نظام الاستبداد والعقلية الاستبدادية

استبدادبشار الأسد يصف خصومه السياسيين بالخيانة في خطاباته المتكررة، وداعش ومن لف لفها تسم القوى الثورية الخارجة عن سلطانها بالكفر، وكلاهما يستبيح الخصوم والمعارضين، وكلاهم يسعى إلى فرض رؤيته الأحادية على الآخرين. لكن المشكلة لا تقف عند أعداء الثورة السورية بل تنخر في الجسد المنتفض على الظلم والاستبداد. فقد أظهرت تجربة السنوات الثلاثة ونيف الماضية من عمر الثورة جهودا مهمة للتخلص من نظام الاستبداد، ولكنها لم تشهد قدرا كافيا من العمل للتخلص من عقلية الاستبداد التي ولدت النظام كما ولدت التطرف والتشدد، والتي انتشرت خلال العقود الأخيرة على مستوى السلوك والثقافة العامة داخل المجتمعات العربية التي خضعت لأنظمة مستبدة.

مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بخطاب التخوين والتهديد تجاه قوى ثورية وسياسية معارضة لم تتماه في رؤيتها ومواقفها مع تلك التي تبناها معارضون آخرون أطلقوا أحكام التخوين والعمالة ضد رفاق الدرب الثوري الذين لم يتفقوا معهم. العديد من الكتائب المقاتلة أصدرت بيانات بعد اتخاذ الائتلاف الوطني السوري قرار المشاركة في مفاوضات الجنيف، ونهجت في خطابها نهج التخوين والتهديد وهدر الدماء. أصوات مشابهة صدرت مؤخرا نحو مبادرة أحمد معاذ الخطيب، واتهمته بالتآمر على الثورة وخيانتها فقط لأنه دعا إلى إنهاء حالة الاقتتال والدخول في حل سياسي لا تتوفر شروطه الموضوعية.

السنوات الثلاثة الماضية قدمت لنا جملة من المواقف “الاستبدادية” من شخصيات وأفراد محسوبين على الثورة، ويعملون داخل صفوفها، تظهر بين الفينة والأخرى من خلال أقوالهم ومواقفهم تجاه مخالفيهم. فالاستبداد عقلية وطريقة في التفكير والعمل قبل أن يكون نظام حكم. الاستبداد السلطوي كظاهرة من ظواهر الاجتماع السياسي يتولد في مجتمع تغلب على أفراده الشخصية الاستبدادية، وهي شخصية أنانية وثوقية عدوانية في سلوكها وردود أفعالها، سواء امتلكت السلطة أو القوة أم لم تمتلك.

العقلية الاستبدادية تتميز، أولا، باستغراقها في ذاتها ومشاعرها وهمومها ورؤيتها الذاتية، فهي غير قادرة على التعاطف مع غيرها، وتفهم مواقف مغايرة لموافقها التفصيلية، واستشعار أن اختلاف الظروف والخبرات يمكن أن تولد خيارات متعددة، وأن هذه الخيارات يجب أن تحترم طالما بقيت ضمن الإطار العام الذي تحدده الأهداف المشتركة. وبالتالي فهي لا تحترم الاختلاف والتعدد وتصر دائما على أن تفرض رؤاها ومواقفها على الآخرين حتى عندما تختلف خبراتهم واهتماماتهم.

وتتميز العقلية الاستبدادية ثانيا بموقف وثوقي أحادي، يساوي بين القناعات الذاتية أو المواقف الشخصية والحقيقة المطلقة من جهة، وبين قناعات الآخرين والباطل الكامل من جهة أخرى. فالحق هو ما ارتآه صاحب العقلية المستبدة والباطل ما ارتآه من يخالفه. وبالتالي فصاحب العقلية الاستبدادية يلجأ إلى تكفير (في الحالة الدينية) وتخوين (في الحالة الوطنية) من يخالفه الرأي والاجتهاد والفهم والاعتقاد.

وأخيرا، وبناء على ما تقدم، فإن العقلية الاستبدادية تتميز بالعدوانية، لأنها تسارع إلى الهجوم واستباحة المخالف بالرأي والموقف، فتلجأ إلى شيطنته وكيل الشتائم والأوصاف التحقيرية على مستوى الخطاب، وصولا إلى الاعتداء الجسدي والعملي عند القدرة على للتخلص من المخالفين والمعارضين. وفي هذه المرحلة الأخيرة يتجسد الاستبداد على مستوى الأنظمة الاستبدادية، والشخصيات والحركات التسلطية، التي تعاني منها شعوب الربيع العربي.

طبعا هذه ليست دعوة إلى الامتناع عن النقد والاختلاف. الاختلاف في الرأي أمر طبيعي لأن المجتمع الإنساني الحر متنوع بطبيعته، والنقد ضروري لتصحيح الأخطاء وإثراء الرأي. ما نسعى لتأكيده هنا هو أن النقد واختلاف الرأي الصادر عن الأحرار لا يؤدي إلى مصادرة آراء المخالفين، ولا ينطوي على ادعاء بصدق مطلق لصاحب الرأي الحر، ولا يؤدي إلى شيطنة الخصوم ووسمهم بالخيانة والعمالة والكفر البواح، ولا يدفع إلى التهديد بالثبور وعظائم الأمور. ما ندعو إليه هو التأكيد على أن الثورة التي تسعى إلى التحرر من حالة الاستبداد يجب أن لا تقتصر في جهدها التغييري على تغيير رموز الاستبداد وحسب، بل تبذل غاية وسعها لتغيير العقلية والممارسات التي يمثلونها والتي حملتهم إلى تدمير البلاد وقتل الأباة وتهجير العباد، عقلية الاستبداد وممارسات التسلط.

نشرت هذه المقالة في الصحف والدوريات التالية:

جريدة الحياة

ميدل ايست اونلاين

العرب

كلنا شركاء في الوطن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: