تناقض المشهد السوري ومآلاته المتعددة

sandstorm

سورية اليوم في حالة حرب مفتوحة على كل الاحتمالات، وهي تشكل بؤرة صراع تجتذب قوى طائفية تتهافت عليها من كل حدب وصوب أمام مرأى العالم ومسمعه، ودون وجود اهتمام واضح لإنهاء الصراع. الشيء الأكيد، أن الشعب السوري الحر مصر على تحقيق أهداف ثورته في الحرية والكرامة والديمقراطية، وأن سورية لن تعود مرة أخرى إلى النظام القديم، رغم عدم وضوح معالم النظام السياسي القادم أو المدى الزمني لامتداد الصراع العسكري.

الخيارات المتوفرة للمعارضة السورية محدودة. فالنظام مدعوم عسكريا وماليا دعما غير محدود من قبل إيران وروسيا. وهو يستعين بقرابة أربعين ألف مقاتل إيراني وعراقي ولبناني للحفاظ على سلطته. المعارضة في المقابل ليس لديها دعم خارجي كاف، وهي تعتمد على قدراتها الذاتية وما تغتنمه من ترسانة النظام.

لكن المعارضة لديها أوراق مهمة يمكن توظيفها إذا استطاعت أن تزيد من تلاحمها الداخلي وتعمل على مستوى أعلى من التنظيم والأداء. في مقدمة هذه الأوراق الصبر والمصابرة والثبات. فالنظام يفتقد كل مقومات الاستمرار كسلطة سياسية مستقلة، وهو اليوم مستمر بسبب الإرادة الإيرانية، وبالتالي يمثل وجوده هيمنة لدولة الولي الفقيه على سورية، وهي الدولة التي تستثمر بشريا وماليا لإبقاء النظام في السلطة. لكن إيران ستكتشف قريبا أن رغبتها في الهيمنة والتوسع تتضاءل في حجمها أما رغبة الشعب السوري في الحرية والاستقلال.

تعمل المعارضة السورية اليوم، في سياق صراع عنيف مع نظام الأسد وحليفه الاستراتيجي العراقي “داعش”، على تنظيم المناطق التي تسيطر عليها، وتعمل على إدارتها عبر الحكومة المؤقتة التي شكلتها قبل أشهر قليلة. كما تعمل على توفير حد أدنى من القدرة النارية لردع هجمات النظام الجوية والبرية بالطيران والأسلحة الثقيلية. ثمة جهود مستمرة في السعي إلى رفع أداء المعارضة التنظيمي.

الصراع السوري باصطفافاته وتداخلاته الراهنة يوظف من قبل قوى سياسية ملتزمة أولا وقبل كل شيء بأمن إسرائيل وهيمنتها بغرض إنهاك منطقة المشرق العربي وإغراقها في حروب بينية لن تخرج منها إلا مدمرة مفلسة ما لم يبادر العقلاء إلى تغيير طبيعة الحراك. وبطبيعة الحال فإن الطمع الإيراني في توسيع دائرة نفوذ الدولة الشيعية الإيرانية، ورغبة روسيا في تحدي السياسات الغربية في الشرق الأوسط، يوفران الأجواء لإنجاح الخطة الماكرة. لكن الشعب السوري لن يرضى أن يكون بيدقا في لعبة النفوذ الإيرانية أو الروسية أو الغربية، وسيصر على الكفاح للوصول إلى حقه المشروع في العيش الكريم والخلاص من الطغيان والفساد.

نظام الأسد كاد ينهار في شهر تشرين الثاني 2013، وهذا ما دفع الروس إلى الضغظ عليه للذهاب إلى جنيف. ولكن الدعم المالي والبشري والعسكري الذي قدمته إيران منذ ذلك الحين رجح كفة النظام وزاد الضغط على الثوار. كما أن دخول المنظمة المتطرفة المسماة “دولة العراق والشام الإسلامية” (داعش) في الصراع للتحكم في المناطق المحررة فتح جبهة جديدة أمام كتائب الثوار وأعطى النظام فرصة لالتقاط أنفاسه.

النظام لن يستطيع السيطرة مرة أخرى على البلاد، بل يمكن القول أن النظام لن يستطيع إعادة هيمنته على الدولة حتى ولو حقق انتصارات عسكرية كبيرة. سورية اليوم منهكة بشريا واقتصاديا، وعمق العداء الذي ولده النظام لا يمكن رأبه إلا من خلال خطة لتحقيق العدالة والمصالحة، وهي خطة لا يمتلك نظام الأسد بطبيعته الاستبدادية مفاتحها والقدرة على تنفيذها. المشاهد السياسية الممكنة (السيناريوهات) عديدة ولا يمكن حصرها، لكني أوجز أهمها بالمشاهد الخمسة التالية:

المشهد الأول: يؤدي إنفاق إيران للحفاظ على النظام (بمعدل 500 مليون دولارا شهريا) إلى تدهور الاقتصاد الإيراني بصورة متصاعدة، وربما يدفع استمراره لمدى أطول إيران إلى الضغط على الأسد لإجبار نظامه على الدخول في حل سياسي. إرهاصات هذا المشهد بدأت تتجلى في الدور الأساسي الذي لعبته إيران لتحقيق اتفاق حمص القديمة وتلعبه اليوم مجددا للوصول إلى هدنة بين النظام وحي الوعر في مدينة حمص.
المشهد الثاني: بدء تحركات شعبية داخل المناطق الخاضعة للنظام نتيجة الوضع الاقتصادي المتردي، وإفضائها إلى ضغوط كبيرة تجبر النظام بالتعاون مع حلفائه على الوصول إلى تفاهم إقليمي لوضع حد للاقتتال الداخلي.
المشهد الثالث: انهيار المعارضة السياسية نتيجة لتزايد الخلافات السياسية داخلها، وزيادة قوة الكتائب المتشددة على الأرض، وخاصة داعش التي تملك قدرات تنظيمية وانضباط تراتبي لا تملكه المعارضة السورية، وتحول سورية إلى منطقة صراع عسكري طويل بين النظام والقوى المتشددة، على شاكلة أفغانستان. هذا المشهد يعني تغيير أكيد في الخارطة السياسية يتجاوز سورية إلى المشرق العربي
المشهد الرابع: تمكن المعارضة السياسية والعسكرية من تنظيم صفوفها، ورأب الشرخ القائم بينها، وإعادة سيطرتها على المناطق المحررة وإيجاد موارد محلية لاستمرار تقدمها في مواجهة النظام، انتهاء بفرض حل سياسي عليه أو إسقاطه.
المشهد الخامس: مبادرة المجتمع الدولي إلى الضغط على النظام، إما عبر تفاهم أمريكي روسي، أو من خلال تحالف غربي جاد، لإجبار النظام على الدخول في حل سياسي ينهي الصراع.

المشهد السياسي السوري مفتوح على كل الاحتمالات، وربما يصعب التكهن في مآلاته، خاصة إذا أدى هذا المشهد إلى هزات اقتصادية وسياسية في دول الجوار.

ورغم تنوع المشهد وانفتاحة على احتمالات صعبة يمكننا القول بأن سورية تولد اليوم من جديد من خلال المعاناة والجراح، وما يجري اليوم فيها سيكون له أثر عمق في منطقة المشرق العربي. سورية تعيد تعريف نفسها وقيمها الاجتماعية ودورها السياسي، والشعب السوري يكتشف في محنته معنى الحرية التي تاق إليها طويلا ولكنه لم يقترب منها يوما مثلما حاله اليوم. لا شيء يدفع الإنسان لطلب الحرية مثل الاستبداد والطغيان، والاستبداد والطغيان في سورية اليوم في أوجه ومداه الأقصى. طغيان نظام الأسد وطغيان منظمة دولة العراق والشام الإسلامية (داعش) التي لم تتعلم من الإسلام إلى رسمه وشعائره ولكنها فقدت روحه ومقاصده.

كثير منا كان يأمل أن يكون المخاض قصيرا والتضحيات محدودة، ولكن استعلاء آل الأسد وجنودهم، ووضع مصلحة الفرد الحاكم فوق مصلحة البلاد والعباد يدفع الصراع إلى أمد مديد الله وحده يعلم كم سيطول وكم سيدفع الشعب السوري من أثمان لقاء حريته وكرامته. ولكن سورية، قلب بلاد الشام، ستعود إلى دورها التاريخي، وستتحول ثورتها إلى عتبة للمرور من زمان الاستلاب ومن أزمنة الضياع إلى زمان الفعل الحضاري والعمراني الذي ميز أهل الشام عبر التاريخ.

نظام الأسد قد يتمكن بسبب التلاحم الطائفي حوله من الاستمرار لبعض الوقت، ولكنه سينهار لأنه حكم على نفسه بالسقوط لحظة قراره إعلان الحرب على شعبه. لا يوجد نظام في تاريخ البشرية استمر في الحكم بعد اتخاذه قرار إعلان الحرب على مصدر قوته ومنعته. من الصعب اليوم التكهن بدقة بلحظة وكيفية سقوطه، فالمشاهد والسيناريوهات كثيرة، ولكن سقوطه محكوم بطبيعة الأشياء. الرأس الذي يطلق النار على الجسد الذي يمده بالحركة والقوة مصيره الموت والسقوط مهما بلغ من عنجهية وجبروت.

ظهرت هذه المقالة في الصحف والمنشورات التالية:

جريدة الشرق الأوسط

ميدل أيست أونلاين

كلنا شركاء في الوطن

Advertisements

رد واحد to “تناقض المشهد السوري ومآلاته المتعددة”

  1. سيد عيسى Says:

    هل تريديون أن تعلمون ماذا يجري اليوم في الموصل وفي سورية والعراق ولبنان …؟إن عصابات الاسد المجرمة الخائنة العميلة والمالكي مع حسن نصرة اللاة وداعش ينفذون مشروع مخططات شرق اوسط جديد مع ايران وحليفتها اسرائيل على حساب شعوب العراق وسورية ولبنان..بمساعدة الدول الكبرى أجمعين .. أجمعين..أجمعين ..ولنا الله القوي العادل سيخذلهم ويردهم خائبين بإذنه تعالى..#

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: