التدخل الإيراني والتطرف في سورية

مثقفارتأى الكاتب والمفكر السوري المعارض لؤي صافي، أن آفاق الحل السياسي ما زالت غائبة مع إصرار حلفاء الأسد على بقائه في السلطة، وإصرار المعارضة على أن لا حل سياسياً ممكناً مع بقاء الأسد وقيادته الأمنية المسؤولة عن قتل السوريين وتدمير البلاد وتكريس الاستبداد، مشدداً على أن حوارات موسكو والقاهرة لم تأتِ بجديد، بل وُظفت من قبل هيئة التنسيق والقوى المتحالفة معها لتقديم حلول سياسية فات أوانها.

وشدد صافي على أن هناك خطاباً طائفياً وُلد مع تصاعُد العنف واستهداف قوى الجيش والأمن العسكرية التي تتحكم فيها الطائفة العلوية للمدن والقرى السنية. «الراي» التقت لؤي صافي في حوار موسع حول أزمة سورية الحالية وآفاق الحلّ ووضْع المعارضة وما يُحكى عن مخطط تقسيم سورية وحول وضْع الأقليات ومصير الرئيس السوري بشار الأسد وغيرها من الامور التي تشغل العالمين العربي والدولي في ظل شيوع الحركات المتطرفة ومصالح وحسابات الداخل والخارج، وفي ما يلي تفاصيل الحوار:

*هل ترون في الافق القريب ما يؤشر لإمكانية حل في الازمة السورية؟
دخلت الأزمة مرحلة جديدة خلال الشهر الماضي، نتيجة تقدم المعارضة العسكرية في الشمال والجنوب، وانهيار قوات النظام الكامل في محافظتي إدلب ودرعا. الإنهاك يبدو اليوم واضحا داخل قوات النظام، والتراجع في معنويات مقاتليه كبير. تقدم داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) في شرق سورية وسيطرتها على مدينة تدمر وريف حمص الشرقي أعطى مؤشرا إضافيا إلى عجز النظام عن تملك الأرض، رغم الدعم الكبير بالمقاتلين والعتاد القادم من إيران والجماعات الطائفية التابعة لها في العراق ولبنان. آفاق الحل السياسي لا زالت غائبة مع إصرار حلفاء الأسد على بقائه في السلطة، وإصرار المعارضة أن لا حلا سياسيا ممكنا مع بقاء الأسد وقيادته الأمنية المسؤولة عن قتل السوريين وتدمير البلاد وتكريس الاستبداد. خسائر النظام الفادحة قد تقنع داعمي الأسد للضغط باتجاه إبعاده عن السلطة والبحث عن حل سياسي يحافظ على المصالح الإيرانية والروسية في سورية، ولكن هذا لن يكون سهلا لأن انهيار النظام بصورة كاملة مع خروج الأسد وأسرته من الساحة السياسي هو الاحتمال الأرجح.
تنحي الأسد أو انهيار نظامه لن يؤدي بطبيعة الحال إلى نهاية الصراع في سورية، بل ستجد القوى الوطنية نفسها وجها لوجه مع داعش الذي سيعمل على تصعيد المواجهات مع القوى المقاتلة الوطنية. ورغم ذلك، فإن انهيار النظام سيشكل خطوة كبيرة وحاسمة في إنهاء المعاناة المستمرة في سورية منذ أربع سنوات. المشهد السوري لن يكون سيئا كما يحاول النظام إقناع العالم، بل ستعطي المواجهة مع تنظيم الدولة فرصة لقوى المعارضة لرص صفوفها وتنظيم نفسها. وستعجل هذه المواجهات في القضاء على تنظيم الدولة الذي نما بتوظيف مظالم الأغلبية السنية في العراق وسورية، واستفاد من تركيز المعارضة المسلحة على محاربة النظام للتمدد في المناطق المحررة.

*ما هو مصير راس النظام؟ لاسيما وان بعض المعارضة يحاور هنا وهناك في القاهرة وفي موسكو وفي تركيا وكأننا امام معارضات لا تلتقي على وجهة واحدة مما يؤخر في عملية انهاء النظام؟
حوارات موسكو والقاهرة لم تأت بجديد، بل وظفت من قبل هيئة التنسيق والقوى المتحالفة معها لتقديم حلول سياسية فات أوانها، وبالتحديد إعادة طرح صيغة معدلة من بيان جنيف تتجاهل كل التطورات السياسية والميدانية منذ مفاوضات جنيف التي أظهرت رفض النظام للحل السياسي، واستمراره في التصعيد العسكري باستهداف المراكز السكانية للأغلبية السنية الرافضة لسياساته، وسعيه إلى توظيف المعارضة في حربه ضد الثورة تحت شعار محاربة الإرهاب. المعارضة تبدو مفككة نتيجة إصرار الدول الداعمة على تمثيل كل طيف سياسي وديني وطائفي في مؤسسات المعارضة. هذا طبعا أدى إلى ترهل مؤسسات المعارضة، ودفع القوى الممثلة فيها إلى التنافس المحموم على قيادة الثورة. التنافس السياسي مفيد ومقبول في فترات الهدوء والاستقرار، وعند توفر التفاعل المباشرة بين الشعب وممثليه المنتخبين عبر آليات شورية ديمقراطية، ولكنه يتحول إلى عائق كبير في خضم صراع عسكري تسعى فيه الدول الإقليمية والقوى الدولية إلى التحكم بمفاصل البنية السياسية لقوى الثورة والمعارضة السورية.

*ماذا انتجت هذه الحوارات حتى الان لاسيما حوار القاهرة الاخير؟ الحوارات المحورية التي وضعت الأوراق الأساسية جرت في إسطنبول منتصف عام 2011 وأدت لإعلان المجلس الوطني السوري، ثم في اجتماع المعارضة الموسع في إسطنبول في منتصف عام 2012 الذي تولدت عنه وثيقتي العهد الوطني والخطة الانتقالية، ثم في خريف العام نفسه في القاهرة، والذي أعاد صياغة الوثيقتين المذكورتين وتم تقديمها تحت عنوان وثيقتي القاهرة. حوار القاهرة الذي عقد مؤخرا أعاد إنتاج وثيقة الخطة الانتقالية تحت عنوان خارطة الطريق، ودعا إلى التفاوض من جديد مع نظام الأسد لتشكيل هيئة حكم انتقالي، متجاهلا فشل جهود الائتلاف الوطني السوري للوصول إلى الصيغة نفسها في مطلع عام 2014 نتيجة لتعنت النظام، كما تجاهل التطورات الميدانية ودور القوى الثورية على الأرض.

*يوجد من هو في معارضة الداخل والبعض يسمي نفسه معارضة معتدلة ينتقد هنا وهناك؟ من يقود هذه المعارضة وما علاقتها بالائتلاف ولماذا نجد شعارات دينية تغلب على تسميات الفصائل المسلحة او الناطقين باسمها وان كانوا بعيدين عن النصرة وداعش؟
معارضة الداخل ممثلة بالحزب الاشتراكي الناصري الذي يقوده حسن عبد العظيم، وتيار بناء الدولة الذي يقوده لؤي حسين، وحزب الجبهة الشعبية للتغيير والتحرير (وهي بقايا الحزب الشيوعي السوري) التي يقودها قدري جميل، والحزب القومي السوري الذي يقوده علي حيدر. سعت هذه الأحزاب إلى إصلاحات شكلية تسمح لها بالمشاركة في الحكم دون تنحية بشار الأسد ومساعديه. بل شارك قدري جميل وعلي حيدر في حكومة النظام، في حقائب وزارية رسمية خلال السنتين الماضيتين، واثناء حرب النظام على الشعب السوري. هذه الأحزاب المعارضة التي أطلق عليها النظام وحلفاؤه صفة الاعتدال كانت خلال السنوات الأربعة الماضية أقرب في طروحاتها وحلوها إلى النظام، لذلك أتت حلولها جزئية لا تتعامل مع أصل المشكلة، والمتمثلة بالسياسات الطائفية والاستبداد العسكري والعنف الأمني. كما هاجمت هذه الأحزاب خيار القوى الثورية بمواجهة النظام بعد قرار التصعيد والزج بالجيش في الصراع السياسي لحماية بشار الأسد وفرضه بالقوة على الشعب.
باختصار، مواقف هذه الأحزاب المتصالحة مع النظام والرافضة للثورة هو السبب في انتقادها والتفافها على قوى الثورة والمعارضة بصورة عامة. أما تسمية الكتائب بأسماء إسلامية فيتعلق بالطبيعة المحافظة للأغلبية في سورية، وسعي الثائرين على نظام طائفي إلى التأكيد على الهوية الإسلامية التي عمل نظام البعث في سورية على طمسها ومحاربتها بشتى الطرق. المبالغة في إظهار الهوية الدينية ناجم عن تطرف النظام في محاربة هذه الهوية، وهو ناجم أيضا عن مظاهر عبادة الزعامة السياسية التي أدخلتها القيادات العسكرية والأمنية ذات الطبيعة الطائفية لتكريس سلطة الأسد ورفعه فوق النقد السياسي. سياسات نظام الأسد في إضفاء القدسية على رأس النظام ورهن البلاد لأسرة الأسد ولدت نقمة كبيرة لدى الأغلبية السنية ودفعتها لتأكيد الشعارات الإسلامية التي تتناقض مع تقديس الأشخاص.

*أليس خطاب المعارضة السورية في الداخل طائفي ومؤثر على الشارع السوري الشعبي أكثر من خطاب المعارضة في الخارج ومنها خطاب الائتلاف؟ هناك خطاب طائفي تولد مع تصاعد العنف، واستهداف قوى الجيش والأمن العسكرية التي تتحكم فيها الطائفة العلوية للمدن والقرى السنية. وتزايد نقمة الأغلبية السنية على السياسات الطائفية للنظام واستعانته بقوى طائفية شيعية أحضرت للدفاع عن نظام استباح شعبه بحجه الدفاع عن مرقدي السيدة زينب والسيدة رقية، وبدعوى الانتصار للحسين. الشعب السوري من أقل الشعوب نزوعا للطائفية، وحرصه على الحفاظ على التنوع الديني والطائفي وحمايته للأقليات عبر تاريخ طويل يشهد له بالانفتاح على التعدد الديني. الأغلبية السنية كانت عبر التاريخ حاضنة للأقليات، واستمر التعايش بين الأغلبية السنية والأقليات المسيحية والدرزية والعلوية منذ دخول الإسلام إلى أرض الشام. بل إن التواجد اليهودي استمر في مدينة دمشق لآلاف السنين ولم يغادر اليهود السوريون دمشق إلا بعد هيمنة حزب البعث على مؤسسات الدولة واستيلاء حافظ الأسد على الحكم.

*لماذا لم تنتقل الحكومة المؤقتة الى الداخل السوري حتى الان مع تحرير مناطق قد تم؟
الحكومة المؤقتة أعلنت عن رغبتها في الانتقال إلى الداخل السوري منذ بداية العام الماضي، ولكن توجد عقبات تتعلق بالموقف العدائي لقوى عسكرية منتشرة في المناطق المحررة، خاصة داعش والنصرة، ونجاح هذه القوى خلال السنتين الماضيتين باختطاف ناشطين محسوبين على الائتلاف ومهاجمة مركز مرتبطة بالائتلاف والحكومة. لكن الحكومة تمكنت مؤخرا من تأسيس مكاتب محلية تابعة لوزاراتها العاملة، خاصة وزارات التعليم ووزارة الصحة والإدارة المحلية، تقدم خدمات للمناطق المحررة. طبعا الوضع الحالي غير كاف وغير مقبول، والمطلوب من الائتلاف وقيادته العمل على إيجاد آليات للتواصل مع القوى العاملة على الأرض، وتطوير بنية إدارية وسياسية تسهل من انتقال أكبر لمكاتب الحكومة المؤقتة للداخل.

*ما هي امكانية النجاح في تشكيل جيش سوري موحد في ظل انتشار فصائل مقاتلة بمسميات عدة تمسك بالشارع السوري وبالأمن ومن يلزم هؤلاء بقرار عسكري موحد؟
جرت مساعي عديدة لإنشاء جيش وطني، واصطدمت هذه المساعي في الماضي باعتراضات من قبل بعض الدول المؤثرة في الحالة السورية. التفاهم التركي الأمريكي في مطلع العام الحالي حول تدريب وتسليح قوات المعارضة العسكرية اصطدم بعائق إصرار الولايات المتحدة على أولوية الصراع مع داعش وإصرار المعارضة على مواجهة النظام وداعش معا في آن. هناك مساع تجري حاليا لتوحيد القوى العسكرية ذات الانتماء الوطني عبر غرف عمليات مشتركة، أدت مؤخرا إلى تشكيل جيش الفتح في الشمال وغرفة العمليات المشتركة في الجنوب، مما ساهم في الانتصارات التي حققتها المعارضة المسلحة مؤخرا.

* هل تقرا في الموقف الدولي والعربي إمكانية للخروج من عنق الزجاجة بالنسبة الى المعارضة السورية؟
التناقضات في المواقف الدولية والإقليمية لعبت دورا رئيسيا في إطالة الصراع العسكري في سورية، كما ولد تناقضات داخل صفوف المعارضة السورية. التقارب الأخير بين مواقف تركيا وعدد من دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة السعودية وقطر، ساهم في الضغط باتجاه تقديم دعم عسكري أكبر لمقاتلي المعارضة، وخفف من حدة التناقضات داخل صفوفها. توالي هزائم النظام العسكري ستولد بالتأكيد حراكا سياسيا مختلفا، وستمهد الطريق نحو اتخاذ الخطوات الحاسمة للبحث عن مخارج تنهي الصراع الدموي في البلاد.

* ما هو المطلوب لتحقيق هذه الاهداف لاسيما لجهة مستقبل سوريا بن دون الاسد؟
المطلوب هو دفع القوى الداعمة للنظام، بالتحديد روسيا وإيران، إلى قبول بعملية انتقالية تخرج بشار الأسد ومساعديه كليا من العملية السياسية، وتسمح بتشكيل هيئة انتقالية تمثل السوريين وتقود الخطوات السياسية لاختيار مجلس تأسيسي منتخبة يعمل على وضع دستور جديد للبلاد، وتكليف حكومة انتقالية تعمل على تحقيق العدالة الانتقالية، والإعداد لانتخابات شعبية لإعادة البلاد إلى الحياة الديمقراطية التي سلبها حزب البعث منذ توليه السلطة عام 1963.

* هناك ملاحظات على أداء رئيس الائتلاف خالد خوجة لاسيما لجهة رفع علم الثورة الذي لم يكن موجودا في مؤتمر القاهرة ايضا هل الائتلاف ورئيسه قادران على قيادة المرحلة في ظل تجييش المعارضة الداخلية؟
الائتلاف يعاني من خلل في بنيته التنظيمية بسبب نظامه الأساسي الذي يكرس حالة الاستقطاب السياسي داخله، وبسبب حداثة تجربة الناشطين السوريين بالعمل السياسي والإداري، وأخيرا بسبب تسلط بعض مراكز القوى التي تعمل كوسيط لإيصال الدعم المالي، وتوظفه للتأثير في القرار. إزاحة علم الثورة كان خطأ كبيرا. رئيس الائتلاف اعتذر للسوريين عن هذا الخطأ. عدم مشاركة رئيس الائتلاف في مؤتمر القاهرة كان نتيجة عدم توجيه دعوة رسمية من قبل وزارة الخارجية المصرية الراعية للمؤتمر، وقرار الهيئة العامة للائتلاف بعدم المشاركة، والذي نتج بدوره عن انتقائية في منح تأشيرات دخول للمعارضين السوريين.

* هل ستؤثر نتائج الانتخابات التركية على المعارضة لاسيما ان خصوم اردوغان اعلنوا انهم اذا شاركوا في الحكومة سيفتحون حوارا مع الاسد؟
لن تؤثر نتائج الانتخابات على موقف الحكومة التركية من الصراع داخل سورية، ولا على نشاطات المعارضة، ولكنها قد تحد من قدرة الحكومة التركية على تقديم تسهيلات للسوريين المقيمين في تركيا أو قدرتها على استقبال أعداد إضافية من اللاجئين. تراجع عدد نواب الحزب واضطراره للتشكيل حكومة انتقالية لن يؤثرا في تقديري على السياسة الخارجية التركية. فالحزب سيصر على الاحتفاظ بحقيبة الخارجية في الحكومة القادمة، كما سيسعى على الاحتفاظ بالعدد الأكبر من الحقائب السيادية، كحقيبة الدفاع والداخلية والمالية. تقدم الحزب الكبير في نسبة ناخبيه يعطيه القدرة على المساومة على هذه الحقائب السيادية، خاصة انه قادر على تشكيل حكومة أقلية لقيادة البلاد على المدى القصير والدعوة إلى انتخابات مبكرة خلال سنة أو سنتين. كذلك فإن قدرة الحكومة التركية التي سيرأسها حزب العدالة والتنمية على التعاون مع رئيس الجمهورية سيقلل من قدرة الأحزاب الأخرى على التأثير في السياسة الخارجية والأمنية. فرئيس الجمهورية يتمتع بصلاحيات تشريعية وتنفيذية مهمة، خاصة فيما يتعلق بالقضايا الأمنية وملئ مناصب حساسة في أجهزة الدولة. فهو يملك صلاحية تعيين رئيس الوزراء وإقالته تمهيدا لانتخابات جديدة، كما يترأس مجلس الأمن القومي ويشارك في تعيين أعضائه، ويملك صلاحية تعيين رئيس الأركان، وإصدار قرار التعبئة العامة للجيش، بالإضافة إلى تعيين النائب العام ورؤساء الجامعات وإعلان حالة طوارئ في البلاد تحسبا من الفوضى والقلاقل.

* كيف تنظر الى التدخل الايراني ودوره في سوريا وكيفية التخلص من داعش واخواتها في الداخل، كيف يمكن التصدي لمشاريع المتطرفين في سوريا وهل التقسيم وارد فعليا ام هو مجرد تهويل؟
التقسيم وارد من الناحية النظرية، وهو وارد ضمن نقاشات دوائر تطوير السياسات في عواصم غربية، ولكنه صعب التحقيق عمليا بسبب التداخل السكاني، وعدم امتلاك النظام القدرة العسكرية لفرض التقسيم. سعي النظام لإثارة النعرات الطائفية والقومية والدينية يتوقف على قدرة المعارضة على التعاطي مع هذه المساعي بذكاء وفعالية، وعدم استجابتها للاستفزازات الطائفية المتكررة من قبل النظام. لعل داعش هي أفضل سلاح يمكن أن يستخدمه النظام أو دعاة التقسيم الطائفي، بسبب عنف التنظيم وسعيه لفرض رؤيته العقدية على الشعب السوري. المطلوب طبعا استمرار قوى الثورة والمعارضة في رفض خط داعش، والتأكيد على وحدة الشعب والأرض، والالتزام بمبادئ الثورة في إقامة دولة المواطنة والقانون. انتصار المعارضة الوطنية على النظام ستشكل الخطوة الحاسمة في إنهاء التطرف في البلاد. يجب ألا ننسى بأن التطرف في سورية صنيعة الأوضاع الاستثنائية التي تمر فيها البلاد والعنف الوحشي والمفرط الذي اعتمده النظام للتعامل مع المعارضين لحكم الأسد.
غياب الدعم الدولي والإقليمي الواضح دفع كثيرين للانضمام إلى صفوف حركات متشددة ولكنها إظهرت قدرات قتالية عالية في مواجهة النظام، كما تتمتع بتمويل وتنظيم كبيرين. لعل عبد الباسط ساروت، حارس مرمى نادي الكرامة قبل الثورة، والذي بدأ رحلته في مقاومة استبداد النظام بالتظاهر السلمي وإلقاء الأناشيد الحماسية خلال المظاهرات، مثالا معبرا عن أثر همجية النظام في التحاق الشباب السوري ببعض الجماعات المتشددة. فبعد حصار دام لسنتين في حمص القديمة، قام النظام خلالها بقتل أشقائه وأقربائه وأهل مدينته عبر القصف الوحشي والقنص والحصار القاتل، حمل الساروت السلاح، ثم مع بعد تخلي العالم عن حمص وتركها فريسة سهلة للنظام والجماعات الطائفية التي استقدمها من العراق ولبنان، انضم إلى وحدات سبق أن أعلنت ولاءها لداعش للحصول على السلاح ومتابعة القتال دفاعا عن أرضه وشعبه وكرامته. لم يكن الساروت متطرفا قبل الثورة وفي بداياتها، ولكن استمرار الحصار وغياب الحماية الدولية والإقليمية له ولأهله دفعه نحو التطرف. هذه حقيقة معروفة لكل من درس الحركات السياسية والثورية. انتشار العنف والظلم والإهمال والفساد في كل دول العالم يدفع الشباب لاتخاذ مواقف متطرفة. وإنهاء الاستبداد والظلم وعنف الدولة سيضع حدا للتطرف السياسي، وسيعيد الساورت وغيره إلى أحضان الوطن وروح الاعتدال التي تميز الإسلام في سورية. فالتطرف يولد تطرف، والعنف يولد العنف، وإنهاء تطرف النظام السياسي وعنف الدولة يؤدي إلى وضع حد لكل أشكال العنف السياسي.

*ماذا عن مصير الاقليات في ظل ما يرتكب من مجازر بحق الاقليات لاسيما ما جرى اخيرا في ادلب بحق 40 درزيا قتلوا على يد النصرة ما هو مصير الدروز بعد التقدم في حوران وانتصارات الجبهة الشمالية والى ماذا تؤشر هذه الواقعة وكيف تقرا رسائل الزعيم اللبناني الى الدروز في جبل العرب للمصالحة مع اهل حوران والالتحاق بالثورة؟
المجزرة التي قامت بها مجموعة من جبهة النصرة في قرية لوزة الدرزية في محافظة إدلب جرمية بشعة، والمجموعة التي نفذت الجريمة بقيادة المدعو عبد الله التونسي مطلوبة اليوم من قبل جيش الفتح بعد أن توارت عن الأنظار. هؤلاء يجب ان يعاقبوا على جريمتهم في حق المدنيين العزل. هناك جهود حثيثة للحيلولة دون قيام نزاعات طائفية وقطع الطريق على المكر الأسدي، الذي يسعى منذ بداية الثورة إلى تأجيج الصراع الطائفي، ويكرس أجواء التطرف داخل البلاد. الأمر لن يكون سهلا خاصة وأن إسراف النظام في القتل وتوظيف التنوع الديني والطائفي في معركته يؤجج العداوات والأحقاد. ولكن الأغلبية داخل قوى المعارضة أظهرت القدرة على ضبط النفس وعدم مواجهة العدوان على المدنيين بعدوان مماثل. أي مقارنة بين استهداف النظام للمدنيين وسقوط مدنيين على أيدي قوى محسوبة على المعارضة تظهر أن استهداف مدنيين جرى في حالات محدودة من قبل وحدات غير منضبطة بين القوى الثورية، وقامت المعارضة بإدانته ورفضه، في حين أن استهداف المدنيين عدوان ممنهج من قبل النظام وبمباركة منه. بشار الأسد في حديثة إلى مشايخ دمشق العام الماضي وصف الحاضنة التي تأوي الثوار ضد نظامه بالإرهابيين، وادعى ببجاحة ودون خجل أن ملايين السوريين هم إرهابيون. لذلك نرى جنوده وطياريه لا يفرقون بين مقاتل ومدني، بل يستهدفون المدنيين للانتقام لجنود النظام الذي يقعون صرعى في المعارك العسكرية.

*هل صحيح ما يشاع اعلاميا عن صفقة لنفي الاسد الى موسكو ولماذا تبدو المعارضة غير موحدة من موضوع مصير الرئيس السوري وما هي حقيقة المواقف العربية والدولية وتأثيرها على المعارضات ومواقفها في الداخل والخارج من هذا الموضوع لاسيما انه غير مفهوم ما خرج به مؤتمر القاهرة الاخير خصوصا لجهة التفسيرات التي قدمت؟
هذه شائعة تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي وبعد الصحف ولكن لم يؤكدها أي مصدر رسمي. هناك إجماع لدى المعارضة السورية بمختلف مشاربها أن الأسد لن يكون جزء من سورية المستقبل. القوى العاملة على الأرض والائتلاف الوطني يصرون على إسقاطه أو تنحيته قبل الشروع بالعملية الانتقالية. من الناحية العملية يبدو واضحا بعد سنوات أربع ونيف على انطلاقة الثورة السورية أن الأسد سيعمل كل ما يستطيع، وبالمكر والخداع الذي مارسه على مدار السنوات الماضية، للبقاء في الحكم وإفشال أي جهد يهدف إلى إنهاء حكم الفرد والبدء بالتحول الديمقراطي. لذلك فإن إسقاطه أو تنحيته هو الخيار الوحيد للخلاص من حكم الفرد الذي جلب الكوارث للبلاد. الدول الإقليمية تؤثر في الواقع السوري لأن الثورة تحتاج إلى الدعم للتعويض عن الشلل الاقتصادي الكامل في البلاد بسبب القتال المستمر والدمار الكبير. نجاح الثوار في الحصول على غنائم عسكرية من قوات النظام خفف كثيرا الحاجة إلى سلاح والذخيرة. بالتأكيد توافق الدول وتعاونها يصب في مصلحة الثورة وتنازعها ينعكس على قدرة الكتائب على العمل المشترك. الدول الغربية مترددة في مساعدة الثوار عسكريا، ولكن دول الخليج وتركيا أظهرت استعدادا متزايدا لدعم الثورة لإنهاء الصراع، خاصة بعد اتساع دائرته وبروز خطر تنظيم الدولة. الكتائب المقاتلة السورية أثبتت جدارتها وقدرتها على دحر تنظيم الدولة، كما فعلت في محافظة إدلب وحلب ودرعا وريف دمشق، بالتوازي مع مواجهة قوات النظام.

المصدر:
الرأي الكويتية (نسخة مصورة)
الرأي الكويتية (نسخة رقمية)
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: