الجولة الثانية من جنيف وآفاق الحل السياسي

34 UNpress1-27-2 شهرا من عمر الثورة السورية المصرة على إنهاء الاستبداد في سورية مضى  وقريبا يكمل الشعب السوري عاما ثالثا من الآلام والمعاناة والعنف الدموي،  حاول نظام الأسد خلال هذه الأشهر إنهاء ثورة الشعب السوري المباركة بوحشية غير مسبوقة وبإصرار كامل على الحل العسكري. شباب سورية وأحرارها حملوا السلاح للدفاع عن أنفسهم وأهليهم ضد هجمات القوى الطائفية المرتبطة بالنظام، مدعومة بمقاتلي حزب الله، والحرس الثوري الإيراني، والكتائب الطائفية العراقية. المقاتلون السوريون الذين يواجهون النظام وحلفائه يصرون، بالمثل، على أن اللغة الوحيدة التي يفهمها النظام هي لغة القوة، ويرون لذلك في مواصلة النضال للدفاع عن مدنهم وقراهم الحل الوحيد لأنهاء الاستبداد والإجرام. والنتيجة صراع دامٍ راح ضحيته مئات الآلاف من المدنيين، لا سيما في المناطق المعارضة للنظام.

بعد جدل طويل داخل صفوف الائتلاف الوطني السوري، ورغم الشكوك و انعدام الثقة في قدرة النظام على الانخراط بجدية في المفاوضات الرامية إلى إيجاد حل سياسي، صوتت الأغلبية للذهاب إلى جنيف في جهد يهدف إلى قطع الشك باليقين حول ادعاء النظام وحلفائه رغبتهم في إيجاد حل سياسي للمأساة السورية. السوريون منقسمون حول جنيف، فالبعض يرى أن المفاوضات فخ وضع للمعارضة، وسعي دولي لإعادة تأهيل نظام الأسد. في حين يخشى آخرون أن المفاوضات يمكن أن تعطي النظام وقتا إضافيا يحتاجه لاستكمال حملته العسكرية ، وتدمير ما تبقى من المراكز السكانية الخاضعة لسيطرة المعارضة. الكثير منا الذين قرروا إعطاء جنيف فرصة نعتقد، مع ذلك، أن مؤتمر جنيف يمثل الفرصة الأخيرة لتحقيق حل سياسي ، وإعطاء الجهود الدولية، التي تقودها روسيا والولايات المتحدة، فرصة لانهاء عنف نظام الأسد.

الكثير منا ممن يشارك في محادثات جنيف يؤمن أن الأنظمة الاستبدادية لا تمتلك القدرة على حل نفسها وإنهاء وجودها باختيارها . فنظام الاسد سعى بشكل منظم ومتعمد إلى تحويل جهود سلمية من أجل الإصلاح إلى حرب شعواء ضد الشعب السوري. وفعل النظام ذلك بمكر شديد بقمع المظاهرات السلمية بالقوة العارية ولكن باستخدام محدود في مرحلة المظاهرات السلمية التي استمرت لشهور عديدة، ومن ثم تصعيد الهجمات تدريجيا إلى مستوى عالي وصولا إلى استخدام الطائرات الحربية والصواريخ طويلة المدى ، بل والسلاح كيماوي، لسحق المعارضة من خلال معاقبة حاضنتها الشعبية. وشجع النظام الجماعات المتشددة على حمل السلاح و أطلق سراح قياداتها من السجون بينما اعتقل النشطاء السياسيين والحقوقيين السلميين.

إيجاد حل سياسي يلبي تطلعات الشعب السوري في الحرية ودولة القانون والمساءلة السلطة السياسية هو بالتأكيد الخيار الأفضل. وبالتالي فإن الحل السياسي المرجو يجب أن يحمل نتائج عمية ويؤدي إلى التحول الديمقراطي الحقيقي وإنهاء حكم الأسد في سورية. نهاية الاستبداد يعني بالدرجة الأولى إزالة المستبد من المشهد السياسي، خاصة وأنه يحمل المسؤولية الأولى عن سفك دماء الشعب السوري ومقتل ما يزيد عن 136 ألف سوري و تدمير 60 ٪ من البنية التحتية للبلاد وفقا لأكثر الأرقام محافظة. نظام الأسد يكرر عبر إعلامه ومن خلال مفاوضيه إصراره على بقاء الأسد، ولا يألو جهدا للحفاظ على الشخص المسؤول عن موت مئات الآلاف وتدمير المدن والقرى السورية.

الجولة الأولى من المفاوضات استمرت لمدة 7 أيام دون تقدم يذكر ودون أن يبدي النظام جدية في السعي إلى حل سياسي . فالفريق المفاوض  أمضى قدرا كبيرا من الوقت خلال الجولة الاولى في محاولة لأخذ المفاوضات بعيدا عن إطار جنيف. ورغم فشله في تحقيق ما يريد فقد بدى واضحا أنه لا يملك الإرادة السياسية اللازمة لتحقيق التحول المطلوب من الاستبداد إلى الديمقراطية . أعضاء النظام السياسيين  الخمسة لم يشاركوا في جميع الاجتماعات  التفاوضية التي جرت، وأمضوا وقتهم في بهو مبنى الأمم المتحدة و الفناء الخلفي بالتحدث الى وسائل الاعلام ، تاركين مهمة التفاوض لفريق من تسعة دبلوماسيين وبروقراطيين.

مفاوضو النظام فعلوا كل ما في وسعهم لأخذ المفاوضات بعيدا عن القضايا الأساسية التي ينص عليها بيان جنيف. كما رفضوا فتح ممرات إنسانية لوصول الدعم الإغاثي في المناطق المحاصرة منذ أشهر في جهد يقوم به نظام الأسد لإرغام السكان على مغادرة مدنهم وقراهم. النظام عرض السماح للنساء والأطفال بمغادرة المنطقة ، ولكننا رفضنا هذا العرض لأنه محاولة من قبل النظام لتهجير السكان قسريا باعتماد سياسات التجويع، وهو عمل يشكل حسب القانون الدولي جريمة ضد الإنسانية.

ليس لدينا وهم في أن نظام الأسد لن يختار طوعا تفكيك بنية الاستبداد في سورية التي شيدت على مدى العقود الأربعة الماضية البنية التي جعلت الدولة السورية رهينة لعائلة الأسد . فشقيق بشار الأسد و أبناء عمومه وأخواله يسيطرون على وحدات النخبة العسكرية وكذلك المناصب الرئيسية في أجهزة الأمن. ويحيط بهؤلاء مجموعة من السياسيين والبيروقراطيين مكلفة بتنفيذ السياسات التي تهدف إلى المحافظة على النظام في السلطة. وهذا يجعل النظام غير مرن على المستوى السياسي وأكثر التحاما بالحل العسكري الذي ولد الويلات في سورية ومعاناة كبيرة للشعب السوري

المقصود من محادثات جنيف حول سوريه تنفيذ بيان جنيف وفق قرار مجلس الأمن رقم 2118، وبالتالي توفر الفرصة الأخيرة لإيجاد حل سياسي للأزمة السورية . بيان جنيف يقدم آلية هامة لتنفيذ الخطوات المختلفة التي تهدف إلى إنهاء الصراع ، بما في ذلك وقف إطلاق النار ، وإطلاق سراح سجناء الرأي ، ورفع الحصار عن المدن والقرى، و السماح بحرية التعبير والتنظيم، التي غابت طويلا من التجربة السياسية السورية. هذه الآلية يناقشها بيان جنيف تحت عنوان “الهيئة الحاكمة الانتقالية” والتي تمتلك سلطات تنفيذية كاملة. وذلك لأن تغيير السلطة الحاكمة في سورية أمر ضروري لخلق إرادة سياسية راغبة في التحول الديمقراطي ووضع حد للاستبداد . طبعا فريق النظام المفاوض، عملا بتعليمات قيادته في دمشق، بذل كل جهد لمنع مناقشة الهيئة الحاكمة الانتقالية في الجولة الأولى . والنظام فعل بدوره كل ما يستطيع لتقويض محادثات جنيف من خلال تصعيد الهجمات على المدن والقرى السورية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 650 مدنيا 30% منهم من النساء والأطفال أثناء المفاوضات على مدى أيام سبعة مستخدما البراميل المتفجرة  كل منها قادر على تدمير بناء من خمسة طوابق خلال ثوان.

تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية يجب أن يكون جوهر المفاوضات في الجولة الثانية من أجل إنشاء المؤسسة التي يمكنها تنفيذ خطوات جنيف الستة. الفشل في تحقيق تقدم على هذا المحوريعني أن أيا من الخطوات الأخرى التي يحددها بيان جنيف لا يمكن أن تتحقق، وبالتالي فإن الفشل في تشكيل البينة السياسية الضرورية لتنفيذ جنيف سيؤدي إلى فشل الفرصة الأخيرة لدي السوريين من أجل التوصل إلى حل سياسي.

ولأن نظام الأسد غير معني بتطبيق جنيف فإن نجاح المؤتمر يتطلب إجبار النظام على وقف حملة الإرهاب والترويع ضد السكان المدنيين، و يجب عدم السماح له لاستخدام براميل الموت، السلاح المفضل لدى النظام. هذا يعني أن المجتمع الدولي، ولا سيما روسيا والولايات المتحدة، مطالب بممارسة الضغوط اللازمة على النظام الأسد لإجبار النظام على تنفيذ بيان جنيف، ومنعه من تقويض الفرصة الأخيرة لتجنب توسيع مدى الصراع والحيلولة دون تحوله إلى الصراع الإقليمي يهدد أمن المنطقة والعالم.

ظهرت هذه المقالة في المنشورات والصحف التالية:

كلنا شركاء في الوطن

ميدل أيست أونلاين

جريدة الحياة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: