المعارضة السورية تجاوزت عقبات كبيرة ولكن الآمال المعلقة عليها تتطلب منها أداء أفضل

سورية الثورةمن كان يتوقع أن يفشل نظام بشار الأسد في إخماد الانتفاضات الشعبية التي اشتعلت في سورية في منتصف آذار من عام 2011 بعد أربعة عقود من تحويل الجيش والأمن والشرطة إلى أدوات لتحقيق أمن ساكن القصر الرئاسي وأسرته ومن التف حولهما؟ ومن كان يتوقع أن يتمكن الشعب السوري الذي منع من الكلام في السياسية وفضح الفساد المستشري، بل وحتى حرم من كل أشكال العمل الجماعي، حتى المدني والثقافي، من تنظيم مؤسساته السياسية والمدنية والعسكرية لمواجهة عجرفة النظام وعدوانه؟ ومن كان يتوقع بأن يرغم الشعب السوري المنتفض، الذي رفض المجتمع الدولي دعمه، نظام الطغيان المدعوم دوليا وإقليميا على التقهقر والانسحاب إلى بعض المدن السورية.

لذلك فإن المساعي لتجريم المعارضة ومساواتها باستبداد وفساد النظام عمل غير مسؤول. نعم تتحمل المعارضة جزء من المسؤولية في استمرار الفوضى وتفاقمها، ولكن علينا أن نضع هذه المسؤولية في سياقها الصحيح. المسؤولية الأولى فيما يجري في سورية من قتل وفساد ودمار، وفي إطالة الصراع وتعريض البلاد للمخاطر، يتحملها نظام الأسد وحلفاؤه وداعموه، وفي مقدمتهم الحكومتين الإيرانية والروسية. وبالمثل ثمة مسؤولية كبيرة أيضا تقع على الإدارة الأمريكية التي سمحت للنظام باستخدام كل ما يملك من سلاح عسكري فتاك ضد الشعب السوري.

مسؤولية المعارضة الأساسية تكمن في عجزها عن إيجاد جبهة موحدة لمواجهة النظام والتعاطي الفعال مع القوى الإقليمية والدولية الداعمة. فمسؤوليتها تتحدد بشكل خاص في تركها لفراغ سلطوي في المناطق المحررة التي سقطت بأيدي الثوار ملأته الجماعات المتشددة ذات المشروع الأممي كالدولة الإسلامية في العراق، التي اتخذت اسم الدولة الإسلامية في العراق والشام بعد سيطرتها على الرقة وأجزاء من ريف دير الزور وحلب في منتصف 2013، قبل أن تعلن خلافتها الإسلامية المزعومة. ثمانية أشهر أمضتها أجنحة المعارضة في تجاذبات سياسية محمومة منعت حكومة غسان هيتو من تولي مسؤولياتها في إدارة المناطق المحررة، فما اختيرت حكومة أحمد طعمة بديلا في نهاية فترة الصراع هذه، كانت داعش قد هيمنت على الشمال السوري ومنعت الحكومة البديلة من دخول البلاد.

الائتلاف واجه منذ تأسيسه بديلا للمجلس الوطني عددا من التحديات الداخلية، إضافة لتحدياته الخارجية العديدة، لم يتمكن حتى اليوم من تجاوزها رغم الجهود الحثيثة الذي قام بها بعض الغيورين لذلك. ضعف الائتلاف ينبثق بشكل أساسي من مصادر ثلاثة: (1) التزاحم والتنازع الذي يعاني منه السوريون في الداخل والخارج، و (2) ضعف التزام بالقواعد والأنظمة التي تحكم منظمات الثورة، أو باختصار عدم احترام القوانين وقواعد العمل، و (3) وهذا مصدر تابع للمصدر السابق، المركزية في العمل وعدم توزيع المسؤوليات وتفويض السلطات بطريقة منهجية ووفق إجراءات واضحة.

لا شك أن التصحر السياسي وتجريم العمل الجماعي والوطني في عهد الأسد الأب والابن، والحكم المطلق الذي اختاره نظام الأسد من خلال الحزب الواحد أولا، ثم أسرة الأسد لاحقا، حرم المعارضة من الخبرية السياسية التنظيمية. فالمعارضة السورية لا تملك خبرات قيادية وإدارية على مستوى القيادة العليا، ولم تسعى لتوظيف الخبرات الإدارية المطلوبة واعتماد العمل المنظم والمعتمد على خطط متطورة. طبعا المشكلة الأساسية هنا ليست في ارتكاب الأخطاء، فهذا أمر طبيعي في كل جهد بشري. فقط الذي لا يعمل لا يخطئ. المشكلة أن المعارضة لم تتعلم من أخطائها ولا زالت تكررها إلى اليوم.

صعوبة العمل الجماعي بين القوى السياسية والعسكرية السورية تحد داخلي آخر واجه المعارضة والائتلاف. فعلى الرغم من أن الائتلاف يتكون، في عمومه، من ناشطين وطنيين يقدمون كأفراد خدمات مهمة للثورة، إلا أن عطاءهم الفردي لم يتحول إلى عمل جماعي منسق، وبالتالي لم يتحول الائتلاف إلى مؤسسة متماسكة وفعالة بسبب التنافس المحموم بين الكتل السياسية داخله، بالإضافة إلى غياب مهارات العمل الجماعي الذي أشرت إليه آنفا. وهكذا أدى تعطش الناشطين للممارسة السياسية ودخولهم في عملية التنافس على المواقع السياسية قبل اسقاط النظام إلى انشغالهم إلى حد كبير بالحملات الانتخابية المتتالية التي أخذت الكثير من الجهد والوقت لمتابعتها.

هل يعني هذا أن الفشل هو مصير جهود المعارضة وأن على السوريين الاستلام للأمر الواقع؟ بالطبع لا، فمواجهة قيادة النظام الفاسدة والمتهاوية تحت ضربات السوريين الثائرين واجب وطني وأخلاقي وإنساني، إذ لا يمكن لسوريا أن تقف من كبوتها طالما بقيت أسيرة لنظام الأجرام. الشعب السوري الحر حقق الكثير بدعم قليل، لذلك هو يحتاج إلى جهد حقيقي لإنهاء حالة الفوضى السياسية والإدارية. هذه الجهود تحتاج بالطبع إلى الاستعانة بالدول الشقيقة، ولكن هذا يتطلب مبادرة سورية وطنية تنطلق من رؤية السوريين أنفسهم وتطلعاتهم السياسية. المطلوب اليوم من جميع القوى السياسية السعي إلى ترتيب البيت الداخلي والعمل لتطوير جبهة سورية-إقليمية تساعد المعارضة وتقف وراءها في جهودها إلى إنهاء الطغيان الأسدي ومنع تمدد قوى الهيمنة والتوسع الإيراني داخل سورية. هذا ستطلب الدفع بالجهود الحالية التي تعمل على إنهاء حالة التوتر بين الدولتين الإقليميتين القادرتين على تغيير الحراك السياسي والعسكري في سورية، تركيا وإيران، والتنسيق معهما لتحقيق أهداف الثورة السورية في إنهاء دولة التعسف والظلم والطغيان وبناء مجتمع حر جديد على الأرض السورية.

ظهرت هذه المقالات في المشورات والصحف الآتية:

شركاء في الوطن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: