القيادة والاتباع في الثورة السورية

الالقيادة والاتباعمواقع الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعي المرتبطة بالثورة السورية بدأت تتحدث عن صراع حول رئاسة الائتلاف، وتقدم نظريات حول حظوظ الأقطاب داخل الائتلاف في تسلم الرئاسة. ولأن النظام الأساسي في الائتلاف حصر عدد الولايات لرئيس الائتلاف في إثنتين فإن ثمة حاجة للبحث عن قيادة جديدة. الفترة السابقة تميزت بصراع داخلي شديد بين أعضاء الائتلاف تحول إلى استقطاب كبيرة وتنازع بين قطبين انقسم معظم أعضاء الائتلاف حولهما نظرا لعلاقاتهما المتميزة بدولتين متنافستين في دعم ائتلاف قوى الثورة والمعارضة السورية. هذا الصراع أفقد الائتلاف قدرته على العمل المنسجم الفعال وأخر تشكيل حكومة مؤقتة لإدارة المناطق المحررة مدة ثمانية أشهر، وفتح الباب على مصارعيه لتنظيم داعش الذي انتشر في الشمال السوري وملأ فراغ السلطة فيها.

البحث عن قيادة جديدة يثير أسئلة عديدة حول فهم أعضاء الائتلاف الوطني السوري لمعنى القيادة، ومعنى آخر لصيق به لا يقل عنه أهمية على الرغم من غياب الوعي بأهميته وأولويته، ألا وهو مفهوم الإتباع. فلا قيادة بدون إتباع ولا قادة بدون أتباع. هذا هو المنطق الصحيح للأشياء، ولكن محاولتي للدخول في حوار حول مفهوم الإتباع والأتباع داخل دوائر الناشطين السياسيين والثوريين أظهرت أن ثمة تعاطٍ مبسط، وربما ساذج، مع هذا المفهوم المهم. بل يمكن القول أن كثيرا من الناشطين السياسيين والإعلاميين والثوريين السوريين داخل الائتلاف وخارجه يقفون موقفا سلبيا منه، ويعتبرون الإتباع منقصة لا تليق بهم وبقاماتهم العليّة.

هذا العداء لمفهوم الإتباع ومسالكه قد يكون مبررا في سياق حكم استبدادي وزعامات وصولية لا أخلاقية تبحث عن أتباع يبيعون أنفسهم وضمائرهم وشرفهم لقاء دراهم معدودة يتقاضونها من قادتهم لتنفيذ مهام تتعارض مع مبادئ الحق والعدل واحترام كرامة الإنسان. ولكنه يتحول بالتأكيد إلى مثلب كبير في سياق ثورة يتوقف نجاح أي قيادة سياسية أو ثورية على وجود إرادة الإتباع والانضباط بالقرارات المتخذة وفق قواعد الشرعية وآليات الاجراءات المعتمدة لاتخاذ القرار. فبدون شعور أخلاقي عميق بأهمية إتباع القرارات المتخذة وتنفيذها ضمن تراتب إداري أو عسكري تتحول منظمات المعارضة من مؤسسات ذات هيكلية أخلاقية وقانونية متناغمة إلى تكتلات متنازعة ضعيفة الأداء مشلولة الحركة.

التنظيمات السياسية، سواء كانت كتلا أو أحزابا أو ائتلافات حزبية، تحتاح إلى قيادة قديرة للنجاح. ولكن ما هي القيادة القديرة ومن يحددها؟ يمكن الحديث عن العديد من المعايير والقرائن للبحث عن تلك القيادة ، بيد أن المعيار النهائي والحقيقي هو اختيار الأفراد لقادتهم وفق آليات انتخاب حرة ونزيهة. في مجتمع الأحرار الذي يتساوي فيه الناس بالكرامة فإن قواعد الاختيار المناسبة هي انتخاب القيادي الأفضل الذي يمتلك القدرة ويلتزم بالأهداف المشتركة. الهروب من اختيار الأفضل بين المتنافسين رغبة من بعض أصحاب الحظوة في قيادة المنظمة السياسية من الخلف، أو طمعا في علاقات خاصة مع أحد المرشحي لتولي القيادة، يؤدي بالضرورة إلى إفشال العملية الانتخابية ويفتح العمل السياسي على أبواب قاتلة من سوء استخدام السلطة والتنازع الداخلي الذي لا يقود عادة إلى إلا الفشل.

قدرة القيادة بعد اخيارها على تحقيق أهداف المنظمة السياسية التي تقودها تتوقف على وجود اتباع منضبطين ومستعدين لتنفيذ السياسات التي تقدمها القيادة وفق آليات التشارو والقرار المعتمدة. فالقيادة المقتدرة بحاجة إلى أتباع يقفون خلفها ويقدمون لها النصح بالقول والعمل دون أن ينافسوها ويكيدوا لها المكائد. وهذا يتطلب احترام قواعد العمل الجمعي والالتزام بالقرار طالما صدر عن قيادة تلتزم بقواعد الاختيار والقرار المعتمدة في مؤسسات الثورة. الثورة تحتاج إلى أتباع يقفون خلف القيادة بصدق والتزام، ولو اعتقدوا أنهم أكثر كفاءة منها، حتى يتم استبدالها وفق القواعد التنظيمية المعتمدة.

القيادة بلا أتباع صادقين ومخلصين قيادة فاشلة مهما كانت قدرات القائد ومهاراته. الإتّباع هو الأساس في نجاح القيادة وعندما يتلكأ الاتباع بالعمل باخلاص وصدق لتحقيق القرارات والاستراتيجيات الصادرة عن القيادة، ويعتقدون أن عليهم إفشالها لزيادة فرصهم في الوصول إلى موقع القيادة، فإن الفشل يكون نصيب الجميع دون استثناء. فالأتباع الملتزمون بقيادتهم قادرون على تمكين قائد محدود من قيادة المؤسسة بنجاح والتفوق على قائد متميز يفتقد الأتباع المخلصين. علي بن أبي طالب كان أكثر شجاعة وأفضل رأيا من معاوية بن أبي سفيان، ولكن انفضاض اتباعه عنه وتماسك اتباع معاوية به كان العامل الحاسم في انتصار فريقه وفشل فريق علي. فالرأي الذي لا يقف أصحابه خلفه متكاتفين رأي ضعيف مهما كان حكيما، ونقلت كتب التاريخ عن علي قوله المشهور “لا رأي لمن لا يطاع”.

الاتباع ليس نقيض الحرية، بل هو جوهرها لأن الإتباع خيار أخلاقي وقرار عقلي ينبع من الإحساس بأن الحفاظ على تماسك المنظمة والمجتمع السياسي لا يتم إلا من خلال القبول بالقيادة التي اختيرت ضمن قواعد عادلة واجراءات نزيهة. فالحرية الحقيقة لا يمكن أن تتحصل بالتخلص من كل الالتزامات الأخلاقية بل بخضوع جميع الأحرار المشتركون بهدف واحد لها. وعندما يختار احدنا العمل في مؤسسات عامة فلا مناص من الاتباع لمن يحرص على تجاوز الخضوع للاستبداد او السقوط في الفوضى. لا بد من قبول القرار بعد إشباع الاقتراح الذي تحول إلى قرار نقاشا وتفنيده ثم اتخاذه وفق الاجراءات المعتمدة في المؤسسة صاحبة القرار. فأسوء الممارسات السياسية تتجلى في الصمت عند تداول الرأي والتنازع بعد الوصول إلى قرار.

الاتباع فعل الأحرار للحفاظ على العمل التنظيمي واحترام أسسه، لا فعل الأزلام المستلبين الذي يعكس تبعية إنسان مستلب الإرادة لآخر يتحكم فيه دون احترام لكرامته، وربما كان المعنى الآخر هو الذي يمثل في أذهان في واقع ثقافي اختلطت فيه المعاني والمفاهيم. الإّتباع حاجة سياسية وضرورة تنظيمية وإلا لتحول الجميع الى شركاء متشاكثين في القيادة كما هي حالة الأغلبية السورية منذ عقود. خالد بن الوليد لم يرى في قتاله تحت إمرة شاب صغير قليل الخبرة العسكرية تحقيرا لشأنه بل رآي إتباعه لمن هو أقل منه خبرة ومهارة واجباً وضرورة أخلاقية بعد صدور الامر واتخاذ القرار. الذي لا يجيد الإتباع لا يجيد القيادة.

ظهرت هذه المقالة في الصحف والدوريات التالية:

جريدة الحياة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: