المثقف العربي بين الإرث المستقبلي والنقاء الثوري

مثقفمثقف عربي من دولة على الحدود السورية، التقيته في ندوة عن الربيع العربي جمعت باحثين عرب وغربيين، سألني بلهجة المشفق: “ماذا تفعلون بالبلاد؟” ثم اردف قائلا “ألا تخشى على إرثك (legacy)– وقالها بالإنكليزية– من أن تلوثه التطورات الجارية في سورية؟ ماذا ستقول عنكم الأجيال القادمة؟”  أجبته موضحا أني فخور بموقفي من الثورة، الذي لم يحركني إليه رغبة في “إرث” اتركه خلفي بل واجب اخلاقي ووطني استجيب لمقتضياته.. تابعت قائلا إن أردت أن تعرف حقيقة موقفي فعليك بمقالة كتبتها مؤخرا يمكنك قراءتها في… ولكنه قاطعني متعجلا، “الله يخليك ..أنا لا أريد أن أقرأ شيئا”.. ثم مضى عائدا إلى قاعة المحاضرات قبل أن يسمع تتمة قولي.

المثقف العربي هذا ليس حالة فريدة بل حالة متكررة أواجهها بين حين وآخر. والموقف الذي ينطلق منه ليس معاديا بالضرورة للثورات العربية.  بل هو متعاطف مع أهدافها، ولكنه في الآن ذاته قلق من التطورات العملية على الأرض. والحق يقال إن التطورات التي تحيط بالثورات العربية على العموم، والثورة السورية على الخصوص، مثيرة للقلق، وهي تثير بالفعل قلق الكثير من الفاعلين في هذه الثورات، نظرا للانقسامات الداخلية وتنازع القوى الثورية وغير الثورية في البلاد من جهة، والمحاولات الخارجية لتوظيف الصراع المتأجج لكسب مواقف أكثر تقدما ضمن الاصطفافات الجيوسياسية التي تحيق بالمنطقة العربية.

لكن الثورات العربية، بمآلاتها وبالأشكال التي تجسدت من خلالها، لم تنجم عن قرار صنعه فريق محدد بعيدا عن الشارع العربي المتأجج. الثورة السورية بالتحديد هي انتفاضة قادها الشباب السوري الذي عانى طويلا من قهر سياسي وثقافي واقتصادي. أنا شخصيا شعرت بفداحة التحدي عقب انطلاق التظاهرات في المدن السورية. وأدركت كما أدرك الكثيرون ممن يعلم طبيعة هذا النظام بأن أياما صعبة بانتظار الشعب السوري. ولكنني مع ذلك لم أتردد لحظة في اتخاذ الموقف الذي اتخذت والوقوف دفاعا عن حق الشعب السوري في أن يحيى حياة حرة كريمة.

المثقف الخائف على “إرثي” ليس وحيدا في تفكيره المتعالي عن الواقع المتخبط للمجتمعات العربية، بل يمثل شريحة واسعة من المثقفين العرب. هو يمثل طبقة من المثقفين والفنانين الذين يملؤن الفضاء الثقافي بالحديث عن الحرية والكرامة والوحدة والمساواة ومواجهة الامبريالية والصهيونية والحقوق المغتصبة لكنهم يبحثون عن الثورات النقية النظيفة التي قرؤوا عنها في الكتب المدرسية أو شاهدوها في التمثيليات والمسرحيات. هذه الثورات المعقمة غير موجودة إلا في خيالات المؤرخين الذين حولوا الصراع السياسي والعسكري إلى قصص أمجاد وبطولات خالية من صور الدم والمعاناة والتشريد والعذابات والمآسي والآلام.

الثورات، كل الثورات، تحمل معها وفي طياتها حالة من الفوضى العارمة والتخبط القاتل والتنافس المستعر لذلك فإن الثورة حدث نادر في حياة الشعوب والأمم لا يبرر حدوثه إلا تحول الحياة اليومية إلا حالة متردية من الفساد والتسلط والظلم. الثورة السورية كما أعايشها قدر لا يمكن لمن يدعو إلى الحرية والعدل والمشاركة السياسية أن يدفعه أو يتهرب منه إلا بالتخلي عن قيمه وذاته وهويته. الثورة حالة هيجان عارم يتدافع في أتونها الأضداد. يتدافع فيها الصالح والطالح والصادق والكاذب والمخلص والخائن والشجاع والجبان والأمل واليأس والحب والحقد، ومن غير الممكن العمل لدعم الصالح دون التعاطي مع الطالح.

النقاء والطهر الوطني والديني والأخلاقي لا يتحقق، على العكس مما يعتقد أصدقاؤنا المثقفون الذي يعيشون في بروجهم العاجية البراقة، بالابتعاد عن الغبار والأوحال، بل بالدخول في المعمعة والإكتواء بأتونها والاستعداد للتلوث بدخانها بغية تنظيف المكان مما اعتوره وتطهير الفضاء من هبابه. فالنقاء الحقيقي لا يتحقق بالحرص على نظافة اليد والقدم والثوب ، بل بالسعي لتنظيف البيت والحي والوطن ولو أدى ذلك إلى تعرض طالب النقاء والنظافة الآني إلى القازورات، والهباب المهبب كما يقول أحبابنا في مصر.

أما التركيز على الإرث السياسي أو العلمي والفكري أو الإنساني كفعل واع فهو بصراحة مطلب صعب ملئ بالمطبات والسقطات. الإرث أثر ينم عن فعل، والأولى بنا جميعا أن نركز على الفعل لا الأثر، وأن نتحرك انطلاقا من صوت الواجب والعمل مخافة التقصير وخشية اتخاذ القرارت التي تتناقض مع مبادئ الحق والعدل، لا من خلال قدرة الآخرين على فهم أعمالنا وتقدير قراراتنا أو الوقوف منها موقف المصفق والمؤيد.

ما ستقول عنا الأجيال القادمة سؤال لا نملك جوابه، وبالتالي فإنه سؤال ثانوي وليس سؤالا أساسيا. موقف الأجيال القادمة أمر لا يمكن عمليا التعاطي معه إلا من خلال الإجابة عن سؤال أشد أهمية وأكثرعمقا. السؤال الأساسي الذي يمكننا التعاطي معه يتعلق بواجب الانتصار لكرامة الإنسان والدفاع عن المصالح والحقوق العامة. السؤال الحقيقي هو سؤال الدوافع والأسباب، والذي يمكن صياغته على النحو الآتي: هل نقوم بما نقوم استجابة لخيلاء الذات ومصالحها الضيقة أم إجابة لنداء الواجب وانتصارا للقيم التي نؤمن بها ونسعى إلى تحقيقها.

كان بودي يا صديقي أن تسألني كيف ستنظر الأجيال القادمة إلى “الإرث” الذي خلفته العصابة المارقة خلال نصف قرن من الفساد والاستبداد. لكنك لم تفعل لأن الثقافة التي حركتك ثقافة تشكلت في زمن الوعي الزائف المترجم مثل كلمة “الإرث” الشخصي التي لم تجد لها رديفا عربيا. هذا الوعي الذي ألزمك أن تقيّم الواقع من خلال الشعار والادعاء لا من خلال السبب والفعل. أما أنا فإن الذي يربطني بهذه الثورة هي رغبتها الأكيدة وسعيها الحثيث لإعادة الخيار والقرار إلى تربته المحلية وجذوره القيمية والأخلاقية الضاربة في أعماق التاريخ حيث تشكل وعينا الجمعي كأمة تسعى إلى صناعة التاريخ ولا تكتفي بمشاهدته عبر الفضائيات العربية المتكاثرة.

ظهرت هذه المقالة في المنشورات الآتية:

الشبكة العربية العالمية

كلنا شركاء في الوطن

ميدل ايست اونلاين

المشرق

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: