مطبات جنيف والخيارات الصعبة

جنيف 2الإرادة الدولية تبحث عن حل سياسي ينهي الصراع العسكري ويعيد الهدوء إلى سورية. لكن الشعب السوري لا يبحث عن هدوء بل يبحث عن حرية وعن نظام سياسي يحترم الحقوق ويسمح بمشاركة المواطن في الحياة العامة ومساءلة القيادات السياسية. وهنا مكمن المخاطر التي يستشعرها السوريون الذين ضحوا بكل غال ورخيص للحصول على حريتهم والمخاوف التي تعتورهم من السقوط في اتفاقية تبقي النظام وتكافئ المجرمين.

الحل السياسي له عنوان اسمه جنيف، وله مضمون اسمه بيان جنيف. لكن بيان جنيف معقد ومتعدد الأبعاد، ومفتوح على تفسيرات مختلفة. ولقاء جنيف الهادف إلى بدء مفاوضات بين نظام الأسد والمعارضة السورية مبادرة ترعاها أمريكا وروسيا وتحظى بدعم دولي،

الموقف المبدئي، والمنطقي، الذي يتخذه كل من يعرف حقيقة النظام وإصراره على الحل العسكري ومكره وخداعه هو رفض التعاطي مع جنيف 2. بيد أن رفض جنيف يبدو للوهلة الأولى أنه رفض للحل السياسي، واستهتار بالظروف الصعبة التي يعيشها السوريون، وتكريس لحالة الدمار التي تعيشها البلاد. ورفض جنيف 2 يعطي النظام  الفرصة للهروب إلى الأمام وتحقيق مكاسب دبلوماسية ثم توظيفها سياسيا وعسكريا لمحاصرة الثورة ووأدها.

هذا يعني أن على المعارضة السياسية والعسكرية تطوير استراتيجية للتعاطي مع جنيف تساعد في الحد الأعلى على الوصول إلى أهداف الثورة في الحرية والمساءلة والديمقراطية، وتسعى في حدها الأدنى إلى تعرية حقيقة النظام  الغاشم وتضعه في مكانه الصحيح في ميزان العدوان واستخدام القوة والاستهتار بالحقوق.

خلفية جنيف                                                                  

مبادرة جنيف الثانية والتي أعلنت من في مؤتمر صحفي عقدة وزيري خارجية أمريكا وروسيا في مدينة جنيف قي 7 أيار 2013 أكدت عزم الدولتين على تنفيذ خطة السلام السورية والتي تم الإعلان عنها من قبل مجموعة العمل من أجل سورية في حنيف في 30 حزيران 2012. وتتألف مجموعة العمل من الشخصيات الآتية: الأمين العام للأمم المتحدة ووزراء خارجية روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وتركيا والعراق(رئيس مؤتمر قمة جامعة الدول العربية) وقطر (رئيسة لجنة جامعة الدول العربية لمتابعة الوضع في سورية ) والكويت (رئيسة مجلس وزراء الخارجية التابع لجامعة الدول العربية) وممثلة الاتحاد الأوروبي السامية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية.

من الناحية النظرية ومن حيث المبدأ يمكن لمبادرة جنيف 2 أن تساهم في تحقيق أهداف الثورة السورية في التحول الديمقراطي وإنهاء حكم الأسد، نظرا لأنها تسعى إلى تحقيق مبادئ إعلان جنيف لعام 2012.  هذه المبادئ تقوم على أساس خطة النقاط الستة التي أعلنها كوفي عنان في مبادرته المعروفة والتي لاقت دعما أمميا من خلال قراري مجلس الأمن رقم 2042 و 2043.

وتضيف اتفاقية حنيف إلى خطة النقاط الست تصورا مستقبليا لسورية يقوم على أساس الدولة الديمقراطية التعددية التي تعتمد على التنافس ضمن انتخابات نزيهة وحرة، وتحفظ حقوق الإنسان وحق مساءلة الحكام من خلال دولة القانون وقضاء مستقل .

ويضيف بيان جنيف أيضا فكرة “هيئة حكم انتقالية” تمارس كامل السلطات التنفيذية ويشارك فيها أعضاء من الحكومة والمعارضة تعمل على اعداد دستور جديد ومنظومة قانونية تعرض على الاستفتاء العام، وتحضر لانتخابات حرة ونزيهة، تمثل فيها المرأة “تمثل فيها المرأة تمثيلا كاملا في جميع جوانب العملية الانتقالية”.

ويؤكد بيان جنيف على مسألة تحقيق الأمر والأستقرار من خلال نزع السلاح من المجموعات المسلحة ودمجها في الجيش النظامي، وتعجيل الإفراج عن المحتجزين والحفاظ على مؤسسات الدولة بما فيها قوات الجيش ودوائر الأمن والمؤسسات الحكومية. كما يؤكد على اجراءات المساءلة القانونية للجرائم المرتكبة والمصالحة الوطنية.

تقييم الموقف الإقليمي والدولي

تطوير استراتيجية للتعاطي مع جنيف ومفاوضات نقل السلطة في سورية يجب أن يستحضر السياق الجيوسياسي والمصالح الإقليمية والدولية المتشابكة التي تسعى إلى التأثير في منحى المفاوضات وشكل النظام السياسي المستقبلي في سورية. وهذا يستدعي تسليط الضوء على مصالح ومواقف القوى الأساسية الفاعلة بدء من النظام ومرورا بالقوى الدولية والإقليمية وانتهاء بالقوى الداعمة.

موقف نظام الأسد من جنيف يقوم على أساس إعلان الرغبة في حل سياسي على مستوى الخطاب والمضي في الحل العسكري على مستوى الفعل. خطاب الفريق السياسي المحيط ببشار الأسد، يظهر الرغبة في الحل السياسي ويتهم المعارضة بالسعي لتدمير سورية. لكن بشار الأسد لم يتمكن، رغم محاولات فاشلة، من إخفاء التزامه بالحل العسكري. وقد أظهر في مقابلته مع جريدة الرأي قبل ثلاثة أيام أنه غير معني بالحل السياسي وأن مشاركته إن تمت فتهدف إلى تحييد القوى المناؤئة في الصراع السوري العسكري. هذا الموقف يتبناه حليفي النظام الرئيسيين، روسيا وإيران. ازدواجية تعاطي النظام وحلفائه يضع المعارضة في وضع صعب لأن عليها أن تأخذ بعين الاعتبار خطاب النظام السياسي المضلل في الوقت الذي تعمل لمنع النظام من كسب الوقت والدعم الخارجي والداخلي، والحيلولة دون توفير الفرصة له لرفع اللضغوط الدولية عليه والتهرب من استحقاق نقل السلطة.

من ناحية أخرى تواجه المعارضة صعوبة في الحصول على الدعم السياسي والعسكري الكافي لتحقيق نصر واضح على نظام يخالف في سلوكه كل المعايير الدولية المقبولة. فالدول الغربية مترددة في تقديم الدعم الكافي بسبب مخاوف تتعلق بأمن إسرائيل وظهور التيارات الإسلامية المعادية للمصالح الغربية في المنطقة. وعلى الرغم من وقوف دول شقيقة وداعمة خلف الثورة عموما والائتلاف خصوصا، وفي مقدمتها تركيا والسعودية وقطر ، إلا أن هذه الدول مرتبطة بتحالفات استراتيجية مع الغرب تمنعها من التحرك خارج دائرة القرار الدولي.

الدول الصديقة الداعمة أعلنت في أكثر من مرة دعمها الكامل للثورة وأهدافها. ولكن الدول الداعمة غير قادرة على اتخاذ مواقف بعيدة عن الموقف الأمريكي، نظرا لوجود تحالفات عسكرية واستراتيجية بينها وبين الولايات المتحدة، وتأثير أي موقف منفرد على هذه العلاقة التي من الواضح أن أي منها ليست مستعدة للتضحية بها من أجل انتصار الثورة. لذلك نجد أن الدول الداعمة تساهم بشكل أساسي في العمل الدبلوماسي لإقناع إدارة أوباما بتغيير موقفها من الثورة من جهة، وتقديم المعونات العينية كلما سمحت الإرادة الدولية بذلك.

هذا يعني أن على المعارضة التحرك بحذر مستحضرة غياب التطابق بين المصالح الوطنية من جهة والمصالح الاقليمية والدولية من جهة أخرى.

نقاط القوة والضعف للمفاوضين

بالإضافة للموقف الدولي تتحكم في مخرجات التفاوض عوامل القوة والضعف الذي يميز قدرات وأداء المعارضة والنظام. النظام يتسفيد من تقاطع المصالح الجيوسياسية في المنطقة والتي تصب في صالحه، كما يستفيد من الاختلال الكبير في موازين القوة الذي يميل لصالحة بصورة كبيرة. تعويل النظام الكبير على قدراته العسكرية والأمنية وإصراره على الحل العسكري تحول مع مرور الوقت إلى عامل ضعف وطرد مركزي لأنه أدى إلى تمزيق الجهاز الأمني والعسكري. لكن النظام يستفيد من تمزق المعارضة وفقدانها للخبرة السياسية اللازمة لتوظيف نقاط الضعف عند النظام في معركتها السياسية ضده.

ضعف المعارضة الأساسي يتمثل بحالة التمزق والتنازع بين أطرافها على المستويين السياسي والعسكري. الانقسام السياسي الكبير بين المعارضة السياسية “الداخلية” المتمثلة بهيئة التنسيق والقوى السياسية المتعاطية معها، والتي يتحدد سقف مطالبها بتحقيق مشاركة سياسية أوسع مع النظام وتوسيع دائرة الحريات السياسية. في حين تطالب قوى المعارضة وفي مقدمتها الائتلاف بتنحية الأسد والفريق الأمني المحيط به وانجاز تحول ديمقراطي كامل في البلاد.

النظام يستفيد أيضا من دعم الأقليات الطائفية والدينية والقومية التي اختارت ابقاء الولاء للنظام خوفا من تهميشها في نظام سياسي لا تتفهم أبعاده ولا تثق في قدرته على حمايتها، أو خوفا من بطش النظام الذي يعمل وفق مبدأ من ليس معي فهو ضدي. وتزايدت المخاوف بعد دخو ل جماعات دينية تدعو إلى إقامة دولة دينية وفرض الشريعة الإسلامية بالقوة على المجتمع، وتقاد من قبل قيادات غير سورية أو سورية مجهولة الهوية.

النظام يستفيد أيضا من تماسك قوات النخبة في الجيش النظامي والدعم المالي والعسكري المستمر الذي يتلقاه النظام من حليفيه الرئيسيين، إيران وروسيا. النظام سيكون قادرا على الاستمرار لوقت طويل طالما استمر هذا الدعم وبقي توازن القوى على حاله. كسر إمكانية الاستمرار تتطلب تغيير جذري في هاذين العاملين.

هذا يعني أن على المعارضة أن تعمل على زيادة مستوى التنسيق الداخلي والتنظيم وخلق جبهة داخلية متماسكة. توحيد الصفوف ورفغ مستوى التنيسيق بين القوى السياسية والثورة سيدفغ القوى الداعمة إلى إعادة النظر، في ضوء التآكل المستمر في قوى النظام العسكرية والمالية، بمواقفها من الثورة وطريقة التعاطي معها، كما سيؤدي إلى تغير كبير موازين القوى الداخلية.

ثغرات ومزالق

يتضمن بيان جنيف الذي أصدرته مجموعة العمل من أجل سورية على جملة من الثغرات التي يمكن أن يستفيد منها النظام لتعطيل المفاوضات وخلط الأوراق لإحراج المعارضة. فيما يلي أهم هذه الثغرات:

أولا، التزام المجتمع الدولي بإنهاء المعاناة: تؤكد النقطة الثالثة من مقدمة البيان التزام أعضاء مجموعة العمل بوضع حد للعنف في سورية. الأشهر الماضية أظهرت ضعف هذا الالتزام واستعداد المحتمع الدولي للتعايش مع مستوى عالي من القتل والدمار. وبالتالي المطلوب من الائتلاف تحديد خطوات معينة لتعاطي مع الاستخدام المفرط للعنف وإعطاء ضمانات محددة لذلك.

ثانيا، بنود بيان جنيف لا يلزم النظام بوقف العنف ولا يحدد إحراءات رادعة في حال استمراره في عمليات القتل. وعلى الرغم من أن قراري 2042 و 2043 الصادرين عن هيئة الأمم المتحدة يطالبان النظام بوقف عمليات القتل والاعتقال التعسفي فإن هذين القرارين غير ملزمان.

ثالثا، البيان يدعو إلى البدء بالعملية الانتقالية ويطالب الأطراف بتحديد جدول زمني لها، ولكنه يترك المبادرة كاملة بين الفريقين المفاوضين دون تقديم أي ضمانات لتنفيذها.

رابعا، هناك سكوت كامل بخصوص وضع رئاسة الجمهورية ومصير الاسد، وهذه الثغرة ولدت تفسيران لاتفاق جنيف، التفسير الروسي الذي يبقي الأسد في موقعه الرئاسي بالتوازي مع الحكومة الانتقالية، والتفسير الأمريكي الذي يخرجه من موقع الرئاسة. في غياب وجود تفسير واحد فإن العملية التفاوضية غير ممكنة لأن الأسد لن يتنازل تلقائيا عن موقعه كما هو واضح من خطاباته وتصريحاته.

خامسا، البيان يعطي الحكومة الانتقالية “كامل السلطات التنفيذية” دون إشارة إلى السلطة العسكرية والأمنية المرتبطة في النظام السوري بمنصب الرئاسة. رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وفق الدستور السوري، بالتالي المطلوب توضيح هذه النقطة من قبل الراعي الدولي للمفاوضات.

سادسا، ينص البيان على إعادة “النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية. لكنه لا يحدد آليات عملية المراجعة والحهة المعنية بذلك. لذا يلزم إضافة مهمة انتخاب هيئة تأسيسية تتولى مسؤولية كتابة الدستور الجديد للبلاد.

سابعا، يشير البيان إلى “أطراف” تمثل الجميع وتشارك في العملية التفاوضية. من الضروري الاصرار على وجود طرفين أساسيين لا غير يمثل أحدهما الحكومة ويمثل الآخر الائتلاف، المحاور الوحيد من طرف المعارضة. النظام وحليفته روسيا تطالب بمشاركة أطراف بعينها، وهذا سيمنح النظام فرصة للعب على حبلين.

معالم المقاربة المطلوبة

على الرغم من الصعوبات الجمة والتعقيدات البالغة التي تحيق بقرار جنيف فإن المعارضة لا تعدم الخيارات، ويمكنها أن تحول جنيف إلى معركة سياسية رابحة تعطيها تقدما كبير يدعم مكاسبها الثورية والعسكرية. وبطبيعة الحال فإن الخيارات لا زالت غير واضحة تماما ولكن مقاربة النجاح في مواجهة جنيف تتكون من العناصر الخمسة الآتية:

أولا، دعوة القيادات السياسية والعسكرية للقوى الأساسية الفاعلة للمعارضة السورية إلى لقاء تشاوري لتبادل الرأي والوصول إلى تصور مشترك.

ثانيا، الإصرار على أن يلتزم النظام والقيادة الروسية بصراحة ومن خلال إعلان على أعلى المستويات بأن المفاوضات تهدف إلى إنشاء هيئة حكم انتقالية بكاملة الصلاحيات، بما فيها الصلاحيات الأمينة، لنقل السلطة والإعداد لانتخابات عامة تحت رعاية دولية لانتخاب مجلس تأسيسي لوضع دستور للبلاد وحكومة انتقالية.

ثالثا، الحصول على ضمان أممي، قبل بدء أي مفاوضات، يحظر على النظام استخدام الطيران الحربي والأسلحة الثقيلة لاستهداف المراكز السكانية.

رابعا، الإصرار على وصول مجلس الأمن إلى اتفاق على تنحي بشار الأسد والقيادات الأمنية المحيطة به بوصفه خطوة تتخذ بالتوازي مع تشكيل هيئة حكم انتقالي. والإصرار كذلك على أن هذا ليس شرطا إضافيا، بل فعلا ينبثق مباشرة من تأسيس هيئة حكومية بكامل الصلاحيات تنهي صلاحيات رئيس الجمهورية.

خامسا، تحديد جدول زمني للمفاوضات وفق نقاط مفصلية، لمنع تحول المفاوضات إلى ذريعة لتدمير المدن والقرى السوري

سادسا، رفض أي محاولة لاحضار مفاوضين من خارج جبهة المعارضة الواسعة الممثلة بالائتلاف الوطني السوري، لأن هذا يعني أن ممثلي النظام المتضامنين داخليا سيوجون جبهة ممزقة من المعارضة، وهذا سيعطي فريق النظام القدرة على ضرب أطراف المعارضة بعضها ببعض.

هل تستطيع المعارضة تبني المقاربة السابقة والتمسك فيها. هناك بالتأكيد شكوك نتيجة ضعف المعارضة التنظيمي، والشرخ الذي حدث مؤخرا بين الائتلاف الوطني وقوى الثورة داخل البلاد. أضعف إلى ذلك غياب الأعداد المطلوب للتعاطي مع جنيف.

غياب الثقة والمخاوف المتعلقة بالإعداد شكلت، دون شك، الأساس الذي بنت عليه الأمانة العامة للمجلس الوطني السوري موقفها في رفض المشاركة في جنيف. وهذه المخاوف الارتدادية، حتى ولو فهمت أسبابها، تنعكس سلبيا على العمل السياسي للمعارضة، وتعطي النظام فرصة ذهبية في التهرب من مسؤولياته الدولية.

ظهرت هذه المقالة في  المنشورات التالية:

جريدة الحياة

الشبكة العربية العالمية

كلنا شركاء في الوطن

الكلمة أون لاين

Advertisements

الأوسمة: ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: