الإرث المشرقي التعددي وتحدي الإقصاء الطائفي

طائفيةتواجه منطقة المشرق العربي خطراً كبيراً مع بروز مشاريع دينية إقصائية تسعى إلى إقامة دول طائفية مع تراجع الدولة الوطنية التي قامت على أساس مبدأ المواطنة وتساوي أبناء الوطن في الحقوق السياسية والواجبات الوطنية. المستعمر الفرنسي الذي تولى الوصاية على الأراضي السورية واللبنانية بتفويض من عصبة الأمم المتحدة عام 1920 سعى إلى الحفاظ على التضامنات الطائفية داخل الدولة رغبة منه بالمحافظة على دور سياسي للأقليات الدينية، وذلك باقتراح محاصصة طائفية داخل الدولة بين الطوائف الدينية الرئيسية في المنطقة.

القيادات السياسية اللبنانية التي قادت الاستقلال اعتمدت مبدأ تقاسم السلطات الثلاثة بين الطوائف الكبيرة وفق ميثاق غير مكتوب عرف بالميثاق الوطني. لكن المحاصصة السياسية الطائفية لم تكن تسعى لإقامة دولة طائفية، بل دولة وطنية تشترك من خلالها الطوائف في حكم البلاد. الهبات الطائفية التي شهدتها لبنان منذ استقلالها نجمت في المقام الأول عن عمليات تهويش طائفي استخدمت لتحقيق أغراض سياسية ضيقة.

وعلى الرغم من ظهور دعوات داخل الطيف الاجتماعي والسياسي السوري لإقامة دولة طائفية، وسعي دولة الوصاية الفرنسية إلى الدفع إلى محاصصة طائفية داخل الدولة، فإن الأغلبية السورية رفضت الخيار الطائفي عندما أزالت بنود المحاصصة الطائفية من دستور 1950 وفتحت الباب لكل طوائف الشعب السوري للمشاركة في الحياة العامة وبناء الدولة السورية في مرحلة ما بعد الاستعمار والتأكيد على مبدأ المساواة السياسية.

لكن نظام الأسد الذي جاء إلى السلطة وهو يجمل شعارات العروبة والوحدة والحرية أعاد انتاج الطائفية المقنعة من خلال حصر المواقع السيادية والأمنية داخل الدولة ضمن الطائفة العلوية، وتوظيف هيمنة شخصيات علوية على مفاصل الدولة لتكريس مصالح ضيقة على مدى أربعين عاما ونيفا، وتمكين عائلة الأسد وحلفائها من السيطرة الكاملة على الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد. هذا الخيار الطائفي المقنع تحول إلى خيار مفتوح مع اندلاع ثورة الحرية والكرامة عندما رفض نظام الأسد خيار التصالح مع المعارضة الوطنية وآثر فتح البلاد  لتحالف شيعي إقليمي تدعمه إيران.

البعد الطائفي للدولة الإيرانية لم يظهر بوضوح إلا مع قيام الثورة السورية، رغم أن إرهاصاته الأولى ظهرت عندما عمدت قيادات الثورة الإسلامية إلى مذهبة الدولة، بجعل المذهب الشيعي الإثني عشري مذهبا رسميا دستوريا لإيران. دوائر المرشد الأعلى للنظام الإيراني، عارضت بقوة الثورة السورية، ونعتتها بالعمالة على الرغم من أنها قامت للخلاص من طغيان نظام بز نظام الشاه في وحشيته واستبداده، تحت ذريعة حماية المقاومة. وقوف إيران إلى جانب نظام الاستبداد جاء في تناقض صارخ مع كل أطروحات النظام الإيراني حتى تلك اللحظة، والذي أصر لعقود على أنه يسعى في سياساته الخارجية إلى حماية المستضعفين. القيادة الإيرانية أظهرت بجلاء خلال السنتين الماضيتين أن التزامها ببشار الأسد ونظامه كامل وغير مشروط، وأنها مستعدة للتغاضي عن كل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النظام، بل وتوريط حزب الله حليفها الأساسي في المنطقة، دفاعا عنه.

وحشية نظام الاسد في التعاطي مع الأغلبية السنية دون تمييز بين رجال ونساء واطفال، أو مقاتلين ومدنيين، والتدمير الممنهج للقرى والأحياء وفر فرصة ذهبية للقوى الطائفية المتمثلة بجماعات سلفية إقصائية، والتي تنامت خلال العقود الماضية تحت تأثير الإستبداد السياسي من جهة، ونتيجة السياسات الأمريكية الداعمة لدولة إسرائيل التي تتبنى سياسات دينية إقصائية من جهة أخرى. فسارعت هذه الجماعات إلى توظيف الحرب الطائفية التي يشنها النظام وحلفاؤه للدخول في أتون الصراع الدموي بحجة دعم الشعب السوري ضد طغيان الأسد والقوى الشيعية المتحالفة معه من إيران إلى العراق إلى لبنان. لكن التطورات خلال الأشهر الماضية أظهرت أن القوى السلفية الإقصائية تحمل بدورها مشروعا طائفيا لا يقل عنه عنوة وشراسة وتسلطا، وأن شهيتها للقتل والتمثيل والتعذيب لا تقل وحشية عن شهية النظام والجماعات المسلحة الداعمة له.

النظام الذي تعامل مع بعض القوى المتطرفة في العراق، وبشكل خاص دولة العراق الإسلامية، وجد فيها حليفا، رغم التناقض العقدي الواضح، في جهده لإعطاء المصداقية لروايته التي بدأها منذ مطلع الثورة السورية، وقبل أشهر طويلة من تحولها إلى صراع مسلح وظهور الجماعات الجهادية المسلحة، عندما أعلن على لسان مستشارة رئيس النظام بثينة شعبان بأن النظام يواجه مؤامرة كونية  وحربا طائفية وجماعات إرهابية، حدد بشار الأسد عدد أفرادها في خطاب رسمي ألقاه في الشهر الثالث من الثورة “بأربعا وستين ألف إرهابي”.

اليوم تواجه البلاد تأجيجا غير مسبوق للخطاب الطائفي لدى كل الطوائف، وحتى داخل بعض الجماعات المحسوبة على الأغلبية التي احتضنت التنوع الشامي لما يقارب الخمسة عشر قرنا. أعمال القتل الممنهج التي قامت بها مليشيات النظام مدعومة بالجماعات الطائفية اللبنانية والعراقية، والمجازر التي ذهب ضحيتها آلافا من المدنيين في قرى وأحياء سنية، من مجزرة الحولة  قبل سنتين إلى مجزرة النبك قبل أسبوعين، ولدت شعورا بالغضب والحقد لدى شرائح واسعة ضمن الأغلبية السنية.

الحرية التي حلم بها السوريون لم تعد مسألة التأسيس لنظام يقوم على أساس المواطنة والحريات المدنية والمشاركة السياسية، بل تتطلب اليوم مواجهة الفكر الطائفي الذي تتزايد حدته في بلاد الشام والمشرق العربي، والذي يعصف بالمنطقة وبتراثها الفريد القائم على احترام التعدد الديني والمذهبي.

السوريون بحاجة الآن إلى مراجعة عميقة لما آلت إليه أحوالهم، والتمسك من جديد بقيم الإنسان صاحب الرسالة الإنسانية التي حملتها الرسالات السماوية إلى مهد الديانات والحضارات، وحملتها ثقافة المشرق إلى العالم، والتي بدأت تضمحل مؤخرا في المكان التي ولدت فيه. المسؤولية الكبرى تقع على القيادات السياسية والشعبية والدينية لمواجهة الخطاب الديني والأصرار على مواجهة الإجرام.

المطلوب اليوم تعزيز الجهود للخروج من أسر الفكر والخطاب الطائفي الإقصائي، والالتزام بالقيم الإنسانية التي تشكل جوهر الرسالات السماوية التي يؤمن بها أبناء المشرق العربي. وهذا لن يتم من خلال محاربة الدين والتعبير الديني كما فعلت القيادة السياسية اليسارية في فترة ما بعد الاستقلال، والتي ولدت بسياساتها ظاهرة التطرف الديني في العالم العربي.

الخروج من التطرف الديني والخطاب الطائفي الإقصائي يتطلب العودة إلى السماحة الدينية التي ولدت تاريخيا داخل ثقافة المشرق العربي وذ    لك بتحويل الطاقة الدينية الإيمانية إلى طاقة تسعى لبناء مجتمعات تعددية تحترم التعدد الديني والفكري، كما فعلت عبر التاريخ، ولكنها تؤكد على القيم الإنسانية التي حملتها رسالة السماء في توجيه الحياة العامة، قيم العدل والمساواة والمساءلة واحترام التنوع العقدي والديني وإبقائه خراج الصراعات السياسية.

الحفاظ على الإرث التعددي وتعزيزه أصبح اليوم أكثر من أي وقت مضى شرطا أساسيا لتحقيق الأمن والاستقرار في المشرق العربي. وهذ مسؤولية شعوب المنطقة جميعاً، خاصة المثقفين والسياسيين ورجال الفكر والدين. فهل يستجيب هؤلاء لمسؤولياتهم الوطنية والإنسانية والتاريخية ويضاعفوا جهودهم لتجاوز الأزمة وتغيير طبيعة الحراك السياسي في المنطقة؟

نشرت هذه المقالة في المنشورات التالية:

كلنا شركاء في الوطن

ميدل إيست أونلاين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: