خارطة الأولويات الوطنية والدولية ونفق الصراعات الدموية

الأولويات الدوليةالاصطفافات السياسية الجديدة في المشرق تظهر بوضوح أن القوى الدولية لم تغير سياساتها تجاه المنطقة رغم مرور قرابة قرن على اتفاقية سايكس بيكو التي أعادت رسم المنطقة وفق حسابات لا تتعلق بمصالح أبنائها. الأوليات التي تحكم الحراك الدولي اليوم تتجاهل أمن وكرامة ومصالح الأغلبية السكانية التي احتضنت التنوع الديني والعرقي والقومي على مدار أربعة عشر قرنا، وتوظف هذا التنوع لإضعاف الجميع وإدخالهم في نفق الصراعات الدموية المستمرة.

الغرب الذي حمل راية الديمقراطية التعددية وحقوق الإنسان خلال النصف الأخير من القرن الماضي تحول إلى مطية لقوى ذات مشاريع طائفية ورؤى دينية متشددة وضيقة، بدءا بمشروع الدولة اليهودية ومرورا بكل مشاريع التشدد الطائفي والديني والقومي التي تعصف بدول المشرق، والتي تقودها نخب لا تمتلك رؤية حضارية للمستقبل بل تسعى إلى توظيف الاختلافات الدينية والقومية.

على العرب والكرد، والتركمان والآثوريين، والسنة والشيعة، والمسلمين والمسيحيين أن يسألوا أنفسهم لمصلحة من يتم إثارة النزعات الطائفية والدينية، والسماح للقوى الطائفية بالتكاثر والتنامي في حين يتم قمع القوى الوطنية وإسكات الأصوات الداعية إلى التعددية السياسية والعيش المشترك؟ ولمصلحة من يتم تشجيع التطرف الديني وغض الطرف عن دعاته ورواده وإدخال المنطقة في صراع طائفي وقومي مقيت؟ ولمصلحة من يتم إجهاض جهود الإصلاح لإنهاء حالة الاستبداد والفساد والتبعية؟

المطلوب من القيادات السياسية والثورية أن تكون واعية إلى ما يحاك لها وحولها، وألا تخلط بين الدماثة الشخصية والتعامل الديبلوماسي من جهة، وما قد يبدو لعديم الخبرة موقفا داعما وصديقا. في العلاقات السياسية بين الدول ليس ثمة صداقات دائمة بل مصالح مشتركة أو متعارضة. القيادات التي تستسلم إلى الوعود وتتجاهل الأفعال والمواقف ستجد نفسها مطية للقوى الخارجية توظفها لتحقيق أهداف لا تتعلق بالمصلحة الوطنية من قريب أو بعيد.

العمل السياسي يحتاج إلى حسابات وتخطيط وتنسيق بين القوى الوطنية لمنع تكرار الكوارث السياسية، والعمل وفق رؤية بعيدة وفهم حيوي لخارطة المصالح المشتركة والمتعارضة للقوى السياسية المختلفة. الاعتماد على حسن نوايا القوى الدولية وتجاهل الحسابات السياسية كان على مدار قرن نقطة الضعف والمقتل الذي وظفه الأعداء في تعاملهم مع شعوب المنطقة، واستطاعوا باستغلاله تكريس الاستلاب والتبعية. والتعاطي مع التحديات التي تواجه المشرق العربي يتطلب فهم الخارطة السياسية والعمل مع القوى الوطنية ذات المصالح المشتركة لتجاوز الأزمات المتتالية التي تستنزف الجهود والإمكانيات وتؤخر عملية البناء والإصلاح.

نشرت هذه المقالة أيضا في المواقع التالية:

كلنا شركاء في  الوطن

ميدل أيست أونلاين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: