مداخلة في ندوة فض الصراعات: سؤال الحل السياسي في سورية

فيما يلي نص الورقة التي قدمها الدكتور لؤي صافي في ندوة فض النزاعات التي نظمها مركز الجزيرة للدراسات في الدوحة مساء أمس:

سؤال الحل السياسي في سورية
لؤي صافي

هل الحل السياسي للصراع العسكري في سورية ممكن؟ من المفيد قبل النظر في إمكان الوصول إلى حل سياسي أن نتحدث عن معنى الحل السياسي الذي يمكن أن يخرج البلاد من حالة الاستقطاب الشديد بين مكونات المجتمع السوري ويضع البلاد على بداية طريق المصالحة الوطنية، ويسمح بتجاوز حالة الاستبداد ولاستقطاب الطائفي التي ولدتها ممارسات نظام الأسد منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي.

الإطار النظري للحل السياسي في سورية يعني إنهاء الاقتتال بين قوات النظام وحلفائه من جهة، والكتائب المقاتلة لإسقاطه بمختلف أصنافها واصطفافاتها، والوصول إلى بنية سياسية وآليات عمل مشتركة تسمح بحل الخلافات القائمة بين الأطراف سلميا ودون اللجوء إلى القوة واستخدام العنف لفرض رأي أو رؤية يحملها طرف من أطراف الصراع على الآخر. وهذا يعني بطبيعة الحال نقل القرار السياسي من العسكريين والمقاتلين إلى السياسيين والشخصيات الوطنية التي تمثل القوى المتصارعة. البنية السياسية المطلوبة للوصول إلى الحل السياسي يجب أن تعطي مكونات الشعب السوري المختلفة حيزاً كافياً من الحريات يضمن عدم تحكم أي مكون في الممارسات الاجتماعية والثقافية والدينية للمكونات الأخرى، وآليات العمل المشترك هي آليات القرار الديمقراطي عبر صناديق الاقتراع والمشاركة الحرة في الحياة السياسية.

ثمة توافقات نظرية بين القوى السياسية والاجتماعية المتصارعة على الإطار العام للحل السياسي ولكنها تخفي وراءها اختلافات عملية جذرية وعميقة. فالنظام وأعوانه يتحدثون عن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع لاختيار القيادة السياسية، وهم لذلك يطالبون المعارضة بقبول مسألة تحديد مصير بشار الأسد من خلال صناديق الاقتراع. المشكلة هنا أن النظام السوري بتركيبته الحالية غير قادر على إجراء انتخابات حرة ونزيهة من جهة، وأن اختيار النظام لطريق الحسم العسكري للتعامل مع الدعوات الإصلاحية يجعل مسألة القبول بالأسد على رأس دولة ساهم في تدميرها أمراً مستحيلاً.

قوى المعارضة دعت نظام الأسد منذ بداية الصراع السياسي وقبل تحوله إلى صراع عسكري إلى إدخال اصلاحات سياسية ودستورية وبدء حياة ديمقراطية تسمح بالمشاركة السياسية الواسعة وانهاء نظام الحزب الواحد وحكم القائد الرمز المتعالي فوق الحياة السياسية الذي بدء مع تولي الأسد الأب مقاليد السلطة في القرن الماضي.
القوى الإسلامية تتحدث عن نظام يقوم على الشورى والانتخابات التي تفرز القيادة السياسية، ولكنها تختلف في فهمها لمعنى الشورى وآليات الانتخاب وصلاحيات ممثلي الشعب (وفق مفهوم أهل الحل والعقد التاريخي) ومن خلال طرح فضفاض لتحكيم الشريعة في الحياة العامة.

ورغم تسليمنا بوجود صعوبات عديدة ومهمة في التوافق على إطار نظري لحل الأزمة، فإن بذور التوافق النظري موجودة، على الأقل على مستوى القيم الأساسية، مثل المساواة والمشاركة والمساءلة والحريات والعدالة الاجرائية والاجتماعية. هذا التشارك القيمي يحتاج بطبيعة الحال إلى تفسير بنيوي وتنظيمي، مما يتطلب دخول الأطراف في حوار واسع ومتعدد المستويات لتوضيح المفاهيم والتصورات والتعاطي من المخاوف والتحفظات والوصول إلى لغة سياسية مشتركة تسمح ببدء حياة سياسية في المجتمع السوري بعد انقطاع دام نصف قران مذ أن تولى حزب البعث السلطة في البلاد.

الصعوبة الأساسية اليوم في الوصول إلى حل سياسي هو غياب القوى السياسية المؤثرة التي تؤمن بالحل السياسي والقادرة في نفس الوقت على توفير الأجواء السياسية والأمنية، وتسهيل سبل الحوار بين الأطراف المتنازعة للوصول إلى إطار سياسي مشترك ولغة سياسية مشتركة. فالقوى الإقليمية والدولية القادرة على ممارسة هذا الدور تنقسم إلى قسمين: من يسعى إلى حل عسكري ويرى في الحديث عن حل سياسي وسيلة لإطالة أمد الصراع والاختباء خلف موقف أخلاقي لرفع اللوم عنه وعن خياره الدموي، ومن يؤمن بالحل السياسي ولكنه لا يسعى بالضرورة إلى تحقيق تحول ديمقراطي.

فروسيا وإيران تنظران إلى سورية من منظار جيوسياسي باعتبارها منطقة نفوذ ونقطة ارتكاز متقدمة في الصراع مع الولايات المتحدة وحلفائها. التدمير الكبير في البنية التحتية لسورية والخسائر البشرية الهائلة والحالة الإنسانية المتدهورة في البلاد أمور لا تحتل موقعا متقدما على قائمة أولويات هاتين الدولتين في الشرق الأوسط. روسيا ترى في سورية قاعدة متقدمة لمواجهة النفوذ الأمريكي وحليف مهم ضد التعاطف “السني” مع الجمهوريات الإسلامية الغنية بالنفط والراغبة بتحقيق مزيد من الاستقلال عن الهيمنة الروسية. وعلى الرغم من أن هذا التعاطف موهوم ومبالغ به إلى حد بعيد، إلا أنه يشكل جزء من المخاوف الروسية من التيارات الإسلامية الناشطة في المنطقة العربية التي تقيم عادة في روسيا من خلال تجربة حرب الشيشان. في حين ترى إيران في سورية ممراً مهماً للسلاح إلى جنوب لبنان وفي النظام السوري شريكاً لتسهيل توسع النفوذ الإيراني من خلال التوسع العقدي الشيعي ودعم الأقليات الشيعية في سورية والمشرق العربي.

الغرب بقيادة الولايات المتحدة محكوم من جهة أخرى في تعاطيه مع الشأن السوري بالتزاماته بحفظ أمن إسرائيل من جهة والصراع مع المنظمات الإسلامية المتطرفة والمتحالفة مع تنظيم القاعدة. إضعاف نظام الأسد واحتواء البرنامج النووي الإيراني كانا في مقدمة العوامل التي وجهت سياسة أوباما في السنتين الأوليين من الثورة. في حين أصبح هاجس القاعدة وحلفائها في سورية العنصر الأساسي في تحركات الولايات المتحدة الأخيرة فيما يتعلق بالملف السوري، كما كان تزايد تأثير الحركات الإسلامية الدافع الرئيسي لتحركها لإنهاء الحرب في البلقان في منتصف التسعينيات.

الموقف الأمريكي من الصراع السوري أضعف مواقف حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة المتعاطفين مع الثورة السورية، وبشكل خاص موقف تركيا وقطر والسعودية. الموقف الأمريكي دعا السعودية، المتضرر الأكبر من أولويات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إلى اتخاذ موقف متمرد على الموقف الأمريكي والذي برز في رفضها للدعوة التي تلقتها لرئاسة الدورة الحالية لمجلس الأمن، والذي قرأه السياسيون السعوديون أنه جائزة ترضية غير مقبولة، وذلك عقب تراجع أوباما عن ضرب نظام الأسد ودخوله في صفقة مع إيران، خصم السعودية الرئيسي. مقالة الأمير محمد بن نواف بن عبد العزيز التي نشرتها جريدة النيويورك تايمز قبل أشهر، والتي هدد فيها باستعداد السعودية المضي في الدعم العسكري للثورة السورية، بصورة منفردة ودون الأكتراث بالسياسة الخارجية الأمريكية، تعكس الضيق المتزايد للقيادة السعودية بالسياسات الأمريكية في المنطقة. من الناحية العملية هناك حدود لقدرة السعودية على التحرك منفردة بعيداً عن الخط الأمريكي، نظراً لحاجة السعوديين إلى غطاءأمريكي مع تنامي القدرات العسكرية الإيرانية في منطقة الخليج.

الائتلاف الوطني، الجبهة الأوسع في صفوف المعارضة السياسية، لم يتمكن من تحقيق مستوى أدنى من التنسيق مع القوى العسكرية الرئيسية في الداخل. بل إن العلاقة بين الائتلاف وهيئة الأركان من جهة، وقيادات الكتائب الإسلامية المقاتلة ازدادت توتراً خلال الأشهر القليلة الماضية، بعد أن عجز الائتلاف عن ايجاد آليات للتواصل والتشاور مع هذه القوى نتيجة الاستقطاب السياسي الحاد داخل الائتلاف والذي عكس الاستقطاب السياسي الإقليمي بين القوى الأقليمية المؤيدة للثورة السورية.

تراجع دور القوى العسكرية والسياسية السورية نتيجة تحالفات مع دول إقليمية متصارعة على الساحة السورية، يجعل الوصول إلى حل سياسي أمرا بالغ التعقيد. ويبدو أن أوراق الحل السياسي انتقلت من أيدي السوريين، سواء كانوا معارضة او نظام، إلى أيدي القوى الاقليمية والدولية التي لم تكن منذ البداية معنية بالتحول الديمقراطي أو الحل السياسي، بل بصراعاتهما الجيوسياسية والاديولوجية. أعمال القتل والتدمير المتزايدة في سورية يظهر أن الحل السياسي بالصورة التي بيناها سابقا ليس هو الهم الرئيسي للقوى المتصارعة، بل خوض حرب بالوكالة للدفع بالمشاريع الإقليمية والدولية.

لكن إدارة أوباما لا تبدو مستعدة لبذل جهود كبيرة لوقف عمليات القتل الممنهج. بل إن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين غير معنية بفك الحصار عن المناطق المحاصرة منذ شهور لإنهاء الأوضاع غير الإنسانية في تلك المناطق والتي أدت إلى وفاة العديد من السكان، وخاصة الأطفال، نتيجة نقص التغذية، كما أنها لا تمارس ضغوط مناسبة بالتنسيق مع روسيا للافراج عن آلاف النساء والأطفال المحتزين داخل سجون النظام، ناهيك عن المعتقلين السياسيين، على الرغم من أن هذه مطالب وضعها الائتلاف كشرط لمشاركته في مفاوضات جنيف. هذه بالطبع مؤشر سلبي على إمكانية الوصول إلى حل سياسي مقبول لأنه لا يعني فقط بأن النظام وحلفاءه غير مكترثين بخلق أجواء تؤدي إلى نجاح المفاوضات، بل أن الولايات المتحدة وحلفاءها لا يملكون الإرادة السياسية للضغط على النظام للقيام بذلك.

هذا يعنى أن قدرة المعارضة السورية على الضغط على النظام وحلفائه وإرغام المجتمع الدولي على اتخاذ مواقف أكثر جدية يتوقف على قدرتها على العمل كجبهة واحدة والوصول إلى تفاهمات تؤدي إلى تكامل العمل السياسي والعسكري. مع الأسف هذا المشهد لا يزال بعيد الاحتمال نتيجة للاستقطابات الحادة داخل أروقة المعارضة السياسية والعسكرية، واستمرار الاصطفاف الإقليمي وغياب الراعي الدولي الملتزم بالتحول الديمقراطي في سورية.

توحيد صفوف المعارضة السياسية والعسكرية يمثل الأمل الوحيد المتبقي لتغيير الحراك السياسي الحالي وفرض واقع سياسي وعسكري جديد يدفع بالقوى الدولية إلى قبول عملية التحول الديمقراطي، وممارسة الضغوط اللازمة على نظام الأسد للوصول إلى حل سياسي ينهي الاستبداد ويعلن بداية الحياة السياسية الحرة والكريمة في سورية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: