المعادلة السياسية الصعبة في المشرق العربي

difficult equationالمعادلة التي تحكم الحراك السياسي في منطقة المشرق العربي تتألف من حدين رئيسيين: الاستبداد ورغبة شعوب المنطقة في التحرر وإنشاء نظم سياسية تخضع للمساءلة الشعبية، والإرهاب ورغبة الدول الغربية في منع قيام حركات متشددة معادية للمنظومة الدولية المهيمنة منذ منتصف القرن الماضي. حل المعادلة في غاية الصعوبة نظرا لتعارض الارادتين اللتين تحكمان المعادلة، إرادة الشعوب المشرقية وإرادة الدول المهيمنة. المقاربة الطبيعية والمنطقية لحل المعادلة تتطلب تغيير إرادة الدول المهيمنة كي تتطابق مع إرادة الشعوب في تطوير منظومة حكم ديمقراطية نظرا لأن هذه المنظومة هي الناظمة للسياسة الداخلية لتلك الدول.

من المؤسف القول إن كل المؤشرات تدل على أن الجهود الدولية والإقليمية تتجه نحو تعقيد الصراع في منطقة المشرق. السبب الأساسي يعود إلى الأولويات التي تتبعها هذه الدول. واضح أن القوى الأساسية المؤثرة في الحالة السورية غير معنية بدعم مطالب الشعب السوري ببناء دولة الحريات والمشاركة السياسية، بل بإدارة الصراع لمنع توسع القوى الإسلامية المتشددة، والتي تستمد قوتها—بطبيعة الحال—من مظالم الأغلبيات السكانية في سورية والعراق.

الديمقراطيات الغربية تحركت منذ البدء بحذر واضح تجاه مطالب الثورة السورية، مدفوعة من جهة بمخاوفها التاريخية من مجتمع يواجه أبناؤه بطش الاستبداد والعدوان بمحفزات دينية، ومدفوعة من جهة أخرى بالتزاماتها الاستراتيجية بأمن إسرائيل. ورغم تحذيرنا المتكرر للدول المؤثرة في المشهد السوري قبل سنة من ظهور داعش من أن التشدد سيكون هو التطور الطبيعي في حال استمر نظام الأسد في بطشه واستخدامه جماعات طائفية للبقاء في الحكم تحت مرأى العالم وسمعه، فإن المجتمع الدولي رفض تقديم أي دعم حقيقي لإسقاط نظام الأسد.

قرار الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيين بالتحرك لمواجهة داعش وتجاهل مطالب السوريين في مواجهة نظام الأسد وحلفائه الطائفيين سيزيد من نطاق التشدد في منطقة المشرق بصورة غير مسبوقة، وربما يساعد التنظيم المتشدد على توسيع رقعة تأثيره إلى دول أخرى من دول المشرق. إدارة أوباما تتحدث اليوم بلغة فضفاضة عن دعم لقوى الثورة وتندد على استحياء بنظام الأسد. ولكن من الواضح أن الحديث عن دعم للثورة السورية يعتمد مفردات عامة هي أقرب إلى الخطاب الإعلامي التطميني من الاستراتيجية العملية، وأن الولايات المتحدة وحلفاؤها لا زالوا بعيدين في تحركاتهم عن طموحات الشعب السوري في التحرر من الاستبداد.

دون التقليل من مسؤولية المعارضة المتنازعة، والتي تتحمل بطبيعة الحال مسؤولية رئيسية في هذا الإطار، يجب القول إن ما يجري في المشرق اليوم هو نتيجة مباشرة لتخبط القوى الغربية في تعاطيها مع الشعوب العربية والإسلامية، وسعي المجتمع الدولي لتحقيق أهداف متناقضة، عبر تعاطفه نظريا من جانب مع دعوات التحرر من الاستبداد التي تنادي بها الشعوب ودعمه من جانب آخر أنظمة القمع والاستبداد والتسلط في المنطقة. إنهاء حالة التخبط ضروري لإعادة التوازن والاستقرار لمنطقة المشرق، والاستمرار فيه سيؤدي حتما إلى مزيد من الفوضى والهزات السياسية العميقة.

التغيير العميق هو عنوان المرحلة القادمة في منطقة المشرق، والذي ستنعكس آثاره بطبيعة الحال على منطقة الشرق الأوسط وربما على الحالة الدولية. شعوب المشرق ستحقق طموحاتها في الخلاص من الاستبداد، ولكن الطريق نحو هذا الهدف صعب ومتعرج ومليء بالأشواك. في نهاية المطاف سيغادر الاستبداد المنطقة من غير رجعة، وربما يترافق هذا مع تغيير عميق في خريطتها السياسية.

 

نشرت المقالة في الصحف والدوريات التالية:

كلنا شركاء في الوطن

 ميدل ايست اونلاين

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: