الحنكة السياسية مطلوبة في الصراع السوري المفتوح

ambitionتواجه المعارضة السورية اختبارا كبيرا في أول مبادرة سياسية تقدمها لإنهاء الصراع العسكري ونقل السلطة، والتي أطلقها رئيس الائتلاف معاذ الخطيب في تصريحه أول أمس عن استعداد مشروط للجلوس مع ممثلين عن النظام السوري. أثارت المبادرة بصيغتها المطلقة لغطا كبيرا بين صفوف المعارضة، تم حسم الأمر بعد إصدار الهيئة السياسية للائتلاف بيان أوضحت فيه أن أي مفاوضات مع ممثلي النظام يجب أن تهدف إلى نقل السلطة إلى حكومة تقودها المعارضة وأن تؤدي إلى تنحي الأسد ومساعديه الأمنيين.

ولكن الجدل الذي أعقب إطلاق المبادرة والذي لا زال رجع صداه يحرك ماء المعارضة السياسية الراكد منذ إعلان الائتلاف يتطلب شئ من المصارحة. فتوجيه أصابع الاتهام إلى نوايا الخطيب والحديث عن سذاجة سياسية ودعوته إلى الاعتذار لطرح مبادرة تقبل التفاوض يحتاج إلى وقفة تأمل ومكاشفة حول حدود النقد والقدر المسموح به للقيادة السياسية للمعارضة بالتحرك داخل دائرة التوافق، أو حتى الوقوف على أطرافها.

العمل السياسي يحتاج إلى حنكة، والحنكة في سياق الصراع المفتوح مع خصم يجيد المكر والخداع تتطلب إظهار تناقض هذا الخصم وفضح مكره. وهذا لا يتم دائما بتأكيد الحقوق والتنديد بالآخر. القيادة السياسية تحتاج إلى العمل بذكاء لتقديم حلول للمشكلات ناجعة، أو لإخلال توازن الخصم وإفشال مكره، والعمل لتغيير وجهة الحراك السياسي عندما تصل الأمور إلى طريق مسدود، وهذا يتطلب مبادرات سياسية.

القيادات السياسية السورية مطالبة بالقيام بمبادرات تؤدي إلى تجاوز التحديات والاستفادة من الفرص المتاحة، مثلما أنها مطالبة بفضح كذب الخصوم أمام الرأي العام الذي تغيب عنه تفاصيل الصراع، وإلى إحراج “الأصدقاء” الذي يؤكدون الدعم قولا ويمنعونه فعلا. القيادة السياسية يجب أن تقود ولا تكتفي بالتحسر والتنديد والتظلم. القيادة السياسية مطالبة بإيجاد الطرق لمتابعة الدعم حتى ولو اضطرها الأمر أن تلجا هي إلى الحنكة والتدبير لإحراج الخصوم. وعندما يشتد مكر الخصوم فلا مفر من مكر يحيق بمكرهم. هذا المكر في الصراع يرتبط حتى في الإرادة العلوية الربانية، “ويمكرون ويمكر الله”، وبالأنبياء كما فعل يوسف عليه السلام مع إخوته مكروا به ليضيعوه فمكر بهم لجمع شملهم.

الصراع السياسي سجال ويتطلب شيئا من الدهاء والمرونه من قبل من يديره، كما يجتاج قبل هذا وذاك إلى مبادرات. مباردة رئيس الائتلاف معاذ الخطيب تعاني من خلل من حيث الشروط ومن نقص في آليات التطبيق، وأشك في أنه استشار أهل الدراية في العمل السياسي. الواضح أنه لم يستشر حين طرحها شركاءه في الثورة، وهذا خطأ كبير، والسبب الأساسي لتعرض المبادرة لهجوم عنيف. لكنه حاول تدارك الأمر بالدعوة إلى لقاء تشاوري مع الهيئة السياسية داخل الائتلاف. الأمر المؤكد والذي أوضحته تصريحاته اللاحقة أن تصريح معاذ الخطيب لم يخرج عن دائرة التفاهمات حول حدود التحرك السياسي، وهو لا زال مصرا على رحيل الأسد كمحصل لأي جهد تفاوضي.

وأعيد التأكيد على أن القيادة تحتاج إلى هامش من الحركة الذي لا يمكن بدونه من القيام بعمل سياسي. العمل السياسي ضروري لأي ثورة لتأمين نجاحها ولا يمكن للثورة أن تنجح من خلال العمليات العسكرية فحسب. تعريض القيادة السياسية للنقد في كل خطوة تتحركها حتى قبل معرفة تفاصيل مبادرتها سيؤدي إلى مصادرة العمل السياسي في وقت نحن بأشد الحاجة إليه مع سعي الروس إلى وبعض “أصدقاء” سورية إلى تجفيف أقنية الدعم العسكري.

أخيرا أرجو أن لا نقسوا بالنقد على حلفائنا السياسيين، وأن لا ننزلق إلى شيطنة الذين يشتركون معنا في مبادئنا وأهدافنا السياسية ويختلفون معنا في آليات الوصول إليها. شيطنة المخالف بالرأي مشكلة تاريخية في الثقافة السياسية السورية منذ قدوم البعث وقيام نظام الحزب الواحد ويجب الخلاص منها لقيام حياة سياسية في سورية. لن يكون هناك حياة سياسية في سورية طالما استمرينا في تجذير الخلافات السياسية وشيطنة أصحاب الاجتهادات السياسية المغايرة.

ظهرت هذه المقالة في  المنشورات التالية:

كلنا شركاء في الوطن

ميدل إيست أونلاين

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: