى دعم مؤسسات المجتمع المدني على اعتبار انها المخرج من الاعتماد الكامل على الدولة لتنظيم المجتمع السوري، وقامت المعارضة بإنشاء لجان لبناء مؤسسات المجتمع المدني أسمتها “لجان إجياء المجتمع المدني.” في حين رفضت النخبة الحاكمة والحكومة فكرة المجتمع المدني على اعتبار أنها فكرة دخيلة لا تعبر عن خصوصيات المجتمع السوري.

مصطلح ” المجتمع المدني” شاع استعماله في الأدبيات الغربية مع بدايات عصر الأنوار، وذلك للتميز بين المؤسسات الحكومة والمؤسسات الأهلية. ونجد هذا التعبير بوضوح في كتابات الليبرالي هيغل والشيوعي ماركس، ومن تبعهم من الفلاسفة والمفكريين الغربيين. فهيغل على سبيل المثال يعتبر في كتابه فلسفة الحق أن المجتمع المدني يمثل مجال الحرية الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، فهو مجال هام لحيوية الحياة الاجتماعية وقدرة المجتمع على توفير الفرص للمهارات الشخصية للبروز إلى حيز الواقع، في حين يرى في الدولة دائرة تحقيق الإرادة العامة للمجتمع. أما ماركس فيرى في المجتمع المدني مجالاً يتيح الحرية لرأس المال الخاص كما يتيح الحق في حرية الحياة الدينية، وبالتالي فإنه يدعو إلى القضاء على المجتمع المدني من خلال إخضاعه إلى “ديكتاتورية الطبقة الكادحة.”

ومع انهيار المنظومة السوفياتية في نهاية الثمانينيات، وهي المنظومة التي أحكمت فيها الدولة القبضة على مؤسسات المجتمع المدني من نقابات عمالية ومؤسسات تعليمية وإنتاجية واستثمارية وتجارية، وألغيت خلالها المؤسسات الدينية، باسم ديكتاتورية الطبقة الكادحة، عاد مفهوم المجتمع المدني للبروز في الأدبيات الاجتماعية. وارتبطت فكرة بناء مؤسسات المجتمع المدني بإعادة تأهيل المؤسسات الأهلية بعد أن حولتها الأحزاب الشيوعية إلى مؤسسات سلطوية، تابعة في قراراتها لقرار اللجنة المركزية للحزب.

بيد أن غياب المصطلح من الأدبيات التراثية وارتباطه بالأدبيات الغربية لا يعني بأي حال غياب الظاهرة عن المجتمعات العربية والإسلامية. بل يمكننا القول بأن المؤسسات التي حكمت المجتمعات العربية والإسلامية تاريخياً كانت في غالبها مؤسسات مجتمع مدني لا مؤسسات دولة. فالمؤسسات التعليمية والنقابات الحرفية والمؤسسات التجارية ارتبطت من حيث التأسيس والتمويل بالمجتمع المدني واعتمدت على مؤسسة الوقف. بل إننا نجد أن المؤسسة القانونية في التاريخ العربي والإسلامي ارتبطت بالمجمتع المدني. فالتشريعات العامة، بما في ذلك نظام الضرائب أو زكاة المال، ارتبطت بالشريعة الإسلامية، التي قننتها المدارس الفقهية المختلفة. وفشلت كل الجهود بتوحيد التقنين الشرعي وربطه بالدولة.[10] واستمدت المراسيم السلطانية شرعيتها من انسجامها مع أحكام الشريعة. وانحصرت مهام الدولة (أو السلطان) عبر العصور بمسائل العلاقات الخارجية وقضايا الأمن العام و حماية الحدود وتنظيم العلاقات بين الأمصار.

لقد أدى دخول مؤسسات الدولة الحديثة والقانون المركزي إلى المجتمعات الإسلامية عبر محاولات التتريك في نهاية الدولة العثمانية، وخلال فترة الاستعمار الأوربي، إلى إحداث تغييرات جذرية في دائرة البنية السلطوية، لم تواكبها عملية تأسيس ثقافي للمؤسسات المذكورة. وأدى إلى تبني نموذج الدولة السوفياتية ذات الحزب الواحد والسلطة المركزية في سوريا عقيب الاستقلال إلى القضاء على استقلالية مؤسسات المجتمع المدني التاريخية إثر حل مؤسسة الوقف، وإخضاعها إلى سيطرة الدولة الحديثة وتخصيص وزارة الأوقاف لرعاية شؤونها.

مخاوف عودة الحياة إلى مؤسسات المجتمع في سوريا لا تنحصر بمخاوف المستفيدين من الواقع الراهن ضمن التحالف التجاري العسكري، بل تشمل العاملين في مؤسسات الدولة من ديوانيين، وعمال، وفنيين، والذي يزيد عددهم على المليون. بل تشمل المخاوف التجار والمقاولين والصناعيين الذين يخشون أن يؤدي عودة المجتمع المدني بلبوس جديد شبيه بالانفتاح الاقتصادي المصري في السبعينيات إلى اختراق رؤوس الأموال الكبيرة، وبروز طبقة من كبار التجار.

الإصلاح المنشود

عجز المعارضة عن إحداث التغيير المنشود، واختفاء الأصوات المطالبة بالإصلاح السياسي لا يعني أن الإصلاح غير مطلوب شعبياً. الإصلاح ضروري لمستقبل المجتمع السوري، وهو الطريق الوحيد لتفادي تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية إلى مرحلة تؤدي إلى زعزعة الاستقرار، وتفسح المجال لتحرك الطامحين والطامعين. والشعب السوري يتوق إلى الإصلاح لكنه لا يجد القيادة السياسية التي يلتف وراءها، ويثق بقدرتها على تحقيق أهدافه، بعد أن أتخم بشعارات طنانة يملؤ صداها الآذان، ولا يكاد يجد لها أثراً على أرض الواقع.

المطلوب من المعارضة في سوريا تقديم تصور لإعادة بناء مؤسسات المجتمع المدني بما يتناسب والتطورات الداخلية والخارجية الراهنة، وبما يسمح ببناء مؤسسات تحقق المصلحة العامة وتحفظ حقوق الأفراد. وهذا يعني أن تقوم المعارضة بوضع أولويات ضمن تصور لما هو ممكن اليوم، وما يتطلب تحقيقه مزيداً من الجهد العملي لبناء المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية، قبل المطالبة بالتغيير الشامل. ويعني أيضاً أن تعمل المعارضة على بناء مصداقيتها لدى الشارع السوري لا من خلال الخطب والشعارات، بل من خلال المبادرات والإنجازات.

وبالمثل على الحكومة إدراك أن قدرة الدولة ومؤسساتها على تطوير الحياة الاقتصادة وتحفيز الإبداع والإنتاج والعمل يتطلب النظر إلى ترابط مسارات الإصلاح وبناء المؤسسة القانونية، وتنشيط مؤسسات المجتمع المدني، وبالتالي تشغيل مبدأ توازن القوى الضروري لإيجاد آليات لمنع الفساد وتحفيز الإنتاج والعمل.

ويبقى مصير الإصلاح في سوريا مرهوناً بتكون إرادة شعبية للإصلاح، نابعة من احتياجات أفراد المجتمع من جهة، ومن تزايد الوعي الشعبي، لا من طموحات فردية أو حزبية ضيقة. ويبقى السؤال المهم اليوم بعد ثلاث سنوات عن حديث الإصلاح دون جواب: هل تتشكل مطالب الإصلاح الشعبي ضمن عملية متدرجة ترعاها الحكومة السورية بالتعاون مع المعارضة، أم تحت تزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية في الداخل والخارج؟

هوامش

[1] خطاب القسم، مطبوعات مجلس الشعب، 2001.

[2] المصدر نفسه.

[3] المصدر نفسه.

[4] يملك الرئيس السوري صلاحيات تشريعية وقضائية وتنفيذية كبيرة. فهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، والتصرف في تعيين وعزل مجلس رئاسة الوزراء ومدراء الأجهزة الأمنية، ورئيس مجلس القضاء الأعلى، والأمين العام لحزب البعث الحاكم الذي يمتلك صلاحيات دستورية واسعة تشمل حق ترشيح رئيس الجمهورية.

[5] ثمة قائمة من أحزاب المعارضة مثل حزب الاتحاد الاشتراكي العربي الديمقراطي بزعامة حسن عبد العظيم، وحزب البعث العربي الاشتراكي الديمقراطي بزعامة إبراهيم ماخوس، وحزب العمال الثوري العربي بزعامة إلياس مرقس في البداية ثم خلفه طارق أبو الحسن (حزب ماركسي)، وحركة الاشتراكيين العرب بزعامة عبد الغني عياش (اشتراكي)، وهي جميعها متحالفة من الحزب الشيوعي-المكتب السياسي برئاسة رياض الترك ضمن ائتلاف التجمع الوطني الديقراطي الذي تشكل في 10/12/2001.

[6] انظر على سبيل المثال محاضرة ألقاها برهان غليوه في (منتدى الحوار الوطني ) بدمشق حول مستقبل الاصلاح والتغيير في سوريا نشرتها جريدة الوطن في 8 أيلول 2001.

[7] عرض بشار الأسد مواقفه من العملية الإصلاحية في لقاء أجرته معه قناة الجزيرة بتاريخ 1/5/2004

[8] خطاب القسم، المصدر السابق.

[9] المصدر نفسه.

[10] رفض الإمام مالك بن أنس طلب هارون الرشيد اعتماد الموطأ أساسا لأحكام الشريعية وإلزام المحاكم العمل به.

 

نشرت هذه الدراسة في كتاب الإصلاح في سورية: أزمة النظام ورهانات المعارضة الوطنية، 2005

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: