تحديات ثلاثة أمام انتصار الثورة السورية

challenes

التطورات في مسيرة الثورة السورية خلال السنوات الخمس الماضية تدعونا إلى وقفة مع الذات لنطرح عدداً من الأسئلة المهمة حول مستقبل
سورية والحياة السياسية فيها. الوقفة مع الذات في خضم تطورات حاسمة تمثل لحظة مواجهة الحقيقة، وتبين الموقع والوجهة. وهي بهذا المعنى لحظة مؤلمة ومريرة ولكنها تحمل في نبضاتها الأمل والرغبة بغد جديد وحياة أسمى وأرقى. تحول الأمل إلى واقع واعد يتوقف بطبيعة الحال على القدرة على التعامل مع متطلبات الحقيقة والتخلي عن الأوهام والهواجس.

الثورة السورية الكبرى قطعت خلال السنوات الخمس الماضية الكثير من العقبات، وتمكنت من مواجهة نظام عات ووحشي وكسر شكيمته، رغم الدعم الدولي غير المحدود الذي يتلقاه، وتحويله إلى كيان مرهق ومتهافت، يستمد بقاءه من جرعات الدعم التي يتلقها من قوى دولية في الشرق والغرب. ولكن إتمام الرحلة واستجماع القوة والتركيز على تحقيق الهدف يتطلب تجاوز ثلاث عقبات كأداء أثبتت السنوات الخمس الماضية صعوبة تخطيها والحاجة إلى مزيد من الجهد والتصميم للتغلب عليها.

التحدي الأول يتعلق بضعف الالتزام الوطني الجامع، والذي يظهر في التناقضات بين قدرات السوريين الفردية المتميزة وقدراتهم الجمعية المتهافتة. السوريون يجيدون فن اغتنام الفرص وتطوير الذات وتحقيق النجاح على المستوى الفردي ولكنهم لا يتقنون فن صناعة مستقبل الوطن ومهارة التعاون والتكامل لتطوير المجتمع السياسي الذي ينتمون إليه. صناعة المستقبل لوطن متنوع الأديان والقوميات والانتماءات الفكرية والسياسية يحتاج إلى مشروع جامع يسعى إلى بناء مستقبل واعد لجميع أبناء الوطن، وبالتالي يتطلب جملة من المبادئ الممارسات التي تسعى إلى رفع شأن المواطن بغض النظر عن مكانته وانتمائه. شعارات الثورة التي انطلقت من مختلف المدن والقرى السورية دعت إلى مشروع وطني يتضمن الجميع ويدعو إلى نظام سياسي يقوم على أساس دولة القانون التي يتساوى تحت ظلها الجميع، مسلمون ومسيحيون، سنة وشيعة، عرب وكرد. “واحد واحد واحد الشعب السوري واحد” شعار ردده السوريون وهتفوا به في مظاهرات والمسيراته خلال الأشهر الستة الأولى، كما هتفوا بشعارات كثيرة تعبر عن رؤيتهم لسورية تحمي الجميع وتحفظ حقوق الجميع، مثل شعار “لا سنية ولا شيعية وحدة وحدة وطنية” أو شعار ” الشعب السوري ما بينذل”.

بيد أن هذه الشعارات بدأت تتراجع مع سعي النظام لتحويل الصراع في سورية من صراع وطني ضد الاستبداد إلى صراع طائفي بين الأغلبية السنية والأقليات الدينية والطائفية المختلفة. وأدى العنف الوحشي الذي أطلقه النظام ضد الأغلبية التي تشكل عضد الثورة والثقل السكاني، والذي وظف فيه جماعات طائفية مسلحة، جلبها من العراق ولبنان بدعم من دولة إيران التي يعكس دستورها هويتها الطائفية، أدى إلى ظهور أصوات داخل دوائر الثورة تلونت باللون الذي فرضه النظام على الأرض. وبرزت أصوات من أبناء الأغلبية السنية، التي دافعت عبر تاريخها الطويل عن التنوع العقدي والديني والقومي السوري، تحمل نبرة طائفية وقومية نتنة. نعم.. ثمة أصوات تصدر يوميا من قوى سياسية تمثل الطوائف الدينية والتنوعات القومية تسعى لتكريس الصراع الطائفي والقومي. ونعم.. يصر النظام وقياداته الطائفية على توجيه السلاح الفتاك ضد المناطق التي تقطنها الأغلبيات السنية دون غيرها. وهذا بطبيعة الحال يتطلب مع الأغلبية السورية فهم طبيعة الصراع الذي تواجهه، لكن دون الوقوع في شرك الخطاب الطائفي أو التخلي عن قيمها وتقاليدها التاريخية التي كان لها الفضل في حفظ التنوع الديني والقومي الذي يميز النسيج الاجتماعي السوري.

التحدي الثاني يرتبط بالحصرية الدينية، ويتجلى في النبض الديني الذي يختلج في عروق الثورة، ينعكس بوضوح في أسماء أسماء الكتائب الثورية المقاتلة وفي شعارات ومفردات القوى الثورية. النفس الديني يعكس الطبيعة المحافظة للمجتمع السوري، ويشكل حالة طبيعية في لحظات يتحول فيها الموت إلى حقيقة يومية تلازم القوى التي تواجه نظام الاستبداد والإفساد. من الطبيعي أن يكون للإرث الروحي والديني الإسلامي دورا مهما في رسم صورة الثورة  بما يشكله من حافز روحي وسند إيماني يستمد منه الثائر القدرة على مواجهة وحشية آلة القمع والقتل والتدمير.
المشكلة هنا لا تمكن ضرورة بالانطلاق من الزخم الروحي الإسلامي لمواجهة الاستبداد والعدوان، بل في تجاهل قيم الإسلام الأساسية التي تدعو إلى التعاون والتراحم وإحقاق الحقوق واحترام التعدد العرقي والديني وتقديم المصلحة العامة على المصالح الشخصية. المشكلة تكمن في قيام بعض القوى الثورية بتوظيف الإسلام ورموزه لتبرير أعمال العنف والقهر والإرغام، ولتمويه المحفزات الحقيقة التي تتبدى في الرغبة بالتسلط والتحكم والانتقام وتنعكس في محاكاة سلوكيات النظام المجرم التي انتفضت الثورة لإنهاء ممارساته السادية المجرمة.

النبض الديني يجب أن يبقى مصدرا روحيا وأخلاقيا للفعل الثوري، يحصن الفرد ضد الخوف واليأس والتراخي في وجه الفساد والاستبداد، دون أن يتحول إلى شعارات وممارسات حصرية تولد الفرقة والبغضاء والتمييز بين أبناء الشعب السوري. النبض الديني يجب أن يتجلى في احترام المبادئ التي قامت عليها الثورة، والعمل على بناء وطن يتعاون ابناؤه للوصول إلى الحق والخير، وتحترم فيه حقوق المواطنين جميعا دون تكبر أو تمييز.
الحصرية الدينية التي تجلت خلال السنوات السابقة بجعل الثورة ونتائجها ملكا حصريا للطائفة السنية في مواجهة الطائفتين والعلوية الشيعية لا تعبر عن النبض الإسلامي الحقيقي. الروح الإسلامية التي جعلت الإسلام تراثا إنسانيا يعتز به أبناء المنطقة على اختلاف طوائفهم ومشاربهم هو الإسلام الذي تجلى في سماحته وانفتاحه على التعدد الديني والقومي والتعامل مع أبناء المجتمع السياسي والإنساني على أساس الرحمة التي هي فحوى رسالة الصادق الأمين والتي وسمها القرآن الكريم على أنها “رحمة للعالمين”.

التحدي الثالث يتمثل في النرجسية السياسية، وهي حالة تصبغ ممارسات شريحة واسعة من الناشطين والمثقفين والسياسيين الذين يحملون راية الثورة ويقودون كياناتها العديدة المتفرقة. المشكلة بطبيعة الحال لا تتعلق بالتنافس السياسي نفسه الذي هو جوهر العملية السياسية في المجتمعات الحرة. المشكلة تظهر في تقديم المصالح الذاتية والمناطقية والحزبية على المصلحة الوطنية، واعتماد الولاءات الضيقة في دعم المواقف ومساندة القيادات السياسية. المشكلة تتجلى في عجز الثورة بعد مرور خمس سنوات من انطلاقتها على بناء قيادة سياسية وعسكرية مركزية يلتف حولها الجميع. صحيح أن التنافس السياسي حالة طبيعية في مجتمع الأحرار، ولكن للتنافس قواعد يجب أن تحكمه لمنع استغلال العملية التنافسية من قبل تجار الثورة ومقاوليها الذين يوظفون المال السياسي والوعود الخلابة الحصرية لتحقيق مآربهم وكسب التأييد والأنصار.
القاعدة التي تحكم الصراعات السياسية الطويلة تقضي بانتصار القوى السياسية التي تملك تضامن داخلي عالي وقدرات تخطيطية وإدارية متميزة، وتستطيع الصمود وتحمل الآلام والتحديات مدة أطول من خصومها. وبطبيعة الحال فإن عنصري التضامن والصبر مترابطين، لأن الصمود أدعى للقوى القادرة على الاحتفاظ بتماسكها الداخلي والملتزمة بالأهداف المشتركة التي تربط افرادها.

تمكنت الثورة السورية من الصمود في وجه أعتى الأنظمة الدموية المدعومة من قوى طائفية واستعمارية بفضل ثقافة الثغور التي جعلت منطقة المشرق الصخرة التي تتحطم فوقها أعتى القوى العدوانية والتوسعية التي مرت فوق أرضها الحرة الأبية. لكن التحديات الثلاثة السابقة تبقى حجر عثرة في طريق انتصار الثورة. التغلب على هذه التحديات يتطلب تطوير جبهة وطنية متماسكة ومتمسكة برؤية جامعة تعمل على قيام دولة المشاركة والقانون واحترام حريات وحقوق السوريين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والطائفية والقومية.

ظهرت المقالة في المنشورات الآتية:

السوري الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: