المشهد متداخل بسبب عجرفة نظام الأسد ولكن النصر قادم

سورية الثورةالمشهد السوري متداخل بسبب تنوع القوى التي تقود الصراع ضد نظام الأسد والقوى التي تدافع عن النظام وتسعى إلى الحفاظ عليه. وهو متداخل بسبب تداخل المشهدين السوري والعراقي نتيجة وجود أنظمة طائفية مدعومة إيرانيا على رأس الدولتين الشقيقتين. ولكن التداخل لا يمنع من تمييز الخطوط العريضة التي تحكم المشهد، والتي تشير إلى تنامي الإرادة الشعبية في قهر أنظمة التسلط والاستبداد في المشرق العربي، وإلى حتمية إنهيارها أمام الثورات الشعبية المتأججة.

نظام الأسد ضيع كل فرصة لتحقيق إصلاح سياسي وقبول مطالب الشعب السوري بالمشاركة في بناء المستقبل، بدء من المطالب الإصلاحية التي رفعها الثوار في بدايات الثورة، ومرورا بجهود الجامعة العربية والمبعوث الدولي كوفي عنان، وانتهاء بالمحاولة الفاشلة للوصول إلى حل سياسي عبر مؤتمر جنيف. كان بإمكان النظام تحقيق تغيير تدريجي والحفاظ على تماسك الدولة والمجتمع. ولكن غرور القوة وعقلية الاستبداد حالتا دون ذلك. راهن النظام على دعم إيران وروسيا وعلى تخاذل المجتمع الدولي، وراهن على قدرة آلة الموت والقتل التي يملكها على إخضاع الشعب المنتفض. ولكنه خسر رهاناته، وما تبقى له من أمل في الاحتفاظ بأجزاء من سورية تحت سيطرته لا يعدو أن يكون رهان خاسر آخر.

الشعب السوري يعيش اليوم مأساة إنسانية هائلة نتيجة رعونة النظام وغرور قيادته. فالنظام تقوده حفنة من المغرورين والفاسدين والفاشلين الذين لم يقرأوا التاريخ ولم يفهموا المشهد السوري ولم يدركوا أن سورية لا يمكن حكمها في مطلع القرن الواحد والعشرين بالطريقة التي حكمت فيها في العقود الأخيرة من القرن العشرين. مأساة الشعب تتجلى أيضا في غياب القيادات السياسية المعارضة القادرة على توحيد صفوفها والاعتماد على جهودها الذاتية وقرارها المستقل بالدرجة الأولى، بدلا من المراهنة على الدعم الخارجي. القيادات السياسية لم تتمكن من توحيد القوى الثورية العاملة لأنها لم تتمكن من توحيد صفوفها وبناء مؤسسات متماسكة. ثمة محاولات أتت متأخرة لتنظيم الصفوف، ولكنها لا زالت محاولات ولم تتحول إلى الآن إلى مسارات يمكن البناء عليها.

يبدو واضحا أن التغيير السياسي في المنطقة العربية لا يمكن تحقيقه على المستوى الوطني لأنه مرتبط بحسابات وتحالفات إقليمية ودولية. هذا يعني أن جهود تحرير الدولة الوطنية من تسلط قوى الاستبداد المدعومة إقليميا ودوليا يتطلب فهما عميقا لطبيعة القوى الفاعلة على الساحة الإقليمية والدولية، كما يتطلب إمكانية الوصول إلى تطابقات في الرؤي والقيم السياسية، وقدرة على التحرك سياسيا لتحقيق تقاطعات بين المصالح السياسية والاقتصادية لقوى أساسية فاعلة على الساحة الإقليمية والدولية. من الواضح أيضا أن القوى السياسية التي تقود حاليا الصراع ضد بنية الاستبداد في المشرق لم تطور بعد الإمكانيات النظرية والقدرات العملية المطلوبة لتحقيق أهدافها، وبالتالي فإن إمكانية تحقيق نظام سياسي تشاركي وحر لم تنضج بعد. ولكن الصراع الحالي أظهر استحالة التحكم بالمجتمعات العربية باعتماد القوة المجردة، كما أظهر عجز الدولة عن تلبية حاجات المجتمع المدني المتزايدة. المطلوب اليوم السعي لتطوير مؤسسات المجتمع المدني، والسعي لتواصلها عبر حدود الدولة الوطنية، وذلك للوصول إلى البناء الاجتماعي الضروري لتحقيق متطلبات التحول السياسي والتحرر من هيمنة أنظمة الاستبداد.

هذا لا يعني أن الجهود الكبيرة والتضحيات الجسيمة التي قدمتها الثورات العربية ذهبت سدى. بل على العكس تماما فإن هذه الجهود والتضحيات حركت المجتمع العربي خطوة حاسمة إلى الأمام نحو تحقيق أهدافه التحررية والتشاركية، فثمة فرص حقيقية قد تولدت يجب البناء عليها لتطوير البنية التحتية التي سيقوم عليها البناء الاجتماعي والسياسي الجديد، ولإيجاد جزر من الحرية في المجتمعات العربية، حتى في الدول التي تشهد صراعا مسلحا، كما هو الحال في سورية على سبيل المثال. فسعي نظام الأسد المستمر للدخول في مصالحات مع مناطق واسعة داخل البلاد يشكل عتبة ينبغي لقوى الثورة والمعارضة استغلالها لمنع عودة ممارسات الاستبداد إلى المناطق المحررة. فبينما يرى النظام في المصالحات محطات لإعادة سيطرته على البلاد يجب أن تعمل قوى الثورة لتحويلها إلى محطات لتحقيق التحرر السياسي المطلوب. هذا بطبيعة الحال يحتاج إلى تطوير استراتيجية جديدة ومستوى أعلى من التنظيم والانضباط داخل مؤسسات المعارضة.

ويبقى مسار الثورة العام باتجاه تفكيك قدرات منظومة الاستبداد والفساد وإنهاء الاستبداد والتسلط والفساد. الشباب الثائر ماض في ثورته حتى النهاية، رغم قلة الحيلة وضعف الإمكانيات، بإرادة من حديد مكنته بحول الله رغم تخاذل المتخاذلين ومكر الماكرين من تركيع أعتى أنظمة الاستبداد التي عرفتها المنطقة منذ قرون طويلة. الشعب المنتفض المطالب بحقوقه وبكرامته سينتصر رغم محاولات النظام المجرم الالتفاف عليه والاستعانة بالقتلة والمجرمين الذين أثخنوه جراحا، وسرقوا ماله وجهده وتعبه. ولن ينفع النظام مكره وهو يحاول إعادة التاريخ إلى الوراء وتجاهل حركة التطور الاجتماعي وتبدل الوعي السياسي في البلاد والمنطقة.. “ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله”.

 

نشرت هذه المقالة في الدوريات والصحف التالية:

كلنا شركاء في الوطن

 ميدل ايست اونلاين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: