كتاب لؤي صافي الجديد: الرشد السياسي وأسسه المعيارية

الرشد السياسي 1الصراع داخل المجتمع المسلم حول مصدر الشرعية السياسية وطبيعة النظام السياسي الأفضل مستمر منذ بدايات القرن الثامن عشر الميلادي، مذ أن بدأ السلاطين العثمانيون جهود تحديث مؤسسات الحكم وأدواته، بدء بالمؤسسة العسكرية. قطبي الصراع يتمثلان في التراثي والحداثي اللذين يختلفان بأطروحاتهم السياسية ولكنهما يتشابهان في منهجية التعاطي مع مسألة الشرعية السياسية في اعتمادهما الكامل على نموذج سياسي تم تطويره ضمن ظروف تاريخية مختلفة.

يسعى كتاب الرشد السياسي إلى بحث الأسس القيمية والمعيارية التي تؤطر للمفاهيم السياسية في إطارها التراثي والحداثي على حد سواء. فالحداثة لا يمكن أن ترفض وفق موقف قبلي عقدي يقوم على أساس أنها نتاج الآخر وبالتالي فهي تتعارض مع القيم الدينية والثقافية للمجتمعات الإسلامية. ذلك أن تناقض الذات والآخر ليس تناقضا وجوديا أو دينيا في دائرة النظر الإسلامي، الذي يرى في رسالته امتدا للرسالات السماوية السابقة وحاميا لها. التناقض بين الذات والآخر في الرؤية الإسلامية تقوم على تناقض في القيم والمعايير الكلية، وفي غياب هذا التناقض فإن إنجازات الآخر هي في جوهرها إنجازات إنسانية يجب تبنيها والبناء عليها وتطويرها إلى مستوى أعلى من الأداء والممارسة، لا رفضها والتنكر لها. هذا التواصل والتكامل بين التنوع الديني والحضاري الذي يشترك في القيم الإنسانية واضح في مواقف صاحب الرسالة، كموقفه من النجاشي ومملكته التي اعتمدت العدل أساسا للتعاطي مع الناس، أو موقف الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب من منهجيات إدارة الجيش، وعدم تردده في اعتماد نظام الدواوين الإدارية الذي طوره الفرس لتنظيم الجيش الإسلامي في عهده، رغم الخلاف السياسي والصراع العسكري بين دولة الخلافة الراشدة والملوك الساسانيين.

إصرار الكثيرين على العودة إلى المنهل الإسلامي لتحديد معالم النظام السياسي، بعد خيبات الآمل المتكررة في المنظومات السياسية التي قامت في بلاد العرب والمسلمين لتحاكي الأنظمة الليبرالية والاشتراكية والرأسمالية والقومية، يرتبط في وجدان المسلم بنموذج الخلافة الذي رافق عصور الارتقاء الحضاري، ويتعلق بشكل خاص بالخلافة الراشدة التي ضربت مثلا في انتماء القيادة السياسية إلى جسد الأمة وخضوعها إلى حزمة من القيم المعيارية التي أخضعت تلك القيادة إلى المساءلة والشورى والمسؤولية الاجتماعية.

المشكلة في الدعوات إلى إحياء نموذج الخلافة هي أنها لا تعي أن النماذج التي تسعى إلى إعادة انتاجها نماذج تاريخية، ساهمت في ربط قيم الرسالة ومفاهيمها بمجتمع سياسي تاريخي له خصوصياته التاريخية، وأن نجاح تلك النماذج في سياقها التاريخي لا يعني قدرتها على تنظيم الحياة السياسية في المجتمعات الإسلامية المعاصرة. هذا الكتاب يسعى إلى إلقاء الضوء على العلاقة بين المعياري والاجتماعي، وإعادة قراءة النماذج التاريخية لتمييز الكلي المجرد عن الزمان والمكان من خصوصياته التاريخية، وبالتالي السعي إلى النظر في الاحتمالات السياسية الممكنة لتوظيف القيم الكلية لتطوير رشد سياسي معاصر، يحاكي في غاياته تلك الغايات التي رفعت المجتمع السياسي الإسلامي التاريخي، ولكنه يعمل على تنزيل تلك القيم في سياق اجتماعي معاصر.

الدراسة الحالية تنطلق من مفهوم الحكم الراشد وتبحث في مجالاته الدلالية، لا بوصفه آلية وبنية سياسية، بل باعتباره قرارا يتعلق بالحياة العامة، ويهتدي بجملة من القيم المعيارية الموجهة للقرار والفعل الناجم عنه. وبعد رسم حدود الحكم الراشد كما تجلى سياسيا في الخبرة الإسلامية التاريخية، تنتقل الدراسة إلى النظر في مفهوم الحوكمة الرشيدة بوصفها علاقة بين أفراد المجتمع المدني ومؤسساته من جهة، ومؤسسات الدولة السلطوية. وبالتالي فإننا في هذه الدراسة نسعى إلى النظر في القيم المعيارية التي صاحبت التحول من الحكم الراشد باتجاه قواعد سياسية مطلوبة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة التي لا يمكن لها أن تنمو وتتطور إلى باعتماد مبدأ الشورى، هذه القواعد التي نسميها قواعد الحوكمة الرشيدة ناجمة عن المزاوجة بين مبدأ الشورى والأسس المعيارية للحكم الراشد.

الرشد السياسي يتمثل إذن بمجموعة من الأحكام المنبثقة عن منظومة معيارية تعطي للرشد معناه وحقيقته، سواء على مستوى الحكم والحكومة، أو على مستوى المجتمع المدني والحوكمة. هذه المقاربة المعيارية تمكننا، كما سنوضح في فصول الكتاب السبعة، من التحرر من قيود البنية وخصوصياتها الزمانية والمكانية، وتسمح لنا بتسليط الأضواء على السياسات العامة بدلا من الانكفاء داخل دوائر الصراع السياسي والبنى السياسية المتبدلة وفق متغيرات الزمان السياسي والجغرافية السياسية. الاهتمام بالبنية السياسية على حساب القيم الحاكمة والبنى الاجتماعية الفاعلة ولّد نظما سياسية تدعي اعتماد مبدأ الشورى في شكله الديمقراطي الحداثي، ولكنها في حقيقة الأمر قلصت الديمقراطية إلى طقوس إجرائية خاوية من روح الشورى الحقيقية، كما هي حال الإجراءات الانتخابية التي تولد عبر أساليب الاحتيال والخداع نتائجا خيالية تصل إلى الثمانين والتسعين بالمئة من الأصوات، في مجتمعات يقوم النظام على توظيف القبضة الأمنية والعسكرية لترسيخ القيادة السياسية ذات الطبيعة العسكرية المفروضة على الناس.

الكتاب يبحث جهود ترشيد السياسات العامة، ببنائها على منظومة من القيم الكلية والمعايير الأخلاقية لتطوير الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع وتحقيق النماء الاقتصادي والتكافل الاجتماعي.

الترشيد، بوصفه سيرورة سياسية اجتماعية، يهدف إلى بناء القرارات المتعلقة بالحياة العامة على مبادئ إنسانية واضحة، تحقق مصالح الإنساني وتحفظ كرامته. وهو بهذا المعنى عملية ثقافية وتعليمة وإجرائية وسياسية. فلا إمكانية لترشيد الحياة السياسية دون بناء وعي إنساني راقي وتطوير ثقافة تقوم على مبادئ أخلاقية مشتركة بين أفراد المجتمع، يشكل مجموعها دائرة المعروف الذي يمكّن المجتمع من تطوير سياسات عامة تلقى صدى لدى أفراده ونخبه على السواء.

الرشد السياسي مطلب أساسي اليوم، بل هو تحد يواجه المجتمعات العربية والإسلامية التي تبحث عن النظام السياسي والقانوني الذي يعبر عن خصوصياتها القيمية والوجدانية، ويمكن من تطوير مجتمع يحفظ لأفراده الخصوصيات الدينية دون التفريط بالحقوق المدنية والسياسية المشتركة، وفي مقدمتها قيم المساواة والعدل والحرية والمشاركة والمساءلة الضرورية لتطور الفرد والمجتمع. الرشد السياسي وأسسه المعيارية هو الهاجس الأساسي الذي يسعى هذا الكتاب إلى تحديده وتطويره والإضاءة على مفرداته المختلفة.

اطلب الكتاب من:

مكتبة الكتب العربية على الشبكة

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: