مقابلة مع جريدة المغرب أجرتها وفاء العرفاوي

PolOfficeتحدث لؤي الصّافي السياسي السوري المعارض في حوار مع المغرب» عن موقف الائتلاف السوري المعارض من الانتخابات السورية الأخيرة ، والسيناريوهات المطروحة في الفترة المقبلة ، وعن نتائج زيارة وفد المعارضة السورية إلى واشنطن ومدى تغيّر الموقف الأمريكي ، مشيرا إلى مواقف البلدان العربية إزاء الأزمة في بلاده .

ويعدّ لؤي الصافي من أبرز المعارضين السياسيين في سوريا يشغل خطة رئيس مكتب السياسات والتخطيط في المجلس الوطني السوري وعضو الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية ، كما سبق وأن ترأس المجلس السوري الأمريكي.

 

بداية ماهي قراءتكم للوضع السّوري في الوقت الراهن؟

تمر سوريا اليوم بمرحلة تحولات كبيرة نفسية وفكرية وسياسية، وتواجه تحديات كبيرة تتجاوز كل التوقعات التي رافقت بدايات الثورة. الثورة السورية التي بدأت في منتصف شهر مارس 2011 شكلت امتدادا لصرخات التحرر التي انطلقت من تونس ومصر واليمن. اتخذت في البدء شكل مظاهرات وانتفاضات شعبية عفوية طالبت حكومة الأسد ببدء عملية إصلاح سياسي حقيقي وإنهاء الفساد المالي والإداري المستشري في البلاد.

ولكنها تحولت بسرعة نتيجة تعنت النظام ورفضه تطبيق المطالب الشعبية، وإصراره على اسكات الأصوات الرافضة للاستبداد باستخدام العنف المفرط، الذي وصل بعد ستة أشهر من الانتفاضة السلمية، إلى حرب مفتوحة من قبل نظام الأسد ضد الشعب السوري، استخدمت فيها الدبابات والطائرات والمدفعية الثقيلة والصواريخ بعيدة المدى. ولم يلبث الصراع المحلي أن تحوّل إلى صراع إقليمي، ثم دولي، وبالتالي أصبح إنهاؤه محليا مستحيلا، خاصة في ظلّ إصرار بشار الأسد وأعوانه على الاحتفاظ بالسلطة ورفض المشاركة السياسية لقوى المعارضة التي تمثل الشريحة الواسعة من السوريين.

المعارضة السورية حاولت بصدق الوصول إلى حلّ سياسي من خلال مشاركتها في مؤتمر جنيف، وسعت خلال جولتين من المفاوضات إلى الوصول إلى حل سياسي رغبة منها في إنهاء القتل والاقتتال، وإعادة القرار إلى الداخل السوري من خلال هيئة حاكمة انتقالية تهيئ البلاد لمرحلة انتقالية، وتحقق أهداف الثورة، وتنجز مصالحة أهلية. ولكن إصرار النظام على الحل العسكري ورفضه تشكيل هيئة سياسية انتقالية تمثل كل السوريين أفشل المفاوضات.

سوريا اليوم في حالة حرب مفتوحة على كل الاحتمالات، وهي تشكل بؤرة صراع تجتذب قوى طائفية تتهافت عليها من كل حدب وصوب أمام مرأى العالم ومسمعه، ودون وجود اهتمام واضح لإنهاء الصراع، سواء من جانب حليفي النظام الرئيسيين إيران وروسيا اللذين يمدانه بدعم سياسي وعسكري واستراتيجي ومالي غير محدود، أو من جانب القوى الغربية وحلفائها العرب الداعمين معنويا للثورة ضمن مجموعة «أصدقاء سوريا».

الشيء الأكيد، أن الشعب السوري الحر مصر بشدة على تحقيق أهداف ثورته في الحرية والكرامة والديمقراطية، وأن سورية لن تعود مرة أخرى إلى النظام القديم، رغم عدم وضوح معالم النظام السياسي القادم أو المدى الزمني لامتداد الصّراع العسكري.

ماهو تعليقكم على فوز «بشار الأسد» في الانتخابات الرئاسية التي أجريت مؤخرا ؟

الانتخابات الرئاسية التي أشرف عليها نظام الأسد مثلت استمرارا للمسرحيات الانتخابية التي أقامها على مدى خمسين عاما ونيف. فهي لا تحقق أدنى الشروط اللازمة لقيام انتخابات حرة ونزيهة. إلقاء أعداد محدودة من المواطنين لأصواتهم في صناديق الاقتراع في أحياء المالكي والمزرعة والعباسيين في دمشق جرى بالتزامن مع إلقاء طائرات الأسد براميل الموت المتفجرة فوق أحياء أخرى من نفس المدينة، مثل داريا وجوبر والقابون. هذه الانتخابات الزائفة والمسرحية المقززة تعكس بجاحة الطغيان وعقلية الاستبداد التي تستخف بعقول الناس وكراماتهم.

كيف يمكن إجراء انتخابات في بلد نصف مناطقه خارج سلطة النظام وتعاني من حرب دموية طاحنة؟ وكيف يمكن إجراء انتخابات في بلد ثلاثة ملايين من سكانه لاجئين في دول الجوار وستة ملايين مهجرين من دورهم وقراهم وأحيائهم؟ لو أراد النظام فعلا إجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة لسعى إلى إنهاء الصراع وسمح بحرية الصحافة والأحزاب، وبدأ عملية مصالحة لإعادة الناس إلى بيوتهم قبل البدء في الحملات الانتخابية والاقتراع. لكن سلوك النظام يبين أنه لم يكن مهتما بأي عملية ديمقراطية بل أراد مسرحية هزيلة تعطيه شرعية زائفة.

ماهي الخطوات التي سيتخذها الائتلاف السوري المعارض لمواجهة نظام الأسد مابعد الانتخابات؟

الخيارات المتوفرة للائتلاف محدودة. فالنظام كما ذكرت مدعوم عسكريا وماليا من قبل إيران وروسيا دعما غير محدود. وهو يستعين بقرابة أربعين ألف مقاتل إيراني وعراقي ولبناني للحفاظ على سلطته. المعارضة في المقابل ليس لديها دعم خارجي كاف، وهي تعتمد على قدراتها الذاتية وما تغتنمه من ترسانة النظام.

لكن المعارضة لديها أوراق مهمة يمكن توظيفها إذا استطاعت أن تزيد من تلاحمها الداخلي وتعمل على مستوى أعلى من التنظيم والأداء. في مقدمة هذه الأوراق الصبر والمصابرة والثبات.

يعمل الائتلاف اليوم، في سياق صراع عنيف مع نظام الأسد وحليفه الاستراتيجي العراقي «داعش»، على تنظيم المناطق التي يسيطر عليها وإدارتها عبر الحكومة المؤقتة التي شكلها. كما يعمل على توفير حد أدنى من القدرة النارية لردع هجمات النظام الجوية والبرية بالطيران والأسلحة الثقيلة. وسيستمر بجهده هذا في السعي إلى رفع أدائه التنظيمي. وسيدرك المعتدي قريبا أن للعدوان ثمنا باهظا وأن إرادة الأقلية الفاسدة والمستبدة لا يمكن فرضها على الإغلبية إلى الأبد، كما يرجو أتباع الأسد أصحاب شعار «الأسد إلى الأبد».

حسب رأيكم ما هي السيناريوهات المتوقعة في سوريا الآن؟

مع الأسف، الصراع السوري ليس سوى فخ لسكان المنطقة وضعته قوى سياسية ملتزمة أولا وقبل كل شيء بأمن إسرائيل، بغية إنهاك منطقة المشرق العربي وإغراقها في حروب بينية لن تخرج منها إلا مدمرة مفلسة. ولكن الطمع الإيراني في توسيع دائرة نفوذه، ورغبة روسيا في تحدي السياسات الغربية في الشرق الأوسط هو الذي أدى إلى نجاح الخطة الماكرة. الشعب السوري لن يرضى أن يكون بيدقا في لعبة النفوذ الإيرانية أو الروسية أو الغربية، وسيصر على الكفاح للوصول إلى حقه المشروع في العيش الكريم والخلاص من الطغيان والفساد.

نظام الأسد كاد ينهار في شهر أكتوبر 2013، وهذا ما دفع الروس إلى الضغظ للذهاب إلى جنيف. ولكن الدعم المالي والبشري والعسكري الذي قدمته إيران منذ ذلك الحين رجح كفة النظام وزاد الضغط على الثوار. كما أن دخول المنظمة المتطرفة المسماة «دولة العراق والشام الإسلامية» (داعش) في الصراع للتحكم في المناطق المحررة فتح جبهة جديدة أمام كتائب الثوار وأعطى النظام فرصة لالتقاط أنفاسه.

سوريا اليوم منهكة بشريا واقتصاديا، وعمق العداء الذي ولده النظام لا يمكن رأبه إلا من خلال خطة لتحقيق العدالة والمصالحة، وهي خطة لا يمتلك نظام الأسد بطبيعته الاستبدادية مفاتحها والقدرة على تنفيذها. المشاهد السياسية الممكنة (السيناريوهات) عديدة ولا يمكن حصرها، لكني أوجز أهمها في المشاهد الثلاثة التالية:

الأول: تأثير إنفاق إيران للحفاظ على النظام (يقدر بحوالي 500 مليون دولارا شهريا) يؤثر على الوضع الإيراني الداخلي واستمراره لمدى أطول ربما يدفع بإيران إلى إجبار نظام الأسد على الدخول في حل سياسي. إرهاصات هذا المشهد بدأت في الدور الأساسي الذي لعبته إيران لتحقيق اتفاق حمص القديمة وتلعبه اليوم مجددا للوصول إلى هدنة بين النظام وحي الوعر في مدينة حمص.

الثاني: بدء تحركات شعبية داخل المناطق الخاضعة للنظام نتيجة الوضع الاقتصادي المتردي، وإفضاؤها إلى ضغوط كبيرة تجبر النظام بالتعاون مع حلفائه على الوصول إلى تفاهم أقليمي لوضع حد للاقتتال الداخلي.

الثالث: انهيار المعارضة السياسية نتيجة لتزايد الخلافات السياسية داخلها، وزيادة قوى الكتائب المتشددة على الأرض، وخاصة داعش، وتحول سوريا إلى منطقة صراع عسكري طويل بين النظام والقوى المتشددة، على شاكلة افغانستان.

هل يمكن النزوع إلى حلّ سياسي للازمة اعني بذلك هل هناك امكانية لانعقاد مؤتمر جنيف3؟

النظام السوري يحكمه دكتاتور يلتف حوله طغمة حاكمة مستفيدة من الضباط ورجال الأعمال، وتدعمه أقليات سكانية يحركها الخوف على أمنها ومصالحها. قيادة النظام لا تملك الإرادة لتحقيق حل سياسي لأن المضي في طريق التغيير الديمقراطي يعني انتهاء تسلط الطغمة الحاكمة.

وبالتالي يتطلب الوصول إلى حل سياسي تغييرا كبيرا في موازين القوى على الأرض، أو في مواقف الدول الداعمة للنظام، لإرغام النظام على الدخول في حل سياسي ينهي الاستبداد والفساد في سوريا. وهذا يعني أن الصراع مستمر إلى أن تتغير توازنات القوى الداخلية أو المواقف الدولية.

كيف تقيمون المواقف العربية والدولية من الائتلاف السوري المعارض؟

أظهرت الأزمة العربية الضعف الشديد لمنظومة الدول العربية، كما أظهرت أن الإمكانيات البشرية والفكرية والسياسية والعسكرية العربية غير قادرة اليوم على وقف النزيف في دولة عربية مفصلية، أمام أطماع إيران الإقليمية في توسيع نفوذها في المنطقة.

العرب اليوم في حالة من التشرذم، جرّاء غياب التعاون الحقيقي البيني، وغياب مؤسسات لترشيد القرار والحفاظ على الأمن المشترك. هناك ضعف ملحوظ في نقل المعلومات والأخبار وغياب كبير للأمانة والمصداقية في كثير من مؤسسات الإعلام العربية الكبيرة. هناك تبعية كبيرة للقرار العربي يشل قدرة العرب على اتخاذ المواقف المناسبة لحفظ مصالحهم.

ماهي قراءتكم لمستقبل سوريا؟

سوريا تولد اليوم من جديد من خلال المعاناة والجراح، وما يجري اليوم في سوريا سيكون له أثر عميق في منطقة المشرق العربي. سوريا تعيد تعريف نفسها وقيمها الاجتماعية ودورها السياسي، والشعب السوري يكتشف في محنته معنى الحرية التي تاق إليها طويلا ولكنه لم يقترب منها يوما مثلما حاله اليوم. لا شيء يدفع الإنسان لطلب الحرية مثل الاستبداد والطغيان، والاستبداد والطغيان في سوريا اليوم بلغا الحدّ الأقصى. طغيان نظام الأسد وطغيان منظمة دولة العراق والشام الإسلامية (داعش) التي لم تتعلم من الإسلام إلى رسمه وشعائره ولكنها فقدت روحه ومقاصده.

نظام الأسد قد يتمكن بسبب التلاحم الطائفي حوله من الاستمرار لبعض الوقت، ولكنه سينهار لأنه حكم على نفسه بالسقوط لحظة قراره إعلان الحرب على شعبه. لا يوجد نظام في تاريخ البشرية استمر في الحكم بعد اتخاذه قرار إعلان الحرب على مصدر قوته ومناعته. من الصعب اليوم الحكم على آلية سقوطه، فالمشاهد والسيناريوهات كثيرة، ولكن سقوطه محكوم بطبيعة الأشياء.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: