الوثوقية عقبة في طريق العمل السياسي

اعقل_مغلقلمواقف التي تتخذها قوى سياسية وعسكرية مهمة تجاه الحلول السياسية تعكس هيمنة الرؤية الوثوقية على أساليب تفكيرها وعملها، على الرغم من اختلاف انتماءاتها العقدية والأديولوجية. فالرؤية الوثوقية ناجمة عن نظرة متعالية للتاريخ، وهي موجودة في صفوف الثورة بالصيغة الدينية (انتصار الحق أو انتصار المستضعفين) أو بصيغة المادية العلمية عند اليسار (انتصار الكادحين).

الحركات الوثوقية تمتلك زخما نفسيا هائلا نتيجة إيمانها بحق متعال على حدود التاريخ، وبسمو ذاتي ملازم للتفاني في الحق. فإيمان الفرد بدور تاريخي مميز، وبحياة سامية في عالم آخر أو خلود تاريخي بتحقيق غاية الحياة الإنسانية، يعطيه دفعا نفسيا قويا ويمكنه من الثبات في وجه أعتى الأنظمة والقوى في جهده لتحقيق حق أبلج وحتمية تاريخية.  لكن هذه الحركات الوثوقية المعاصرة، خاصة في تجلياتها التشددية، تحول القوة النفسية التي تمتلكها إلى سلاح مدمر لذاتها ومحيطها بإصرارها على وجود حالة تماهي بين إرادتها وإرادة الحق.

الوثوقية تلغي كليا البعد السياسي في مواجهة الخصوم، والحركات الوثوقية تعتبره جهدا زائدا وعملا زائفا وابتعادا عن التماهي مع الحق، وهي لذلك تحمل بذور الفشل في نفس اليقين الذي يمنحها القدرة على التفاني في تحقيق أهدافها.  فالعمل السياسي الذي تسعى الوثوقية إلى إلغائه واستبداله بالصراع المباشر بين حق وباطل أساسي في حركة التطور الإنساني. وتاريخ البشرية ملئ بالأمثلة على أن غياب السياسي في حركة الشعوب يقود إلى الفشل، وعلى أن السياسة قادرة على تحقيق الانتصار للأضعف الذي لا يمتلك الشرعية على القوى الذي يملك الشرعية ولكنه لا يجيد العمل السياسي. لعل من الأمثلة الشهيرة في تاريخ العرب والمسلمين انتصار الأمويين  على أشياع علي والخوارج الذين بايعوه ثم انقلبوا عليه بسبب موقف وثوقي تجلى في شعارهم “لا حكم إلا لله”،  والذي عكس بوضوح إصرارهم على تماهي أحكامهم البشرية النسبية والحكم الإلهي المطلق.

العمل السياسي أساسي لتحقيق مشاريع التغيير لا يمكن لإنسان تجاهله حتى ولو كان رسولا مؤيدا بالوحي المنزل. وتاريخ الرسالات حافل بإدراك الرسل، من نوح إلى شعيب إلى موسى إلى خاتم الرسل، أهمية العمل السياسي. الرسول الخاتم لم يتخذ موقفا وثوقيا، كما يفعل بعض المتدينين اليوم، بل مارس السياسية، التي هي فن الممكن، في نضاله ضد قريش. الأمثلة كثيرة ومستغرقة لسيرته، وهي التي تعطي رسالته صفة التدرج. منها الاستجارة بمشركين لدخول مكة في العام العاشر للرسالة.

يروي ابن هشام أن الرسول الأمين أدرك عند عودته من الطائف، بعد أن خذلته ثقيف ودفعته ثانية إلى مكة، أنه لا يستطيع دخولها دون حماية. فاستجار عليه الصلاة والسلام بالمطعم بن عدي أحد زعماء قريش الظاهر المهابين، والمطعم لم يزل آنذاك على الوثنية، طالبا حمايته لدخول مكة، فدخلها محاطا بالمطعم وأبنائه وأقام بها تحت جواره.

الرسول المؤيد بالوحي طلب العون من مشركين. طلبها من عمه أبو طالب حتى وافته المنية ثم طلبها من المطعم بن عدي بعد وفاة عمه. ولكن بعض المتفيهقين اليوم يصرون على أن الله ناصرهم دون حاجة إلى سياسة أو طلب عون أو نصرة على عدو قوي متجبر يستعين بالأصدقاء والأعداء للحفاظ على سلطته.

الإيمان والوثوق والثقة عناصر إيجابية في أي صراع بين حق وباطل، ولكنها تتحول بالتأكيد إلى عجرفة واستعلاء وتكبر إذا فقدت التواضع الضروري لفهم حدود الممكن والمتاح والعمل في إطاره.. وهذا لعمري جوهر العمل السياسي.

ظهرت هذه المقالة في المنشورات التالية:

كلنا شركاء في الوطن

ميدل إيست أونلاين

الشبكة العربية العالمية

Advertisements

الأوسمة: ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: