سورية بين التطرف الديني والسياسي

DeenPoliticحاضر بشار الأسد يوم أمس في حفل من المشايخ والداعيات في مدينة دمشق حول التدين والتطرف الديني والعلاقة بين الدين والدولة. المحاضرة تطرقت إلى العديد من القضايا والمسائل شملت حرية الاعتقاد، ورسالة الخطباء وآداب الخطبة، والإسلام السياسي، في حديث طويل أراد منه تصوير نظامه بأنه يحارب التطرف الديني ويواجه ثورة تسعى لتوظيف الدين لأغراض سياسية.

ولا أريد هنا أن أدخل في نقاش لما ورد في محاضرة الأسد أمام علماء الدين، وهو يحاضر فيهم في مشهد غريب أعاد إلى الأذهان مشهدا غريبا آخر عندما تحولت بعض القيادات الدينية في سورية مع انطلاقة الثورة السورية إلى أبواق سياسية في خدمة دولة الاستبداد، تسبح بحمدها وتغيب أخطاءها في نفس الوقت الذي تغيب فيه القادة السياسيون لنظام الأسد عن المشهد. هذا التبادل في الأدوار ملفت للنظر وربما يحتاج إلى مقالة أو دراسة مستقلة للتعاطي معه. ما يهمنا هنا من هذا الحديث المتشعب هو أنه انطوى على كثير من التذاكي وأريد منه تغييب استبداد النظام وفساده خلف مشهد زائف مزيف يتقلص فيه الصراع في سورية إلى صراع ضد التطرف الديني.

التطرف الديني في سورية هو وليد الاستبداد السياسي وإصرار الطبقة السياسية على كم الأفواه والترويج إلى رؤية دينية تاريخية جامدة تمنع تقييم السلوك العام للسياسيين وموظفي الحكومة انطلاقا من القيم الأخلاقية المرتكزة في الوعي الشعبي المنبثقة عن تصور ديني ورسالي يمثل الإسلام أهم مرتكزاته. فعندما يستشري الظلم والفساد والتسلط والفئوية ولا يتمكن الناس من نقده بإخضاعه لمعايير الصدق والأمانة والكرامة، وإيقافه باعتماد القضاء المستقل الحر. وعندما يلقى من يواجه هذا السلوك المنحرف في السجون والمعتقلات في حين يترك المجرمون والمختلسون في مواقع قيادية داخل الدولة والمجتمع. وعندما يخرج الشباب في مظاهرات سلمية فيواجهون بالرصاص ولتعذيب والقتل والاغتصاب. عندما يحصل هذا يصبح التطرف الديني الذي يسعى إلى قلب الطاولة على الطبقة الحاكمة هو المخرج المناسب لكثير من الشباب لمواجهة تطرف الدولة.

التطرف الحقيقي في سورية، الذي هو سبب كل تطرف آخر، يتجلى في الإصرار على استخدام الدولة ومؤسساتها لدفاع عن مصالح الحاكم المستبد والطبقة السياسية المحيطة به، وحصر مفاصل الدولة في أيدي أبناء الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد. التطرف الحقيقي في سورية هو في استخدام القبضة الحديدية لإسكات كل الأصوات الداعية إلى منع الفساد وإلى الإصلاح وبناء مؤسسات المجتمع، ومنع المواطنين من التحول إلى شركاء في بناء الوطن.

لذلك فإن الخطوة الأولى لإنهاء التطرف الديني هي في القضاء على التطرف السياسي والطائفي الذي حول سورية بعد خمسة عقود من حكم البعث وأربعة عقود من حكم الأسد إلى دولة متخلفة سياسيا واقتصاديا وثقافيا وعلميا. التطرف الديني سيستمر في المنطقة العربية ويتزايد طالما استمرت الأنظمة العربية بالاعتماد على سياسات القمع وكم الأفواه للتعاطي مع الانتقادات التي توجه للممارسات الخاطئة وواقع الفساد الإداري والمالي، وطالما استمرت هذه الأنظمة بمواجهة الاحتجاجات السلمية بالعنف المفرط والقبضة الحديدية وفروع الأمن السياسي والعسكري.

ظهرت هذه المقالة في المنشورات التالية:

الشبكة العربية العالمية

كلنا شركاء

ميدل أيست أونلاين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: