جدلية الشريعة بين المبادئ الكلية والخصوصيات التاريخية*

الاسطرلابالشريعة مفهوم جدلي في التاريخ المعاصر، يحمل معاني مختلفة، ومتضاربة أحيانا، في أذهان من يستخدمه.  كثير من المسلمين يستحضرون معاني العدل والرحمة والإحسان والحضارة والازدهار عندما يذكرون لفظ الشريعة، أو عندما يطالبون حكامهم وحكوماتهم بتطبيقها، لأنهم يرون في تطبيقها قطعا للظلم والفساد الذي يستشري في مجتمعاتهم. لكن الشريعة في نظر آخرين ترتبط بالإكراه والاستبداد وضياع الحريات وغياب المساءلة عن سلوك من ائتمن على مصالح الناس عامة وتطبيق الحدود على الفقراء دون الأغنياء، وعلى المحكومين دون الحكام، لأن هذه المظاهر والممارسات واكبت منذ عقود سلوك أنظمة سياسية تحكم شعوبها باسم الشريعة.

ثمة أسئلة أخرى عديدة تثار اليوم حول الشريعة وعلاقتها بالمجتمع السياسي والدولة، بعدما أصبح تطبيق الشريعة البرنامج الأساسي لكثير من الحركات السياسية الإسلامية التي تواجه دول ما بعد الاستعمار على امتداد العالم الإسلامي. ما علاقة الشريعة بالمجتمع؟ هل الشريعة منظومة أخلاقية يلتزم بها من آمن برسالة الاسلام واتبع رسوله؟ أم هل هي القانون الذي تفرضه الدولة على المجتمع وتلزم الناس اتباعه بالقوة شاؤوا أم أبوا؟

وثمة أسئلة أخرى حول ارتباط الشريعة بالممارسات الاجتماعية اليومية؛ أسئلة تتعلق بتطبيق أحكام فقهية طورها فقهاء القرن الثالث والرابع الهجريين الذي عاشوا في مجتمعات تختلف كثيرا في بنيتها وعاداتها وأعرافها وبيئاتها ووسائها عن المجتمعات المعاصرة. فكثير ممن يدعون إلى تطبيق الشريعة يرون في تلك الأحكام جوهر الشريعة وحقيقتها. الأسئلة التي تثار حول الشريعة اليوم ترتبط مباشرة بما أكده الفقهاء وعلماء الأصول من “تغير الأحكام بتغير الأزمان”.

لكن المجتمع المعاصر لم ير مقاربات جديدة لفهم الشريعة وتوجيهاتها، ولم يسمع بمنظومة جديدة من الأحكام الفقهية تقوم على فهم التغيرات الاجتماعية واستيعاب الاختلافات الكبيرة بين المجتمع العباسي الذي شهد تطور الفقه الإسلامي والمجتمع الحديث الذي شهد تطورا كبيرا في العلوم الاجتماعية والإدارية. المجتمعات الإسلامية المعاصرة لا زالت تنتظر حلولا لمشاكلها تستحضر القيم الإنسانية السامية التي دعت إليها رسالات السماء، وتستصحب الاختلافات الاجتماعية والثقافية والبنيوية، سعيا لتطوير أحكام مناسبة لبنية المجتمع الحديث، خاصة فيما يتعلق بالأحكام المرتبطة بالمجالات المدنية والتجارية والاقتصادية والسياسية والحقوقية.

هذه الاسئلة تتطلب مقاربة جديدة، ودراسات معاصرة لتجاوز الجمود التاريخي الذي يحيط بها ويجعلها عقبة أمام التطور الروحي والاجتماعي للمجتمعات الإسلامية المعاصرة. ثمة حاجة لتحديد مبادئ الشريعة الكلية وربطها بخصوصيات المجتمع المعاصر المختلف في الجزئيات والممارسات التاريخية للمجتمعات التي تطورت فيها الكتابات الشرعية التاريخية. الوعي للعلاقة بين الكلي والجزئي، والعام والخاص، هو جوهر جدلية النص والواقع، والمدخل لتحديد المعاني الكلية التي حملتها الرسالات إلى الناس عبر تاريخ التنزيل، والتي تجلت في النص القرآني الذي ختم الكتب التي سبقته التي جاء القرآن ليصدقها. فكما أن الكتاب هو المشترك بين الرسالات التي حملت شرائع مختلفة، فإن الشريعة هي المشترك بين مذاهب واجتهادات الفقهاء عبر التاريخ الإسلامي الطويل. الشريعة هي الكلي الذي لا يرتبط بزمان ومكان محددين، بل يحدد معاني الحق والعدل والإحسان الثابت لكل زمان ومكان.

لا يمكنني في هذه العجالة بحث إشكالية الفهم المعاصر لغايات الشريعة ومقاصدها  فقد بحث هذا الموضوع في كتابي الأخير الشريعة والمجتمع، الذي صدر مؤخرا عن دار الفكر المعاصر. من المفيد هنا ذكر بعض النتائج التي وصلت إليها في دارستي هذه لإثارة النقاش. يؤدي فهم الشريعة من خلال المبادئ الكلية التي أكدتها إلى تحديد مصفوفة من القيم التي تتلخص في مقاصد الشريعة، وهي بالتأكيد تتجاوز المقاصد التي طورها الفقهاء وعلماء الأصول المتقدمين. فمقاصد الشريعة، التي تحدث عنها علماء الأصول كالجويني والغزالي وابن عبد السلام والشاطبي، تشكل عند النظر الشامل مقصدا واحدا من مقاصد الشريعة الأساسية، وبالتحديد مقصد “العدل.” فالعدل مقصد شرعي يرتبط بمجال حيوي واحد هو “المجال الحقوقي”. أما المجالات الحيوية الأخرى، كالمجال المدني والاقتصادي والسياسي فتعتمد على عدد أوسع من المقاصد الكلية، وتنضوي جميعا تحت المقاصد الكلية العامة، والتي هي أعم من المقاصد التي ذكرها الأصوليون، وبالتحديد المقاصد الخمسة الآتية: الأمانة والكرامة والعدل والرحمة والإحسان.

ما يجب تأكيده هنا هو أن الشريعة في معناها الحقيقي لا تتضمن إلا المعاني الكلية، وهي بذلك تفترق عن الفقه الذي يتضمن أحكاما خاصة وعامة جزئية. لذلك فإن معاني الشريعة هي المعاني المؤسسة والمقومة لأحكام الفقه. الأمانة معنى كليا من معاني الشريعة، وهو معنى صالح لكل مكان وزمان. ولكن تحويل هذا المعنى إلى ممارسات سلوكية على مستوى الفرد والمؤسسة الاجتماعية يتطلب تشكيله في أحكام وقواعد جزئية ترتبط بخصوصيات المجتمعات التاريخية، من أعراف وبنى اجتماعية حاكمة. فالأمانة تتطلب قواعد أخلاقية لتطبيقها، مثل قاعدة عدم استخدام الوظيفة العامة لتحقيق مصالح شخصية خاصة، ومثل مؤسسة الرقابة الإدارية للإشراف على المناقصات العامة والحيلولة دون تلزيم مدراء الإدارات الحكومية أعمالا خدمية لشركات خاصة على أساس العلاقات الشخصية وتنفيع الأقران والأقارب.

الشريعة لا تتحدد إذن بالأحكام الفقهية، ذات الطبيعة التاريخية الزمنية، بل تشكل روح الإسلام والقاعدة الوجدانية والأخلاقية للمجتمعات المسلمة. ذلك أن الشريعة هي الحاضن للقيم الأخلاقية والوجدانية الإسلامية، وهي المعنية بتطوير سلوك متوازن يتكامل فيه الحس الأخلاقي والمسؤولية الاجتماعية والفاعلية الإنسانية والابداع الفني. الشريعة وقيمها هي التي صنعت الحضارة الإسلامية التي حررت العقل البشري وحررت الإنسان، فانطلق ليؤسس مجتمعات حيوية امتدت عبر قارات العالم القديم، وأنتجت حضارة طورت المعارف والعلوم والأداب والفنون، وتمكنت من خلال القيم الإنسانية التي تبنتها من  احتضان التنوع الديني والقومي والمذهبي والفكري لقرون طويلة، قبل أن تتراجع وتسقط في مستنقعات الجهل والتخلف.

المجتمعات الإسلامية تعاني اليوم من تداعيات جهل الشريعة وتجاهل قيمها المتميزة وتغييب مراكزها العلمية. ما يقدم اليوم في بعض الدوائر الشرعية والدعوية على أنه شريعة بعيد كل البعد عن روحها والمعاني السامية التي تميزها. جهل الشريعة ولّد طبقة من الوعاظ المتفيهقين، الذين يجهلون الأصول ويقتاتون على نصوص حفظوها دون فقه، يلوكونها بأسلنتهم وقلوبهم غافلة عن أساسها الرسالي ومعانيها ودلالاتها، وعلاقتها بالإنسان ودوره ورسالته. إعادة روح الإسلام وقيمه، وإصلاح المجتمعات أخلاقيا وسلوكيا، يبدأ من معاني الشريعة المغيبة، ومن إدراك معانيها الإنسانية الكلية، والتأسيس من خلالها لمجتمع معاصر حيوي وفعال.

*المقالة تتضمن جملة من المحاكمات التي تلخص مسائل ناقشها الكاتب في كتابه الجديد الشريعة والمجتمع (بيروت: دار الفكر العربي، 2017)

ظهرت هذه المقالة في المنشورات والصحف الآتية:

السوري الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: