مسؤولية الثورة عامة لا يمكن اختزالها بفرد

ambitionمن المفيد أولا أن أوكد على أن المحاسبة والمساءلة والنقد ظاهرة صحية في الحياة السياسية لأنها الطريق الوحيد لمواجهة الانحراف والفساد وسوء استخدام الموقع العام والسلطة. لكن القيام بمثل هذا العمل في خضم ثورة لم تصل إلى أهدافها وفي سياق عمل سياسي لا تسمح ظروفه بمشاركة الجميع باتخاذ القرار السياسي يتطلب قدرا من المسؤولة في التعاطي. فالفرق بين الحرية والفوضى هو قيام مؤسسات وآليات لاتخاذ القرار وللمحاسبة في الأولى وغيابها في الثانية. ومن واجب الثوار والناشطين السياسيين تجنب تحويل الثورة إلى فوضى عارمة تمنع استمرار الجهود الرامية للخلاص من نظام التسلط والاستبداد.

إذا كان السؤال الذي يحيق بالعمل الثوري اليوم هو هل تواجه المعارضة مشكلة تنظيم ومشكلة قيادة، فإن الجواب الأكيد بالايجاب. وإذا كان السؤال هل هناك تراجع في قدرات المعارضة العسكرية أمام هجمات النظام وحلفائه الإيرانيين وامتداداتهم في المنطقة العربية، فإن الجواب بأن هناك تراجع في مناطق وتقدم في مناطق أخرى. هناك تراجع في جبال القلمون وحلب وتقدم في دير الزور وريف حماة ودرعا والجولان وهذا بدوره يحتاج إلى تحليل مستقل لفهمه والوقوف على أسبابه. وأخيرا إذا كان السؤال هل هناك حاجة لتحسين أداء المعارضة وتوحيد قواها السياسية والعسكرية فإن الجواب الذي لا خلاف حوله أن مثل هذا العمل أساسي وضروري لنجاح الثورة واختصار أمدها.

لكن التعاطي مع هذه الأسئلة الهامة بوضع المسؤولية كاملة على عاتق رئيس الائتلاف الحالي، كما هو حال بعض الناشطين، هو في حقيقة الأمر هروب من المسؤولية التي تحملها القوى السياسية والعسكرية، ومحاولة فجه للهروب من التكاليف المشتركة وامتناع عن تسمية التحديات والثغرات والمثالب بمسمياتها، وتوظيف المشكلات لقلب الطاولة على رفاق الدرب والحصول على مكاسب سياسية ضيقة لا تخدم الثورة ولا تعجل بالنصر. تحميل المسؤولية لرئيس الائتلاف وحده، والاعتقاد بأن “إسقاطه” بعيدا عن آليات القرار المؤسسي يوفر الحلول لمشاكل الثورة، هو في حقيقة الأمر ابتعاد عن الحلول وإعادة الثورة إلى مرحلة الفوضى العارمة التي سبقت إنشاء مؤسسات المعارضة الرسمية، التي تمثلت أولا بالمجلس ثم بالائتلاف.

ولنكن واضحين، التراجع الحالي للثورة لا يمكن وضع مسؤوليته على عاتق رئيس الائتلاف وحده، وأنا لست هنا في معرض اعفائه من المسؤولية، فهو والفريق الذي يستعين به والهيئة السياسية التي يعمل معها يتحملان مسؤولية أساسية لما يجري، كما يتحملها الحراك الثوري والمجالس المحلية والحكومة المؤقتة والكتائب المسلحة وهيئة الأركان والدول الشقيقة الداعمة ومجموعة أصدقاء سورية.

تراجع المعارضة العسكرية في وسط البلاد مسؤولية مشتركة يتحملها جميع من شارك في هذه الثورة، ويتحملها في المقام الأول من اختار التنازع بدلا من التعاون، والتنافس بدلا من التكامل، والمكاسب الحزبية والكتلية بدلا من تحقيق الأهداف الوطنية المشتركة. يتحملها من قاد المجلس الوطني وعجز عن استيعاب قيادات المعارضة التي قادت الصراع مع النظام لعقود خلت قبل بدء الثورة. ويتحملها السياسيون الذين ساهموا بتشكيل الائتلاف، ولم يكلفوا أنفسهم عناء النظر في النظام الأساسي الذي أعطى شخص الأمين العام كامل الصلاحيات التنفيذية، ممهدين بذلك لإنشاء مركزية إدارية داخل الائتلاف، خلقت أرضية لتحكم عدد قليل من الأفراد بمفاصل القرار وأدت إلى تمرد واسع في صفوف من استبعدوا ولم يستشاروا وفق آليات قرار تشاركية واضحة. وتتحملها القوى السياسية التي انضمت إلى الائتلاف ولم تبذل جهدا كافيا لاستيعاب مكونات الائتلاف المتعددة وإيجاد روح الفريق في عمله.

التراجع أيضا مسؤولية هيئة الأركان التي لم تتمكن من تنظيم الجيش الحر وعجزت عن الحفاظ على مخازنه، ثم اختارت المواجهة بدلا من التعاون عندما قام المجلس العسكري الأعلى باختيار رئيس جديد للأركان. وبالمثل يتحمل مسؤولية التراجع الفصائل ذات المشاريع الجهادية العالمية التي خرجت عن إطار مشروع وطني قاد الثورة منذ البداية وجمع كلمة السوريين وحقق دعما دوليا، واختارت الانضواء تحت مظلة منظمة القاعدة التي تخوض حربا مفتوحة مع النظام الدولي والنظام العربي، وتتبنى رؤية دينية ضيقة لم تمكنها من التعاطي مع التنوع السياسي والتنظيمي فاختارت سبيل العداء والتكفير والمحاربة لمن خرج عن دائرتها من قوى الثورة والمعارضة.

التراجع قبل هذا وذاك هو تراجع في دعم القوى الأقليمية والدولية، نتيجة تبدلات جيوسياسية تتعلق أيضا بمصالح أقليمية ودولية لا تستطيع المعارضة التحكم بها أو تجاوزها، وتتعلق كذلك بخيارات النظام الذي اختار الاحتفاظ بالسلطة بأي ثمن ولو كان هذا الثمن إضعاف البلاد وفتح المشرق العربي على كل الاحتمالات السياسية.

وتبقى مسؤولية خيارات القرار والفعل المتعلق بالثورة مسؤولية المعارضة السياسية والعسكرية، ومن لا يمتلك الشجاعة لتحمل المسؤولية عند أول صدمة وتراجع في مواجهة اتصفت منذ البداية بالكر والفر، ويسعى لإلقاء المسؤولية على الآخرين، فهو غير جاد في التعامل من المشكلة، وغير مستعد لتقديم البدائل للمشكلات الحالية. تحمل المسؤولية يعني تطوير المؤسسات وتطوير الخدمات وزيادة التنسيق بين قوى المعارضة المختلفة، واتخاذ المبادرات وتقديم الحلول للمشاكل عبر مؤسسات الحكومة المؤقتة.

قلت هذا الكلام وكررته مرارا، ولا بأس من تكراره مرة أخرى: انتصار الثورة يتطلب وحدة الصف بعيدا عن الانتماءات الحزبية والكتلية، وعن الالتفاف حول مصادر الدعم المالي والتمويل، وعن التحرك دون استراتيجية محكمة وبنية فاعلة. وبالتأكيد الائتلاف يجب أن يقوم بالدور الرائد في هذا من خلال سعي أعضائه للتعاون دون النظر إلى الاصطفافات الاديولوجية والسياسية، ضمن قواعد عمل مؤسسي. وإلى إنهاء المزايدات الوطنية والانضباط ضمن قواعد القرار الديمقراطي الذي يقتضي أن يدلي كل فرد داخل المؤسسة برأيه وبصوته ثم يقبل نتيجة القرار دون انسحابات وتهديدات وتوظيف للإعلام للنيل من المؤسسة التي ينتمي إليها أو القيادات المنافسة له.

المخرج الوحيد أمام المعارضة لإعادة زخم الثورة السياسي والميداني هو في الالتفاف حول المشروع الوطني الذي انطلقت الثورة لتحقيقه، والسعى لإنهاء الاستبداد والفساد بكل أشكاله وإقامة دولة القانون، واحترام قواعد العمل المؤسسي المشترك الذي يسمح بالاستفادة من الطاقات والخبرات دون تهميش أو استبعاد. الهيئة العامة للائتلاف الوطني مطالبة بتقديم القدوة والمثل خلال اجتماعها في مطلع الشهر القادم، بالبدء بتطوير العمل المؤسسي بعيدا عن التهويش والمزايدات، وبتقديم المشاريع والطروحات التي تخدم الوطن وتحقق أهداف الثورة، وعندها ستعود الثورة إلى مسارها الصحيح التي قطعت شوطا كبيرا منه ولم يتبقى لها إلى القليل الذي يحتاج إلى الصبر والثبات والتخطيط والتدبير.

ظهرت هذه المقالة في المنشورات التالية:

كلنا شركاء

ميدل إيست أونلاين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: