المأزق السوري ومقاربات الثورة

ثورة الحرية والكرامةأضحى واضحا أن الثورة السورية تمر بأزمة حرجة تلقي بظلالها الثقيلة على أوضاع السوريين جميعا دون استثناء، سواء أقاموا في مناطق محررة أو مناطق هيمنة النظام أو كان مصيرهم اللجوء خارج البلاد. الصراع العسكري مستمر دون وجود آفاق لحل سياسي ينقذ البلاد من التفكك المستمر ويحول دون تحولها إلى دولة فاشلة أو مجموعة محميات لدول إقليمية وقوى دولية. لجوء النظام إلى مسرحية الانتخابات والإيحاء بأن تقدمه العسكري في محافظة حمص، وجملة المصالحات التي عقدها في الغوطة الشرقية، مؤشر لانتصاره على ما سماه “المؤامرة الكونية” لا يغير من الحقيقة الجلية في أن إرادة الخلاص من نظام الفساد والاستبداد لدى شرائح واسعة من السوريين تزداد شدة وعمقا. وبالمثل، يقابل تقدم النظام في حمص تقدم واضح للثوار في درعا وحلب وريف حماة وريف اللاذقية. وبالتالي لا توجد بوادر لأي حسم عسكري، مما يعني أن الصراع السياسي يهدد البلاد بحرب داخلية طويلة وينذر بمزيد من القتل والتدمير للبنية التحتية وزيادة حجم المعاناة الإنسانية في ظروف أمنية ومعيشية في غاية الصعوبة.

ثمة حاجة اليوم إلى إعادة النظر في استراتيجية الثورة وطرائق عملها على ضوء التطورات الداخلية والاصطفافات الدولية المتغيرة، وغياب آفاق حل سياسي قريب نظرا لتعنت النظام وحلفائه. الثورة السورية التي بدأت انتفاضة ضد الظلم وكفاحا للتحرر من استبداد النظام وفساده بدأت بالتراجع تدريجيا مع دخول الكتائب المؤدلجة التي رفعت شعارات إسلامية بلبوس سلطاني، وتبنت طروحات مناقضة لطروحات الثورة، تقوم على أساس إحياء الممارسات السياسية التاريخية التي تطورت خلال الخلافة الأموية والعباسية. ومع تزايد نفوذ الكتائب المؤدلجة التي تقاتل باسم الأغلبية السنية ولكنها لا تمتلك الكثير من الانفتاح الديني والالتزام بالتعددية السياسية الذي ميز الأغلبية السورية منذ الاستقلال. هذا التباين الصارخ بين طروحات الثورة وأهدافها وطروحات الكتائب التي حملت شعارات إسلامية خاوية من أخلاقيات الإسلام أحدث شرخا كبيرا في مشروع الثورة وفتح نضال الشعب السوري على احتمالات جديدة لم تكن في الحسبان.

المعارضة السياسية والثورية بذلت جهودا كبيرة لبناء جبهة واحدة في مواجهة نظام الأسد المتضامن داخليا بفضل نواته الطائفية الملتزمة بالأسد كرمز أوحد لا ترى بديلا عنه. وتكللت هذه الجهود ببناء المجلس الوطني السوري ثم بناء جبهة أكثر استيعابا للتنوع السياسي السوري تمثلت بالائتلاف الوطني، تدخل—مع الأسف—لتحقيقه سفراء بعض الدول الداعمة. إتساع الطيف السياسي داخل الائتلاف الوطني أدى إلى توترات أديولوجية وإلى استقطاب شديد بين القوى الثورية والسياسية سمح لأصحاب الطموحات باستثمار التباين الدخلي للوصول إلى قيادة الائتلاف. ولم يلبث أن ولّد الاستقطاب سلسلة من المواجهات السياسية الحادة كان أبرزها انسحابات أربع وأربعون عضوا من الائتلاف إبان قرار الأغلبية المشاركة في مؤتمر جنيف.

التنازع بين القوى السياسية داخل مؤسسات المعارضة وسيطرة الكتائب المؤدلجة على الساحة العسكرية من خلال التنظيمين الكبيرين المرتبطين بالقاعدة، داعش وجبهة النصرة، شتت مواقف الدول الداعمة، بدء بالولايات المتحدة التي كانت مترددة في دعم الثورة لاسباب جيوسياسية، ومرورا ببريطانيا وفرنسا. الموقف الفرنسي لا زال الأكثر تطورا وتعاطفا مع مطالب الثورة لأسباب تتعلق بالحالة اللبنانية، ولكن فرنسا غير قادرة على التأثير في التوجه العام لحليفيها الرئيسيين، بريطانيا وأمريكا. إصرار الغرب على أن الحل الوحيد في سورية هو حل سياسي ينبع بالتأكيد من مخاوف الغرب أن يؤدي انهيار نظام الأسد إلى هيمنة حلفاء القاعدة على السلطة.

الجيش الحر المتمثل بهيئة الأركان والمجالس العسكرية التي أنشئت مع بدء حركة الانشقاقات في صفوف الضباط لم يتمكن من التحول إلى قوة عسكرية ضاربة لأسباب تتعلق بالتنافس الداخلي للقوى المنضوية تحت هيئة الأركان من جهة، وبسبب إصرار الدول الداعمة على التعاطي مع قادة الجبهات بصورة مباشرة من جهة أخرى. هذه المثالب والثغرات جعلت عملية تطوير قيادة مركزية أمرا مستحيلا. الائتلاف الوطني طرح مشروع الجيش الوطني المنضبط والموحد، ولكن المساعي تعثرت نتيجة الاستقطاب الداخلي ضمن الائتلاف، وغياب الأطر التنظيمية الضرورية والآليات المناسبة لإنجاز هذا العمل الكبير . المطلوب اليوم من الائتلاف الوطني ووزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة وهيئة الاركان سد هذه الثغرة وإعادة تنظيم الكتائب العسكرية المنضوية تحت لواء الجيش الحر، وتحويلها إلى قوة عسكرية منضبة وخاضعة لقيادة موحدة.

تداعيات عسكرة الثورة تظهر اليوم أيضا في التغير البطيء في مواقف الحاضنة الشعبية للثورة. فثمة تغير خفيف في الموقف العام من الثورة، خاصة في المدن الخاضعة للنظام، يعكس مخاوفا حقيقية من هيمنة قوى عسكرية متنازعة ومتشددة على السلطة واحتمال الانهيار المفاجئ والكامل للدولة. ثمة أيضا مخاوف حقيقة من دخول سورية في حالة من الفوضى السياسية والعسكرية، خاصة وأن الصراعات الداخلية بين الكتائب والمجموعات السياسية المحسوبة على الثورة بادية اليوم للعيان في المناطق المحررة. هناك مخاوف أيضا من أن تقوم الكتائب الإسلامية باستخدام شعار “تطبيق الشريعة” لإنشاء دولة استبدادية تعتدي على حريات الناس وتصادر خياراتهم الدينية والمدنية. ومن هنا تأتي أهمية ميثاق الشرف الذي أعلنته أمس (17 أيار 2014) الكتائب الإسلامية المرتبطة بهيئة الأركان والرافضة للمنطق السياسي للكتائب المتحالفة مع القاعدة، والذي يؤكد التزام هذه الكتائب بدولة قانون واحترامها لحقوق الإنسان والتعددية الدينية والسياسية. وعلى الرغم من أهمية تبني الكتائب الإسلامية لميثاق الشرف فإن هذه الخطوة المتقدمة لا تغطي كل الثغرات القائمة بين هذه الكتائب وقوى المعارضة السياسية، ولا زالت الحاجة قائمة للوصول إلى تصور مشترك لسورية الغد وتطوير آليات قرار سياسي ملزم للجميع.

الخوف من انفتاح الثورة السورية على صراع عسكري داخلي طويل لا يقتصر على الداخل السوري، بل هناك أصوات ترتفع داخل المعسكر الداعم للثورة تحذر من فوضى سياسية عارمة حال سقوط الأسد، كما سمعنا مؤخرا من رئيس أركان الجيش الأميركي الجنرال مارتن ديمبسي، الذي عبر عن قناعاته خلال حوار أجراه الأسبوع الماضي (16 أيار 2014)في مركز “أبحاث المجلس الأطلسي” عندما بين سبب عدم موافقته على اعطاء المعارضة أسلحة متطورة بقوله: “عندما ننظر الى المستقبل ونحاول ان نرى كيف سينتهي (هذا الصراع)، في مرحلة ما، ستحتاج المعارضة السورية الى منظومة حكم يمكنها ان تقدم من خلالها خدمات جيدة وأمناً للسكان، (وان لم تفعل ذلك) تفشل بسرعة”. ولم يخف القائد العسكري الأمريكي قناعته في أن الصراع العسكري والصراع على السلطة سيستمر ضمن الأجواء الحالية بعد سقوط الأسد: “سيكون هناك تتابع في الصراعات، هناك الصراع القائم حاليا، يتبعه صراع ثان يأخذ شكل صراع داخلي، ثم يكون هناك الصراع الثالث ضد التنظيمات الإرهابية التي تنمو هناك”.

وسواء فهمنا حوار الجنرال الأمريكي داخل مؤسسات صنع القرار السياسي الأمريكي على أنه تبرير لامتناع إدارة أوباما عن تقديم المساعدات العسكرية إلى الثورة أو نظرنا إليه على أنه تعبير عن وجهة نظر خاصة داخل أروقة صنع القرار الأمريكي، فإن المحصلة النهائية لمواقف الدول التي ينتظر السوريون منها المساعدة تظهر ترددا، إن لم نقل إحجاما، في اتخاذ مواقف وخطوات حاسمة تنهي الأزمة وتعجل في وقف نزيف الدم السوري. وهذا يعني أن الاستمرار في ترقب حدوث تطوير إيجابي حاسم من جانب الدول الداعمة، والتعويل الكامل على هذه الآمال خطأ كبير.

أنسداد أفق الدعم الخارجي يجب أن يدفع بقيادات الثورة السياسيين والعسكريين إلى البحث عن حل وطني يعيد القرار إلى الداخل السوري. البحث عن حل وطني ومخرج سياسي للصراع الدموي هو ما دفع الأغلبية داخل الائتلاف لاتخاذ موقف إيجابي من مؤتمر جنيف، إلا أن المؤتمر أظهر أن نظام الأسد لا يبحث عن حل سياسي بل عن حسم عسكري. رهان النظام على الحل العسكري لا يعني أن الحسم العسكري ممكن، فقدرة النظام على التحكم في البلاد تراجع كثيرا ولكنه لم يتغير من حيث التوجه العام. النظام لا زال رغم كل ما حدث يعتمد القمع والتسلط والوحشية في التعاطي مع الثورة، ويسعى من خلال توظيف النواة الطائفية للجيش والكتائب الطائفية المستوردة من العراق ولبنان، لفرض إرادته على الشعب السوري.

الآفاق الوحيدة لحل ينهي الصراع بطريقة تسمح بإعادة بناء البلاد هي في تفاهم وطني لم تتحقق بعد شروطه. الحل الوطني الذين ينهي التدخل الخارجي في الأزمة السورية هو الحل السياسي الذي يسمح ببدء عملية انتقالية يشارك فيه السوريون جميعا، وهو الأمر الذي لا زال النظام يرفضه ويتوهم أن بإمكانه إعادة عقارب الساعة إلى أيام استبداده الكامل بالسلطة. هذا يعني أن المعارضة لا تمتلك حاليا الشريك السياسي، وأن عليها إيجاد الظروف المناسبة للدخول في حل سياسي.

وبالتالي فإن تجاوز الأزمة الحالية يتطلب من المعارضة السورية التحرك على محورين. المحور الأول داخلي يتعلق بترتيب البيت الداخلي ورفع مستوى التنظيم والأداء داخل صفوف المعارضة، وتمكين الحكومة المؤقتة من الانتقال إلى المناطق المحررة لتقديم الخدمات، وتنظيم دوائر التعليم وعمليات الانتاج الزراعي والصناعي، والعمل على إيجاد موارد ذاتية وتحقيق شيئا من الاستقلالية المالية . وهذا يتطلب أيضا وجود قوة عسكرية منضبطة وفاعلة لتحقيق حد أدنى من الأمن داخل المناطق المحررة وإنهاء حالة الفوضى الإدارية والعسكرية. أما المحور الثاني فيتعلق بالتنسيق مع الدول الشقيقة ودول الجوار سعيا للوصول إلى تفاهمات إقليمية والشروع في المرحلة الانتقالية الضرورية للدخول بعملية تفاوضية تنهي الاستبداد وتعلن بدء التحول إلى الحياة الديمقراطي الحرة والمشاركة السياسية.

وباختصار، فإن الاستراتيجية المطلوبة اليوم للخروج من حالة الانسداد السياسي والعسكري المحيق بالحالة السورية يجب أن ترتكز على المحرك الأساسي للسياسات الدولية، وأعني بذلك تلاقي المصالح. تغيير الوضع في سورية لن يتم من خلال استعطاف “الأصدقاء” أو استفزاز الأعداء، بل من خلال الضرب على وتر المصالح الدولية المشتركة، وربط هذه المصالح بانتصار الثورة، بعيدا عن الشعارات والمواقف الأديولوجية الضيقة، وخطاب العنتريات والرومانسية السياسية الحالم.

.

ظهرت هذه المقالة في المنشورات والصحف التالية:

الشبكة العربية العالمية

كلنا شركاء

ميدل أيست أونلاين

 جريدة الحياة

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: