الائتلاف الوطني السوري بين الهجوم الكاسح والنقد البناء

الائتلاف الوطني السوري

الائتلاف الوطني السوري

قصّر الائتلاف. فشل الائتلاف. لم يحقق الائتلاف الأهداف المرجوة. فعل الائتلاف ولم يفعل.. هذه الكلمات نسمعها تتكرر يوميا من ناشطين سياسيين وإعلاميين سوريين في جهد مقصود حينا وغير مقصود أحيانا لتحويل الائتلاف إلى شماعة لتعليق جميع الأخطاء والاحباطات والتقصير. فما حقيقة هذا الجدل الذي يملأ الفضاء الإعلامي وفضاء شبكات التواصل الاجتماعي حتى ليكاد ضجيجه يصمنا جميعا، ويُفرغ الهواء الذي تستنشقه الثورة من عناصره الحيوية؟

نعم ثمة أخطاء تنظيمية كثيرة ارتكبها أعضاء الائتلاف وقادته، وخطوات ضرورية جرى تجاهلها ولم يعمل الائتلاف عليها بالقدر المطلوب والمأمول منه. ولكن الجهود مستمرة داخل قوى الثورة والمعارضة لتقييم عمله وتصحيح مساره ورفع أدائه. وثمة إنجازات مهمة حققها ضمن ظروف في غاية الصعوبة وتحديات إقليمية ودولية تزيد في حجمها على القدرات الذاتية للائتلاف.

إذا كان الغاية من النقد هو التطوير ورفع الأداء فيجب أن يدرك النقاد أن نجاح الائتلاف حين ينحج وفشله حين يفشل هو نجاح وفشل قوى المعارضة والثورة جميعا بدون استثناء. ذلك أن الائتلاف من حيث بنيته وطبيعته هو تجمع لقوى سياسية وثورية متنوعة يعكس تنوعها الحراك السياسي والثوري على مدى الساحة الثورية، وأن القوى المنخرطة فيه هي القوى السياسية والثورية الفاعلة على الساحة والتي اختارت الانضمام إلى والعمل وفق أهدافه وآلياته. وأن ضعف الائتلاف ليس ضعفا خاصا فيه بل نجده أيضا لدى المجلس الوطني والمجالس العسكرية والثورية.

بالتأكيد قد لا تخلو سلة الائتلاف من بيضات فاسدة كما هو حال كثير من الدوائر السياسية التي تجذب أصحاب الطموحات الشخصية في كل مكان. ودوائر المعارضة والشبكة العنكبوتية مليئة بكم وافر من الاتهامات التي توجه حينا إلى بعض أعضائه وأحيانا إلى الجميع، ولكنها في مجملها تأخذ شكل شائعات يتناقلها الناس، تطلق هنا وهناك  جزافا دون أي دليل أو تحقيق منهجي، وهي بالتالي غير قابلة للاثبات والتحقيق الجنائي او المتابعة الأصولية. الاتهام وحده لا يمكن اعتماده وسيلة للإدانة والتجريم، والمبدأ المتبع في كل الشرائع السماوية والأرضية أن المتهم بريء حتى تتم إدانته. فالإدانة تحتاج إلى دليل لا شائعات مجردة. الحصيلة النهائية لكل أعمال الإدانة ونقل الشائعات مدمرة لأنها تعمل على زرع الشك في قلوب السوريين من القيادة السياسية الوحيدة المعتبرة في دوائر السياسية الرسمية.

نعم، لم يتمكن الائتلاف حتى الآن من تحقيق تواجد ملحوظ في الأراضي المحررة، ولكن الجهود ماضية لتغيير هذا الواقع من خلال الحكومة المؤقتة. الحكومة تواجه في الحال الراهن تحديات عديدة، أهمها تتعلق بمساعي بعض الكتائب المقاتلة إلى احتكار التواجد الخدمي في المناطق التي تسيطر عليها ورفض التعاون ونقل المهام الخدمية إلى الوزارات المعنية في هذه الحكومة. وهذا طبعا يكرس التشرذم والتفرق، ولا يخدم التوجه العام للثورة. ومع الاعتراف بالحاجة إلى الكثير من التطوير في عمل الائتلاف والحكومة فإنه يجدر بنا أن نسأل: لمصلحة من يتم شيطنة الائتلاف؟ ولماذا لا يتم التعاون مع الحكومة المؤقتة التي تقودها شخصية وطنية متعاطفة مع التوجه الشعبي؟ وما هو البديل لجمع الشتات العسكري والمدني في المناطق المحررة، إذا لم يكن هذا من خلال مؤسسة وطنية كالائتلاف أو أي بديل يمكن لمن يرفض التشكيلات الحالية من تأسيسه؟

ومن المفيد أن نتذكر ونحن نعمل على تطوير أداء المعارضة أن نجاح وفشل الائتلاف هو في حقيقته انعكاس لنجاح وفشل جميع من انتفض ضد نظام الاستبداد خلال السنوات الثلاثة الماضية، وهو يعكس بالتالي عناصر القوة والضعف في الجسد السوري والثقافة السياسية السورية عموما. ضعف الائتلاف ينبثق بشكل أساسي من مصادر ثلاثة: (1) التنافس والتزاحم والتنازع الذي يعاني منه جميع السوريين في الداخل والخارج، و (2) ضعف التزام بالقواعد والأنظمة التي تحكم منظمات الثورة وتنظم عملها، أو باختصار عدم احترام القوانين وقواعد العمل، و (3) وهذا مصدر تابع للمصدر السابق، المركزية في العمل وعدم توزيع المسؤوليات بطريقة منهجية ووفق إجراءات واضحة. وهذه نقاط ضعف تشترك فيها جميع مؤسسات المعارضة وجميع القوى العسكرية التي تصد عدوان النظام.

الإصلاح والتغيير المطلوب كما لا يخفى عملية شاقة تأخذ وجهدا كبيرا وتحتاج إلى فسحة من الوقت لانجازها. الثورة التي انفجرت في سورية شكلت تعبيرا عفويا عن رفض شعبي لحالة الفساد والاستبداد، ولكن الفساد والاستبداد نتاج ثقافي إضافة إلى كونه فعل فردي، والتغلب عليه يحتاج إلى جهد مستمر وواع وصبور، وقبل هذا وذاك إلى عمل جماعي يتجاوز الأطر الرسمية. لا زال الائتلاف يسعى إلى تجاوز القصور والعطالة التي المتولدة عن عقود الطغيان والفساد،  وهو يعبر بحاله هذا عن واقع السوريين بمجملهم وطرق عملهم التي ورثوها من عصور التراجع والاستبداد. لذلك فإن المطلوب اليوم عدم الاكتفاء بنقد أداء الائتلاف، بل تحويل النقد إلى جهد منهجي ومنظم يتجاوز السرد والكلامالكلام والردح.

لذلك فإن الثورة السورية تحتاج، وهي تسعى إلى إسقاط نظام الطغيان، أن تتخلص من ضعفها الموروث وأن تسعى حثيثا لتطوير ممارسات وطنية تقوم على الالتزام بالقواعد والقوانين، وتغليب المصلحة العامة على التنافس والتزاحم الداخلي، وتطوير مهارات تحقيق المساءلة الداخلية بعيدا عن المواقف الكيدية أو الولاءات التكتلية والحزبية.

المطلوب اليوم عدم الوقوف عند مرحلة النقد وإطلاق أحكام كلية والاكتفاء بعد ذلك بالمشاهدة وترقب ردود الأفعال. المطلوب اليوم القيام بمبادرات تنظيمية تكمل الجهود وتشخص المشكلات وتقدم حلولا وبدائل، وتطور مؤسسات معارضة جديدة تسد الثغرات التي لم تتمكن المؤسسات الحالية من سدها. ولنتذكر جميعا إن فشل الائتلاف في مهمته هو فشل للعمل السياسي والتنظيمي لدى قوى الثورة والمعارضة على العموم ونجاحه هو نجاح لها على العموم.

ظهرت هذه المقالة في المنشورات التالية:

كلنا شركاء في الوطن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: