مؤتمر باريس واستحقاق جنيف

securitycouncilتواجه المعارضة السورية خلال أسبوع استحقاقا مهما في خضم الصراع مع نظام الأسد. مؤتمر جنيف الذي يعقد بعض السوريين والعديد من الدول الصديقة عليه الآمال، تقاربه المعارضة بحذر شديد، وبمشاعر يختلط فيها الإحباط من ضعف موقف الدول الداعمة للثورة والخوف من المفاجآت غير المحسوبة التي يمكن أن تطرأ في الأيام والأسابيع القادمة. من وجهة نظر المتحمسين، يحمل مؤتمر جنيف بين طياته إمكانية تشكل هيئة حكم انتقالي، تمتلك صلاحيات تنفيذية كاملة، لبدء عملية الانتقال والدخول مرحلة جديدة من تاريخ سورية الحديث. لكن الصوت الداعم لجنيف لا زال خافتا داخل أروقة المعارضة، نظرا لوجود مخاوف كبيرة لدى الناشطين السياسيين والإعلاميين  من المفاوضات نتيجة انعدام الثقة في المجتمع الدولي، وبدرجة أقل في قدرة المعارضة المنقسمة على الدخول في مفاوضات صعبة ومعقدة. ثقة الشارع السوري في أصدقاء سورية قريبة من العدم بعد مرور ثلاث سنوات من الجعجعة المستمرة التي لم تنتج إلا القليل. فبعد العشرات من المؤتمرات والبيانات والتصريحات والتهديدات لا زال نظام الأسد يهدر الدم السوري دون حساب، أو حتى خوف من حساب.

اللقاءات التي عقدها وفد الائتلاف الوطني السوري قبل يومين مع الدول الداعمة وروسيا لم تضف ما يكفي لتغيير الانطباع العام في أن المعارضة السورية تواجه بمفردها نظاما مشاكسا ومخادعا وشرسا، مدعومادعما غير محدود. فالسوريون على اختلاف مشاربهم يدركون بأن الدعم الأمريكي والغربي ضعيف جدا، ودون حاجات الشعب السوري وطموحاته بكثير. ولا زال دعم الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين دون المستوى المطلوب، ويكاد يقتصر على المواقف المعلنة، والبيانات الصحفية كبيان لندن وبيان باريس الصادرين عن مجموعة الدعم الأساسية، واللذين صدرا عقب انتهاء الاجتماعين الأخيرين اللذين عقدا في العاصمتين الأوربيتين على التوالي. فالبيانين يدعمان المعارضة السورية دعما كاملا ودون أي تحفظ والدول الداعمة جميعا تؤكد بأن لا مكان للأسد في سورية المستقبل.

الائتلاف الوطني طالب خلال الأشهر الثلاثة الماضية بخطوات عملية محددة تمثلت في فك الحصار عن المدن والقرى المحاصرة والافراج عن المعتقلين السياسيين بدء بالنساء والأطفال. ثمة تقدم محدود باتجاه تحقيق المطلب الأول بدءا بالسماح لدخول شاحنات تحمل الغذاء والدواء إلى المعضمية، وتأكيدات سمعناها خلال لقاء باريس من وزيري خارجية الولايات المتحدة وروسيا حول لتحضير لدخول كميات أكبر من المساعدات الإنسانية وإمكانية إخراج معتقلين من خلال عمليات تبادل “أسرى”.

 ليس هناك أي تقدم على مستوى تقديم السلاح إلى قوات المعارضة، ولا زالت الولايات المتحدة تعترض على وصول الأسلحة عبر الحدود التركية إلى المقاتلين بحجة مخاوف من وصولها إلى القوى المرتبطة بالقاعدة. الدول الداعمة لم تخف مخاوفها من تزايد قدرات القوى المرتبطة بالقاعدة، وتلمح إلى سعي الكتائب المسلحة التابعة لجيش الإسلام من الاستيلاء على مخازن تابعة لقوات منضوية تحت الجيش الحر.

الحوار مع وزير الخارجية الروسي أظهر أن الموقف الروسي لم يتحرك قيد أنملة، ولا زال التزام روسيا بالنظام كبير وواضح. فقد أعاد الوزير رواية النظام عن الثورة، بل أنكر وجود ثورة من الأساس. ولم يبد أي اهتمام بتخفيف المعاناة الإنسانية في المناطق المحاصرة. وعندما طلبت منه أن يمارس ضغطا على النظام للإفراج عن معتقلين سياسيين ولتسهيل دخول المساعدات الغذائية والطبية إلى المناطق المحاصرة كمبادرة لإظهار موقف روسي أكثر حيادية، رفض الفكرة من الأساس وأصر على أن القضايا الإنسانية يمكن أن تبحث فقط بعد الوصول إلى تسوية سياسية مع النظام.

التقدم الإيجابي الملموس في أحد مطالب المعارضة الرئيسية تمثل في رسالة الدعوة لمؤتمر جنيف والتي حددت الغاية من المؤتمر في تشكيل هيئة حكم انتقالي بكامل الصلاحيات التنفيذية وحددت بيان جنيف إطارا مرجعيا للمفاوضات. هذا الموقف الدولي يمثل استجابة لمطالب الائتلاف، ويدعم موقف المعارضة المطالب بالانتقال السلطة، ويفرض واقعا سياسيا جديدا مناسبا لبدء العملية الانتقالية بعيدا عن هيمنة رئاسة الجمهورية ومراكز القوى المحيطة بها.

جملة المعطيات المتوفرة عشية اجتماع جنيف تظهر صعوبة القرار وعمق انقسام الشارع السوري حول المشاركة بين راغب بالمشاركة ورافض لها. الأصوات الرافضة للمشاركة في جنيف تبرر موقفها بالإشارة إلى نقاط ثلاثة: عدم وجود ضمانات دولية، تخاذل المعسكر الغربي في دعمه للثورة، وتعنت النظام وإصراره على الحل العسكري. النقاط الثلاثة صحيحة ولكنها لا تكفي في تقديري للوصول إلى قرار رافض لجنيف، لأنها تُغفل نقطة أخرى مهمة ترتبط باستراتيجية النظام وحلفائه القائمة على تمويه الإرادة الحقيقية في تحقيق نصر عسكري بادعاء رغبة معلنة في انخراط بالعملية السياسية وتأكيد مشاركة النظام غير المشروطة في جنيف.

عدم وجود ضمانات دولية، وضعف موقف الدول الغربية الداعمة، يعقدان بالتأكيد مهمة المعارضة في تعاطيها مع نظام مخادع ومرواغ. ولكن مراوغة النظام وغياب دعم عسكري للمعارضة يجب أن يكون سببا للذهاب إلى جنيف والمشاركة في المفاوضات بدلا من الهروب منها. لأن المطلوب إحراج النظام  وحصاره وإظهار تضليله للرأي العام المحلي والدولي بادعائه أن راغب في حل سياسي، وبالتالي الاستمرار في تضييق الخناق الاقتصادي والسياسي حوله. أما غياب الضمانات الدولية فناجم بالدرجة الأولى عن الدعم الروسي المطلق للنظام وإصرار روسيا على حمايته في مجلس الأمن والمسارعة إلى نقض أي قرار أممي مناوئ. وهذا يعني أن سعي المعارضة لمحاصرة النظام يتطلب المضي حتى النهاية لأظهار غياب الجدية في حديثه عن حل سياسي. تخلف المعارضة عن حضور جنيف سيحسن موقف النظام الدولي ويحرج الدول الإقليمية الداعمة للثورة لأن غياب المعارضة عن جنيف وحضور النظام سيعطي حلفاء النظام ذريعة للمطالبة برفع الحصار الاقتصادي والدبلوماسي بحجة أن المعارضة هي من ترفض الخيار السياسي وتسعى إلى الحسم العسكري.

الخطر الأساسي في تقديري لمشاركة المعارضة في جنيف، ولعله السبب المضمر لرفض بعض المعارضين لمؤتمر جنيف المعلن، ينبع من الخوف من تشرذم فريق المعارضة وتشتته في مواجه فريق النظام المتماسك. وتجنب هذا الخطر يتطلب اختيار فريق من السياسيين والخبراء والاستشاريين يمتلك الكفاءة والمصداقية، ويحظى بدعم شريحة واسعة من قوى الثورة والمعارضة السورية، ويعمل وفق استراتيجية واضحة تحافظ على مطالب الثورة في الانتقال الديمقراطي وتوظف بيان جنيف لتحقيق ذلك.

جنيف معركة سياسية ودبلوماسية وهي معركة الائتلاف بامتياز، وربح هذه المعركة لا يقل أهمية عن الانتصارات التي تحققها الكتائب المقاتلة على الأرض، وهي بالتأكيد معركة ضرورية للحفاظ على قدرة الشعب الثائر على متابعة تلقي للدعم الخارجي الحيوي. وهذا يؤكد أهمية تلاحم الجناح السياسي والعسكري للثورة، والحصول على دعم قوى الثورة المدنية والعسكرية، وطمأنة الشارع السوري إلى أن قيادة الائتلاف ملتزمة بالمصلحة الوطنية ولن تألو جهدا لتحقيقها والحفاظ عليها. هذه التطمينات تأتي في المقام الأول من التزام الهيئة العامة للائتلاف بتوفير الغذاء والدواء للأماكن المحاصرة، وتأمين ممرات آمنة لأعمال الأغاثة. كما تأتي من المطالبة بالإفراج عن النساء والأطفال المحتجزين في سجون النظام، دون تهم ومحاكمات وفي ظروف إنسانية مخزية، خلافا لكل الاعراف والقوانين الدولية. الأيام القادمة يجب أن تشهد تصعيد كبير لهذه المطالب الإنسانية العادلة.

نعم جنيف معركة سياسية صعبة، ولكنها معركة لا يمكن للائتلاف تجاهلها، ولا يقبل منه الهروب منها دون توظفيها لمصلحة الثورة وتحقيق المصلحة الوطنية للشعب السوري. وكما أن التردد والهروب من مواجهة هذا الخيار لا يخدم الثورة وأهدافها، فإن الهرولة إلى جنيف والدخول في حوار مع ممثلي النظام بينما يستمر النظام في حرمان الشعب السوري من أبسط الاحتياجات الإنسانية من غذاء ودواء أمر غير مقبول وعبئ ثقيل على ضمير السوريين، وخزي للقوى الدولية الصامتة والمترددة في وجه جرائم ضد الإنسانية صادمة.

ظهرت هذه المقالة في المنشورات والصحف التالية:

كلنا شركاء

ميدل إيست أونلاين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: