الحرية تبدأ باحترام حق الخصوم والمناوئين في التعبير عن آرائهم

 

تناقضاتقتل واستباحة المخالف بالرأي والعقيدة هو جوهر الطغيان، والقاسم المشترك بين الأنظمة العلمانية المستبدة والحركات الدينية المتطرفة. اشتراك الطرفين النقيضين في مبدأ قتل الآخر لا لجرم ارتكبه بل لكلمة قالها يعكس عمق المشكلة وتجذرها في الثقافة السياسية السائدة في المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة. جذور المشكلة تاريخي كرستها الممارسات السياسية للسلاطين الذين استعانوا بفتاوي بعض علماء الشريعة لاستباحة خصومهم السياسيين بحجة الكفر الزندقة والفسوق.

الشخصية التاريخية التي تحولت إلى رمز للطغيان والاستعلاء هي شخصية فرعون الذي اتصف حكمه بالعلو في الأرض واستباحة خصومه بعيدا عن أي وازع أخلاقي أو إنساني. السلوك الفرعوني الذي أنكره القرآن الكريم هو عين الممارسات الاستبدادية لأنظمة الطغيان الرسمية والحركات الدينية المتطرفة المتمردة عليها، والذي لخصه في عبارة بليغة تعكس طبيعة طغيان فرعون الذي مارس أبشع أشكال الظلم والعدوان باسم الرشد، وبرر إرغام رعاياه على اتباع قراراته الجائرة بأنه لا يرغم أحدا إلا بما يراه هو صوابا، “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”!

الشريعة الإسلامية بأصولها الثابتة لا تبيح قتل كافر لقول قاله أو عقيدة اعتنقها، بل لعدوان قام به أو جريمة اقترفتها يداه. هذا المعنى مبثوث في نصوص الكتاب وسلوك الرسول الأمين الذي رفض رأي أصحابه في قتل عبد الله بن أبي، الذي أمضى سنواته الأخير يحرض الناس ضد صاحب الرسالة ونعته بأبشع الأوصاف، قائلا لهم “لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه”. كما شدد القرآن الكريم على حرية الإنسان في اختيار دينيه وحرمة قتل المغاير في الدين والعقيدة. وأكد في المواضع الذي أجاز فيه قتال الكفار على ارتباط القتال بالعدوان، ونهى عن الاستمرار في قتال من جنح منهم إلى السلم واختار الصلح.

لكننا نرى اليوم من يتجاوز حدود الحق والعدل تحت راية الإسلام، ويخالف في سلوكه ومواقفه نصوص الكتاب وروح التشريع فيستبيح قتل من يخالفه في الرأي والعقيدة، كما تفعل الجماعات الإسلامية المتشددة تحت عناوين محاربة الكفر والردة، وكما يمضي دعاة ولاية الفقيه في إيران والعراق ولبنان في قتل خصومهم السياسيين ونقادهم، ولعل أخرهم الشاعر العراقي أحمد النعيمي التي تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي قتله بسبب قصيدته “نحن شعب لا يستحي” والتي هاجم فيها نفاق المجتمع الذي ينتمي عليه.

ومهما كان الموقف من الكلمات التي قالها فإن قتل شاعر أو كاتب أو ناقد عقابا له على كلمات تفوه بها هو قتل للحرية التي تبدأ بحرية الكلمة والرأي والضمير. قتل الفرد لمقولة قالها ليس عقابا له بل ترويع لأفراد المجتمع، وسعي إلى كم الأفواه وتجريم النقد وإسكات الكلمة الحرة التي لا قوام لحرية الإنسان دونها.

عندما يرضى المجتمع قيام السلطة السياسية بقتل مواطن لكلمة قالها فإنه يرضى في اللحظة عينها أن تقتل الحرية في بلده وأن ينقسم المجتمع إلى حفنة من الطغاة المستبدين وجموع من الرعاع المستلبين.

عندما تجد مجتمعا يقتل أحد أفراده لكلمة قالها، فأعلم أنه مجتمع سادة وعبيد لا مجتمع أحرار. الكلمة تواجه بالكلمة لا بالسيف والرصاص. الجبناء والمرجفون فقط يواجهون الكلمة بالرصاصة وحبل المشنقة. قدسية حياة الإنسان لا تزول إلا بفعل قتل بادر هو إليه أو عدوان جسدي استباح من خلاله إنسانا آخر. هذا هو حكم العقل كما أنه حكم الشرع الإسلامي وكل شرع يتحدث بلغة السماء.

اللجوء إلى القتل واستباحة النفوس في مواجهة المخالفين في الرأي والعقيدة هو سلوك الطغاة الذي لا يريدون للرأي الحر والفكر المخالف لرأيهم وسلوكهم بالظهور. مثل هذا السلوك يحيل المجتمع الذي يمارسه إلى مجتمع سادة وعبيد، يتحكم فيه القوى المستبد بالضعيف المستلب، وإلى مجتمع نفاق تتناقض فيه قناعات الناس وأقوالهم، وتخالف مظاهر الناس ضمائرهم.

اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بالأمان عند التعبير عن رأيه وإظهار ضميره في مجتمعات العرب والمسلمين ستكون لحظة عودة الحرية والحياة الكريمة إلى هذه المجتمعات التي افتقدتها عندما سمحت للسيف والبندقية أن تتحكم بالفكرة والكلمة.

الحرية كل لا يتجزأ. عندما يفقدها فرد من أفراد المجتمع فإن حرية المجتمع برمته في خطر!

نشرت هذه المقالة في موقع السوري الجديد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: