الثورة السورية بين المُخلِّص والممكنات الوطنية

SyrianRevolutionثلاثة أشهر مضت على دخول العام الخامس من الثورة ولا زالت القوى التي تمثلها وتحمل همها تنتظر أن يأتي المُخلِّص الذي يقدم النصح ويحدد الخطة ويقسم الأدوار ويوفر الدعم من الدول الكبرى أو دول الجوار. يستوي في ذلك من يحمل السلاح دفاعا عن حيّه أو قريته أو بلدته ومن يشد الرحال إلى أماكن تجمع المعارضة السياسية في عواصم العالم المختلفة، أو ينتسب إلى المؤسسات التي أنشأت بتضافر جهود الناشطين، وفي مقدمتها الائتلاف الوطني السوري والهيئة العليا للتفاوض، إضافة إلى قدماء المعارضين المنهمكين في تشكيل الهيئات والأحزاب والتيارات والجبهات ومن ثم تفتيتها سعيا وراء تشكيلات أخرى.

انتظار المخلص طبعا تراث تاريخي في منطقة المشرق. فجميع الديانات والطوائف والمذاهب تؤمن بمجيء مخلص ما منذ قرون لرفع الظلم وإحقاق الحق، متجاهلة أن من تتنظره قد جاء فعلا من خلال الرسل الذي حملوا الرسالات وأسسوا المبادئ وضربوا الأمثلة، ثم غابوا وتحولت مسؤولية إصلاح الحال ومواجهة الظلم لمن آمن بالحق والصلاح ورفض الظلم والفساد. المخلِّص اليوم كامن في الشعوب ومرتبط بالقيم والمبادئ، وبنماذج التعاون والتناصر لمواجهة الطغيان والعدوان والفساد.

لكن النخب السياسية والثورية التي يفترض أنها اطلعت على نماذج الإصلاح عبر التاريخ، ودرست الثورات والحركات الإصلاحية، لا زالت تنتظر مخلصا ما ياتي من خارج الوطن والحدود ليقف معها ويمكنها من قهر الظالم وإعادة الحقوق إلى أصحابها. بطبيعة الحال تحوَلَ المخلص اليوم في قناعات البعض إلى أنظمة عالمية ودول نافذة، يرتجى وقوفها مع هذا الفريق أو ذاك لتحقيق الأحلام المتعددة والمتناقضة. لقاءات وزيارات لا تنتهي مع رؤوساء ووزراء وسفراء ومبعوثين، ووعود متواصلة باقتراب العون والفرج يرددها اعلام الثورة ووسائل تواصله الاجتماعي منذ سنوات، ولا زال الكثيرون ينتظرون أن يأتي الفرج من الخارج. ومن الواضح أن فرجا لن يأتي طالما بقي الجميع ينتظر ويترقب مبادرات المجتمع الدولي، رغم تطاول الزمن والفشل المتتالي في تحقيق أي من تلك الوعود. ألم يتضح للجميع بعد سنوات من اللقاءات والمؤتمرات والوعود المعسولة أن ما يحرك الدول هي المصالح المشتركة لا المشاعر العاطفية والأحساسيس المرهفة.

لا شك أن فشل المعارضة خلال السنوات الخمسين الماضية في تطوير قدراتها الإدارية والتنظيمية، وعدم إدراكها أهمية احترام قواعد التضامن والبحث عن المصالح المشتركة، يعود جزئيا إلى بطش النظام الحاكم وسلوكه، وغياب التجربة السياسية الحقيقية عن الحياة في سورية.  ولا شك أيضا أن المعارضة تمكنت، بالرغم من ذلك، من تأسيس منظمات مدنية وعسكرية، حققت لها الحد الأدنى من التعاون، وتمكنت رغم تخاذل “الأصدقاء” من الصمود في وجه نظام سادي مجرم يتلقى دعما كبيرا من الشرق والغرب. بل إن صمود المعارضة بعد مرور سنوات خمس، وباعتبار توازنات القوى والقدرات العسكرية، هو في حد ذاته معجزة. لكن المعارضة وصلت بعد بلوغها حدا من التعاون والتضامن إلى مستوى من الأداء غير قادرة على تجاوزه بسبب ضعفها التنظيمي وتفكك بنيتها السياسية والإدارية، رغم أن تجاوز هذا المستوى ضرورة أخلاقية ووطنية لإنهاء المعاناة والتعجيل في إسقاط النظام.

نعم غياب التجربة والخبرة السياسية، وغياب أدوات التخطيط والتنظيم الضروري لمواجهة التحديات، لعب دورا كبيرا في تخبط المعارضة. وصحيح أن الثورة لم تجد الدولة القوية الراغبة في إنجاح الثورة والقادرة على تقديم الدعم الضروري لتحقيق هذا الهدف، بل وجدت نفسها في قلب تجاذبات دولية وأقليمية لتحقيق مصالح أخرى غير مصالح الشعب السوري. لكن الاكتفاء في التماس الأعذار وتجاهل التقصر في التخطيط والتعاون والإعداد هو سبب عجز الثورة، ومن يقود جهودها، عن الانتقال إلى مستوى أعلى من الأداء المطلوب لتحقيق النصر وإرغام المجتمع الدولي على التعامل بجدية ومسؤولية مع مطالبها المشروعة ومؤسساتها العاملة.

المعارضة السورية يجب أن تعترف بأن التنافس الشديد بين افرادها وجبهاتها، وغياب الإرادة الحقيقة في تقديم المصلحة الوطنية المشتركة على المصالح الحزبية والكتلية والمشاريع الإديولوجية والمناطقية، هو السبب الأساسي لعجزها عن العمل معا لإسقاط نظام يتفق الجميع على أنه أضر بمصالح الوطن والمواطن، وللتخلص من متعهدي المال السياسي الذين ساهموا في تعميق التخبط الذي نراه اليوم وقلبوا جسد الثورة رأسا على عقب.

على قيادات المؤسسات التي انشأتها المعارضة خلال السنوات الخمس الماضية أن تدرك بأن المسؤوليات كبيرة وجسيمة، لا يمكن أن يتولها فرد أو ثلة من الأفراد، بل تحتاج إلى بنية تنظيمية مناسبة لتوزيع المهام والأعباء. وعليها توظيف القدرات الكبيرة المتوفرة لدى الجاليات السورية المتواجدة في العديد من الدول المؤثرة في الحالة السورية، وخاصة الجالية السورية الأمريكية التي أثبتت السنوات الماضية أنها مستعدة وقادرة على نقل الهم السوري وإظهار حجم المأساة، ولكنها تحتاج إلى عمل مؤسسي وأقنية مناسبة للتواصل المستمر مع مؤسسات الثورة.

المعارضة لا زالت تتخبط وتتحرك دون خطة واضحة وبنية تنظيمية فاعلة، وفي هذا التخبط خطر شديد على مستقبلها وعلى قدرتها لقيادة مرحلة شديدة التعقيد. والمعارضة لا زالت تتنافس داخليا تنافسا شديدا في أجواء سياسية تتطلب التلاحم والتحرك كجسد واحد. التحدي الذي يواجه المعارضة اليوم لا يتعلق بغياب الخبرات والإمكانيات، بل بغياب العمل التنظيمي الحقيقي الذي يوظف الخبرات ويخطط لتحقيق الممكنات. في اللحظة التي تبدأ فيها المعارضة بالأخذ بزمام الأمور، وتبدأ مكوناتها بالعمل وفق استراتيجية واضحة، وحشد القدرات الذاتية والتواصل مع الدول والمجتمعات والمؤسسات الرسمية والمدنية لتأمن عناصر نجاح الثورة والتعجيل بسقوط نظام الاستبداد، عندها يمكن الحديث عن معارضة فاعلة ترتقي إلى مستوى التضحيات الجسيمة التي قدمها شعب أراد الخلاص من الاستبداد والفساد والتأسيس لمستقبل واعد له وللأجيال القادمة من السوريين.

التعاون والتلاحم والتنظيم والتخطيط وتوزيع المهام والأدوار.. هذه أولويات وخطوات أساسية لجعل المعارضة السورية قادرة على تحمل مسؤولياتها، وشرط ضروري لتحديد الدوائر التي تتقاطع فيها المصالح السورية مع مصالح الدول الكبرى والإقليمية. في تلك اللحظة فقط يمكننا الحديث عن معارضة لا تنتظر تحقيق الخلاص من خلال عطف العالم و”كرم” الدول والرؤساء والمتنفذين، بل تسعى للاستفادة من المصالح المشتركة لتحقيق أهداف الشعب السوري في الحرية والكرامة.

نشرت المقالة في الصحيفة التالية:

السوري الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: