الشريعة والمجتمع

shariah and society 1 (2)مفهوم الشريعة من أكثر المفاهيم شيوعا اليوم، ومن أوسعها استخداما بين الناس العاديين والفقهاء المتخصصين، ومن أكثرها وضوحا بحيث لا يطلب أحد عند سماع كلمة “شريعة” تعريفا لها، ومن أكثرها غموضا وخفاء لأن معظم من يتحدثون عن الشريعة لا يملكون تصورا دقيقا لها، بل تجد اختلافات كبيرة حتى بين الفقهاء منهم حول مفهوم الشريعة. فلفظ “الشريعة” يحمل معاني مختلفة، ومتضاربة أحيانا، في أذهان من يستخدمه.  كثير من المسلمين يستحضرون معاني العدل والرحمة والإحسان والحضارة والازدهار عندما يذكرون لفظ الشريعة، أو عندما يطالبون حكامهم وحكوماتهم بتطبيقها، لأنهم يرون في تطبيقها قطعا للظلم والفساد الذي يستشري في مجتمعاتهم. لكن الشريعة في نظر آخرين ترتبط بالإكراه والاستبداد وضياع الحريات وغياب المساءلة عن سلوك من ائتمن على مصالح الناس عامة وتطبيق الحدود على الفقراء دون الأغنياء، وعلى المحكومين دون الحكام، لأن هذه المظاهر والممارسات واكبت منذ عقود سلوك أنظمة سياسية تحكم شعوبها باسم الشريعة.

فما هي الشريعة؟ وما هي محدداتها؟ هل تتحدد الشريعة بالأحكام الفقهية المنثورة في كتب الفقه؟ أم هل الشريعة هي موضوع كتب أصول الفقه؟ أم هل هي مجموع الفقه وأصوله؟ أم هل هي شيء آخر يتجاوز هذا وذاك؟

ثمة أسئلة أخرى عديدة تثار اليوم حول الشريعة وعلاقتها بالمجتمع السياسي والدولة، بعدما أصبح تطبيق الشريعة البرنامج الأساسي لكثير من الحركات السياسية الإسلامية التي تواجه دول ما بعد الاستعمار على امتداد العالم الإسلامي. ما علاقة الشريعة بالمجتمع؟ هل الشريعة منظومة أخلاقية يلتزم بها من آمن برسالة الاسلام واتبع رسوله؟ أم هل هي القانون الذي تفرضه الدولة على المجتمع وتلزم الناس اتباعه بالقوة شاؤوا أم أبوا؟

وثمة أسئلة أخرى حول ارتباط الشريعة بالممارسات الاجتماعية اليومية؛ أسئلة تتعلق بتطبيق أحكام فقهية طورها فقهاء القرن الثالث والرابع الهجريين الذي عاشوا في مجتمعات تختلف كثيرا في بنيتها وعاداتها وأعرافها وبيئاتها ووسائها عن المجتمعات المعاصرة. فكثير ممن يدعون إلى تطبيق الشريعة يرون في تلك الأحكام جوهر الشريعة وحقيقتها. الأسئلة التي تثار حول الشريعة اليوم ترتبط مباشرة بما أكده الفقهاء وعلماء الأصول من “تغير الأحكام بتغير الأزمان”. لكن المجتمع المعاصر لم ير مقاربات جديدة لفهم الشريعة وتوجيهاتها، ولم يسمع بمنظومة جديد من الأحكام الفقهية تقوم على فهم التغيرات الاجتماعية واستيعاب الاختلافات الكبيرة بين المجتمع العباسي الذي شهد تطور الفقه الإسلامي والمجتمع الحديث الذي شهد تطورا كبيرا في العلوم الاجتماعية والإدارية. المجتمعات الإسلامية المعاصرة لا زالت تنتظر حلولا لمشاكلها تستحضر القيم الإنسانية السامية التي دعت إليها رسالات السماء، وتستصحب الاختلافات الاجتماعية والثقافية والبنيوية، سعيا لتطوير أحكام مناسبة لبنية المجتمع الحديث، خاصة فيما يتعلق بالأحكام المرتبطة بالمجالات المدنية والتجارية والاقتصادية والسياسية والحقوقية.

هذه الاسئلة وأسئلة أخرى مرتبطة بالشريعة والمجتمع، وبمقاصد الشريعة وقواعد الفقه وأحكامه، هي موضوع كتاب الشريعة والمجتمع. الإضافة التي يقدمها كتاب الشريعة والمجتمع لا تقتصر على ربط معنى الشريعة بجدلية العلاقة بين الكلي والجزئي، ولكنها تتصل أيضا بتحديد الشريعة بالكليات وإخضاع المعاني الجزئية إلى دلالات المعاني الكلية. يؤدي النظر في العلاقة التي تربط كليات الشريعة وجزئياتها، وفي جدلية النص والواقع، إلى أن الشريعة تتحدد في المعاني الكلية التي حملتها الرسالات إلى الناس عبر تاريخ التنزيل، وأنها مكافئة في دلالاتها لمعنى “الكتاب” في النص القرآني. فكما أن الكتاب هو المشترك بين الرسالات التي حملت شرائع مختلفة، فإن الشريعة هي المشترك بين مذاهب واجتهادات الفقهاء عبر التاريخ الإسلامي الطويل. الشريعة هي الكلي الذي لا يرتبط بزمان ومكان محددين، بل يحدد معاني الحق والعدل والإحسان الثابت لكل زمان ومكان.

الشريعة بهذا المعنى تتحدد بمقاصدها الكلية، وهي كما نبين لاحقا تتجاوز المقاصد التي طورها الفقهاء وعلماء الأصول المتقدمين. فمقاصد الشريعة، التي تحدث عنها علماء الأصول كالجويني والغزالي وابن عبد السلام والشاطبي، تشكل عند النظر الشامل مقصدا واحدا من مقاصد الشريعة الأساسية، وبالتحديد مقصد “العدل.” فالعدل مقصد شرعي يرتبط بمجال حيوي واحد هو “المجال الحقوقي”. أما المجالات الحيوية الأخرى، كالمجال المدني والاقتصادي والسياسي فتعتمد على عدد أوسع من المقاصد الكلية، وتنضوي جميعا تحت المقاصد الكلية العامة، والتي هي أعم من المقاصد التي ذكرها الأصوليون، وبالتحديد المقاصد الخمسة الآتية: الأمانة والكرامة والعدل والرحمة والإحسان.

الشريعة في معناها الحقيقي لا تتضمن إلا المعاني الكلية، وهي بذلك تفترق عن الفقه الذي يتضمن أحكاما خاصة وعامة جزئية. لذلك فإن معاني الشريعة هي المعاني المؤسسة والمقومة لأحكام الفقه. الأمانة معنى كليا من معاني الشريعة، وهو معنى صالح لكل مكان وزمان. ولكن تحويل هذا المعنى إلى ممارسات سلوكية على مستوى الفرد والمؤسسة الاجتماعية يتطلب تشكيله في أحكام وقواعد جزئية ترتبط بخصوصيات المجتمعات التاريخية، من أعراف وبنى اجتماعية حاكمة. فالأمانة تتطلب قواعد أخلاقية لتطبيقها، مثل قاعدة عدم استخدام الوظيفة العامة لتحقيق مصالح شخصية خاصة، ومثل مؤسسة الرقابة الإدارية للإشراف على المناقصات العامة والحيلولة دون تلزيم مدراء الإدارات الحكومية أعمالا خدمية لشركات خاصة على أساس العلاقات الشخصية وتنفيع الأقران والأقارب.

الشريعة ليست مسألة يمكن تجاهلها أو تجاوزها لأنها تشكل روح الإسلام والقاعدة الوجدانية والأخلاقية للمجتمعات المسلمة. ذلك أن الشريعة هي الحاضن للقيم الأخلاقية والوجدانية الإسلامية، وهي المعنية بتطوير سلوك متوازن يتكامل فيه الحس الأخلاقي والمسؤولية الاجتماعية والفاعلية الإنسانية والابداع الفني. الشريعة وقيمها هي التي صنعت الحضارة الإسلامية التي حررت العقل البشري وحررت الإنسان، فانطلق ليؤسس مجتمعات حيوية امتدت عبر قارات العالم القديم، حضارة أنتجت المعارف والعلوم والأداب والفنون دون أن تتخلى عن قيمها ومبادئها. الحضارة التي تشكلت وفق مبادئ الشريعة السامية هي التي احتضنت التنوع الديني والقومي والمذهبي والفكري لقرون طويلة، قبل أن تتراجع وتسقط في مستنقعات الجهل والتخلف.

المجتمعات الإسلامية تعاني اليوم من تداعيات جهل الشريعة وتجاهل قيمها المتميزة وتغييب مراكزها العلمية. ما يقدم اليوم في بعض الدوائر الشرعية والدعوية على أنه شريعة بعيد كل البعد عن روحها والمعاني السامية التي تميزها. جهل الشريعة ولّد طبقة من الوعاظ المتفيهقين، الذين يجهلون الأصول ويقتاتون على نصوص حفظوها دون فقه، يلوكونها بأسلنتهم وقلوبهم غافلة عن أساسها الرسالي ومعانيها ودلالاتها، وعلاقتها بالإنسان ودوره ورسالته. إعادة روح الإسلام وقيمه، وإصلاح المجتمعات أخلاقيا وسلوكيا، يبدأ من معاني الشريعة المغيبة. وهذا هو الهم الذي يحمله الكتاب.

كتاب الشريعة والمجتمع يحمل همّا هو همُّ الناس عموما، وهم المثقفين والمفكرين والفقهاء خصوصا. اللغة المستخدمة، كما سيلاحظ القارئ، دقيقة والمصطلح لصيق بعلم الأصول وأبحاث المقاصد. وهذا سيجعل قدرة غير المتخصصين على الفهم أصعب. ولكنني حرصت على تبسط الكلام واعتماد الأمثلة ما أمكن. كما حرصت على استخدام الرسوم البيانية والجداول لتلخيص الكلام وتبسيطه في مواضع صعبة ودقيقة. لكن القارئ غير المتخصص يستطيع أن يفهم السياق على عمومه، حتى عندما تنغلق عليه خلال قراءته الأولى بعض المباحث. ولقد حرصت في مواضع عديدة على ربط المسائل الأصولية والكلامية بالواقع الاجتماعي والتاريخي ما أمكن. وسيجد المثقف غير المتخصص أن فصولا عديدة ترتبط بأطروحات فكرية وعملية مستقلة عن التخصص الشرعي.

يمكن الحصول على الكتاب عبر الشبكة على الموقع الآتي:

نيل وفرات

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: