وعي التاريخ والفاعلية الحضارية

تناقضاتأظهر الحراك السياسي الذي ولد ثورات الربيع العربي أن العديد من الحركات السياسية، وبشكل خاص الحركات التي تحمل رؤية دينية، تقودها نخب سياسية دينية لا تملك وعي تاريخي، ولا تدرك معاني ودلالات الظرف التاريخي الذي تعيشه وتسعى لتجاوز قصوره وإخفاقاته. غياب الوعي بالتاريخ ومتطلبات اللحظة الراهنة، وانعدام الوعي بآفاق التحرك السياسي والاجتماعي في لحظة تاريخية محددة، يكمن في تقديري خلف التخبط الذي تعيشه قيادات الثورات العربية. فهم القصور في الحراك السياسي الراهن يتطلب إلقاء الضوء على معنى وعي التاريخ ومحددات الفاعلية الثقافية التي تسمح بتجاوز حالة التخلف والتخبط، والتحرك نحو واقع إنساني حضاري. ثمة حاجة إلى فهم العلاقة بين غياب وعي التاريخ وإدراك المهمة الأساسية للدين في التحول الاجتماعي، والسبب الكامن وراء  غياب مشروع حضاري إنساني واضح المعالم، يسعى إلى تحقيق جملة من القيم الأخلاقية والممارسات الإنسانية التي هي عماد الرسالات الدينية.

وعي التاريخ هو إدراك معنى وجود الإنسان عبر الزمان، وأثر البعد الزمني للحياة الإنسانية في تطوير الوعي الفردي والجمعي. وعي التاريخ هو أيضا وعي للشروط النفسية والاجتماعية التي ترفع من فاعلية الإنسان، وصولا إلى أرقى تجليات الوعي الإنسي في وجوده الحضاري. فالفعل الإنساني يبلغ أعلى درجات التأثير عندما يرتبط الفعل الفردي بالفعل الجماعي، ويتناغم الوعي الفردي والوعي الجمعي من خلال التزام الأفراد بالقيم الإنسانية العليا.

تحقيق التناغم بين الوعي الفردي والوعي الجمعي والقيم الإنسانية العليا ليس أمرا سهلا، فالطبيعة الكلية للقيم الإنسانية تجعلها متعالية على التاريخ والممارسات الاجتماعية ذات الطبيعة الجغرافية والتاريخية، والتي تأخذ شكل الأعراف التي يتبناها مجتمع معين خلال فترة تاريخية محددة. الأعراف تتميز بطبيعتها التاريخية وارتباطها بالظروف الخاصة لمجتمع معين خلال ظرف تاريخي محدد. نحن هنا إذن أمام علاقة بين الكلي والجزئي، بين القيم الكلية الموجهة للفعل وبين الأشكال البنيوية الثقافية والاجتماعية التي تأخذ شكل أعراف وعلاقات اجتماعية ومؤسسات ذات ارتباط بالحيثيات التاريخية للوجود الإنسي. إصلاح الأعراف الاجتماعية في المستويين الأخلاقي والمؤسسي وإعادة تشكيلها وفق الأصول الكلية التي انحرفت عنها هو التحدي الذي يواجه الجماعة الإنسانية الساعية إلى السمو والارتقاء والتطور.

هذا التحدي ذو طبيعة روحية، أو بتعبير مكافئ ذو طبيعة معرفية أخلاقية مسلكية. فالتطور والارتقاء البشري في أي دائرة جغرافية وضمن أي جماعة سكانية لا يحدث تلقائيا بناء على حتميات اجتماعية أو تاريخية. فالتاريخ لا يخضع لحتمية مثالية أو مادية، ولا يتشكل نتيجة صراع بين كيانات ثقافية أو طبقات اجتماعية كما يؤكد أقطاب المدرستين الليبرالية أو الاشتراكية. الحتمية التاريخية الوحيدة هي حتمية الصراع بين التناقضات والأضاد، وحتمية انتصار الحركات الإنسانية الأخلاقية على الممارسات العدوانية والاستغلالية، أي حتمية انتصار علاقات التعاون والتراحم والتنمية على علاقات التنازع والقهر والاستغلال. حتمية الصراع يكمن اجتماعيا وتاريخيا في حتمية التناقض بين الصلاح والفساد، وبين الحرية والعبودية وبين العدل والظلم وبين إرادة الخير وإرادة الشر.

انتصار الرؤية الأخلاقية التي تسعى إلى تأكيد القيم الإنسانية ليس انتصارا فكريا نظريا صرفا، بل يرتبط بقيام حركة اجتماعية ملتزمة فكريا وسلوكيا برؤية أخلاقية وعلاقات بنيوية منسجمة معها. انتصار الرؤية الأخلاقية يتجلى بالمواقف الأصيلة التي تتشخص في جماعة إنسانية يثمن أفرادها الوعي الصادق والموقف الأصيل. انتصار الرؤية الأخلاقية المتسامية يتطلب تطوير مشروع حضاري ذي بعد ثقافي وتاريخي. هذا المشروع الحضاري يتشكل داخل فضاء اجتماعي تاريخي معين، وينطلق من بقعة مكانية محددة تشكل المساحة الجغرافية التي تحتضن حركة التطور الثقافي والاجتماعي لمجتمع سياسي متميز.

ثمة ترابط بين الدين والأخلاق والقانون يجعل الدين عنصرا أساسيا في نهضة المجتمعات وقيام الحضارات. الحضارات تتجلى في المجتمعات التي تتمكن من بناء مؤسسات سياسية وقانونية قادرة على حماية الحقوق وإقامة العدل وحفظ الأمن. قدرة المجتمعات على تأسيس دولة القانون تنبع من الالتزامات الأخلاقية لكتلة حرجة داخل المجتمع تشكل الدعامة الاجتماعية والسياسية لتطبيق القانون. بيد أن القانون ليس هدفا للجهد الاجتماعي، بل الهدف هو تحقيق أقصى القدرات الكامنة للوجود الإنساني، والارتقاء بالحياة البشرية إلى نهاية مستويات الممكنات التاريخية المرتبطة بالروح الإنسية.

هذا الأداء الإنساني العالي، والذي يرتبط بالتجلي الحضاري للإنسان، يشكل في حقيقة الأمر لحظة بلوغ الوعي الفردي مستوى الوعي الإنسي، ولحظة ارتقاء السلوك الإنساني إلى مستوى الإحسان. الوعي الإنسي التاريخي بوصفه أعلى مستويات الوعي البشري هو عودة لتأكيد الذات ولكن من مستوى وجودي أعلى ورؤية إنسانية أوسع. مما يلفت النظر غياب الإحسان، وهو قيمة إسلامية عليا، عن جهود التغيير. ذلك أن الإحسان هو الإنسان في أرقى أشكاله وأسمى معانيه. الإحسان فعل يتجلى في كل عمل تتحقق فيه قيم الإتقان والرحمة والعطاء والجمال. الإحسان فطرة إنسانية ولكنها فطرة تحتاج إلى التمحيص والشحذ والتشذيب والتنقيح كي تتألق وتظهر بوضوح وتصبح بادية للعيان.

الوعي الإنسي ذي الطبيعة التاريخية هو الوعي المصاحب لحضور الإحسان والجمال في الفعل الإنساني وبلوغ اللحظة الحضارية. الوعي الإنسي هو لحظة تناغم الجزئي والكلي، والمطلق والمقيد، وتوافق الخاص والعام، وهو لذلك الوعي الصادق في إخلاصه للمَثَل الأعلى وتفانيه في تنزيل القيم العليا للروح إلى دائرة الوعي الإنساني والفعل البشري. ومع تحول القيم العليا إلى مواقف وافعال تتجلى الروح الإنسية في أسمى ملامحها عبر الإبداع الفني والابتكار العلمي والفاعلية الاجتماعية والريادة الثقافية.

النظر إلى جهود التغيير من من خلال الوعي التاريخي لمجموعة سكانية محددة، وعلاقة هذا الوعي بالأولويات الثقافية والدينية التي تسعى إلى تكريسها، يمكننا من فهم أسباب النجاح والأخفاق في ثورات الربيع العربي، وفهم حدود الإنجاز الذي حققته. والنظر في طبيعة المشروع التغييري، والعناصر الحضارية التي تتجاوز البعد السلطوي للصراعات، وتركز على البعد الإنساني والمبادئ الأخلاقية التي تستند إليها المشروعات التغييرية، يعيننا على إدراك مواطن القصور ومواضع الفشل والإخفاق، وبالتالي يمكننا من العمل على تجاوزها وصولا إلى المجتمع الذي يحفظ كرامة الإنسان ويحقق فاعليته.

المقالة مقتبسة مع بعض الإضافة والتعديل من مقدمة الباب الثالث من كتابي: الإنسان وجدلية الوجود والوجدان

نشرت هذه المقالة في الدوريات والمنشورات الآتية:

السوري الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: