الحرية والمواطنة والإسلام السياسي: التحولات السياسية الكبرى وقضايا النهوض الحضاري

freedomcitizenshipالمقدمة

 بعد عقود من حكم العسكر والاستبداد السياسي والأمني، تحركت الشعوب العربية لتعلن ولادة الإنسان العربي الحر الذي يرفض الفساد والظلم والطغيان ويسعى لإقامة نظام سياسي عادل يتمتع أفراده بالحقوق المدنية والسياسية، ويتحمل فيه الجميع المسؤولية السياسية عما يجري تحت سقف الوطن. انتفضت الشعوب العربية بدءاً بالشعب التونسي البطل ومروراً بالشعب المصري والليبي والعراقي والبحريني ووصولاً إلى الشعبين اليمني والسوري. هي إذن انتفاضة شعوب تتمتع بوعي تاريخي وثقافي متقارب في ثورة عارمة إذاناً ببدء مرحلة جديدة من تاريخ الشعوب العربية، مرحلة المواطنة التي تتحول الشعوب فيها من رعايا تنتظر عطف السلطان وكرمه لتحقيق أحلامها إلى مواطنين يتمتعون بحقوق سياسية ومدنية متساوية ويشاركون في صنع القرار وصنع المستقبل.

 التحول من حكم السلاطين الحاكمين بأمرهم إلى حكم الشعب القائم على مؤسسات دستورية ووطنية وأهلية لا زال في بداياته. والمنطقة العربية مقبلة على مرحلة صعبة حرجة تتطلب الكثير من العمل والكثير من الصبر. وهي مرحلة محفوفة بالعقبات والمطبات والمخاطر والتحديات، وتتطلب لذلك الكثير من الوعي والإصرار والانضباط الأخلاقي والسياسي. فالمجتمعات  العربية التواقة للتحرر من وطأة الاستبداد عاشت حقبة طويلة من الزمن بعيداً عن حكم القانون وأدب الاختلاف والتشاور والممارسة الديمقراطية، وهي لذلك تحتاج إلى الانخلاع من ثقافة سياسية حكمتها طويلاً في سعيها نحو حياة حرة كريمة. إن نجاح الثورات العربية في تحقيق أهدافها المعلنة بإنشاء دولة القانون والحريات يتوقف على التزامها الأخلاقي بالمبادئ التي تكّون الأرضية الصلبة لقيام نظام شوري ديمقراطي.

 أبرزت الانتفاضات العارمة التي تمخض عنها الربيع العربي الرصيد الشعبي الكبير التي تتمتع به الحركات الإسلامية. فقد برزت حركة النهضة الإسلامية كقوة سياسية رئيسية على الساحة السياسية التونسية عقب سقوط النظام الدكتاتوري، كما برزت جماعة الإخوان المسلمين والحركة السلفية في مصر كقوتين سياسيتين تمتلكان دعماً جماهيرياً واسعاً. الحال في سوريا واليمن لا يختلف كثيراً، حيث تؤدي الحركات الشعبية ذات العمق الإسلامي مهمة رئيسية في الحراك الثوري الشبابي الذي يقود الحراك الديمقراطي هناك. في حين يلاحظ أن القوى السياسية الليبرالية واليسارية لا زالت تعاني من غياب القاعدة الشعبية الواسعة وتعتمد في نضالها على جهود أحزاب نخبوية. هذا التحول الكبير باتجاه الحركات الإسلامية يؤرق الكثيرين في البلاد العربية وفي المجتمعات الغربية، وتتعالى الأصوات المحذرة من بروز دكتاتورية دينية قد تسعى إلى فرض رؤية دينية ضيقة على المجتمعات السياسية العربية، كتلك التي تميز الحياة السياسية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. هناك أيضاً مخاوف من نشوء صراعات طائفية دينية خاصة وأن الربيع العربي قد أبرز الاصطفافات الطائفية في المشرق العربي، كما أظهرت مخاوف الأقليات الدينية في البلدان العربية.

 التيارات الإسلامية المتنامية في المنطقة العربية والإسلامية، والتي تمثل بمجملها ظاهرة الإسلام السياسي، لا تعكس رؤية أحادية لعلاقة الإسلام بالواقع العملي للمجتمعات، بل تعكس قراءات عديدة. هذا التعدد في قراءة علاقة الإسلام بالحياة الاجتماعية المعاصرة ناجم عن تجربة تاريخية تمتد أكثر من نصف قرن أدت إلى تباين واضح في الأفكار والطروحات السياسية. فبعض التيارات الإسلامية تصر على إحياء القوالب الاجتماعية والسياسية التاريخية، مثل مؤسسة الخلافة، كنهج أساسي لربط قيم الإسلام بواقع المسلمين. في حين تدعو تيارات أخرى إلى تطوير مؤسسات حديثة لتحقيق الغرض نفسه والاستفادة من التجارب الإنسانية لتطوير مجتمع سياسي تتمايز فيه دائرة الحياة المشتركة بين مكونات المجتمع الدينية والإثنية والفكرية عن دائرة الحياة الخاصة التي يمكن أن تخضع لتفسير ديني أو فكري يتناسب مع الخيارات الدينية والعقدية للأفراد. هذا التباين بين المواقف السياسية التي تفرز الإسلام السياسي إلى قوى سياسية منفتحة كتلك التي يمثلها حزب العدالة والتنمية التركي، وقوى سياسية متشددة كتلك التي تمثلها حركة طالبان أو القاعدة ومن قارب نهجهم في المجتمعات العربية والإسلامية.

 وبغض النظر عن أشكال وإشكاليات التيارات الإسلامية اليوم فإن دور الإسلام في صناعة مستقبل الحياة السياسية القادمة لا يمكن تجاهله أو تجاوزه. فالإسلام مهم في التحولات السياسية والثقافية الجذرية (أو النهضة الحضارية) التي تمر بها المنطقة العربية كما كان حال الأديان مهمّاً في أي تحول مماثل في تاريخ المجتمعات الإنسانية، بما في ذلك المجتمعات الغربية التي لم تحقق نهضتها الحضارية إلا من خلال حركة إصلاح ديني أعادت قراءة الرسالة المسيحية قراءة حررت المجتمعات الأوربية من الأغلال الثقافية التي فرضتها قراءات سابقة لعلاقة الدين بالدولة. القراءة التحررية للنصوص الدينية تسعى دائماً إلى إعادة الحيوية للإنسان الذي هو محور الرسالات السماوية وغايتها. القراءة التحررية تدعو إلى تحرير إرادة الإنسان من الخضوع للتراكمات الثقافية التي ولدت مجتمع الخضوع والاستلاب وإعادة العلاقة بين الإنسان وخالقه.

 بيد أن الإسلام لم يأخذ تاريخياً شكلاً دينياً إيمانياً فحسب بل أخذ أيضاً شكلاً حضارياً إنسانياً، استبطن القاعدة الدينية الأخلاقية ولكنه طور أشكالاً اجتماعية وسياسية وثقافية تجاوزت الاهتمام بشؤون المنتمين إلى دائرة الدين الإسلامي. فالنظام السياسي القائم على الاستقلالية الإدارية والثقافية للمكونات الدينية- القومية التي ميزت المجتمعات التي حكمها الإسلام تاريخياً، والذي تحول إلى النظام الملّي في الدولة العثمانية، تجل واضح لتجليات الإسلام العديدة على المستوى المدني والحضاري، والذي قدم نموذجاً فريداً للتعايش بين الثقافات الدينية والعرقية المتغايرة في إطار مجتمع سياسي واحد، وهو نموذج لاشك ألقى ظلالاً واضحة على قضايا التعايش الديني في المجتمع الحداثي. هذا الترابط بين الديني والمدني في التاريخ والوعي الإسلاميين لا زال يشكل مسألة عصية على الحل من داخل المنظومة الحداثية، كما يشكل الأرضية الثقافية التي تتولد عنها ظاهرة الإسلام السياسي الذي يقود اليوم التحولات الكبرى في الدول العربية والإسلامية.

 وكما سيتضح خلال النقاش التالي في فصول الكتاب فإن بروز الحركة الإسلامية التي تحولت إلى ظاهرة الإسلام السياسي ناجم عن التناقض العميق بين الوعي الديني في المجتمعات الإسلامية التاريخية وذلك الوعي الذي هيمن على المجتمعات الأوربية وأثر على وعي المجتمعات الإسلامية عبر مرحلة التمدد الاستعماري الأوربي في القرنين الماضيين. هذا التناقض أدى عبر جهود النخب الحداثية إلى تقليص الوعي الديني إلى الدائرة الشخصية ومحاربة تجليات الإسلام في الحياة العامة، وولد بالتالي تحول الإسلام في وعي شريحة واسعة من المسلمين إلى قضية هوية تتطلب التأكيد اليومي في الخطابين الديني والمدني على السواء. وهو أيضاً مصدر الإصرار على تطوير نماذج سياسية مرتبطة بالخبرة التراثية للمجتمعات المسلمة، والذي يأخذ اليوم شكل الإسلام السياسي. لذلك فإننا سننبري في هذا الكتاب إلى البحث في محددات الوعي الإسلامي السياسي ومآله عبر الصراع القائم حالياً لإعادة تأكيد الذات وتوليد المنظومة الأخلاقية المتلائمة مع الوعي الديني للمجتمعات الإسلامية.

 لذلك نسعى في هذه الدراسة إلى تحديد التصورات والقيم الأساسية في الخطاب الإسلامي المرتبط بالحياة السياسية الديمقراطية وتحديد الإطار المعياري الذي يشكل القاعدة التي تقوم عليها مفاهيم الحرية والمواطنة، كما نسعى إلى ربط هذه المفاهيم والقيم بأطر المجتمع الحديث وعلاقاته السياسية والاجتماعية والدينية. ونسعى كذلك إلى رسم معالم العلاقة الحركية بين الديني والسياسي بما يسمح للانطلاق من القيم الأخلاقية والدوافع الروحية والدينية لتأسيس مجتمع يضمن الحرية والكرامة والعدل لكافة أبنائه، دون النظر إلى خصوصياتهم الدينية والعقدية القومية.، ونحاول في مقاربتنا للإطار المعياري والتجربة التاريخية للرسالة الإسلامية أن نحدد أثر الرسالة الإيمانية في قيام كيان إنساني يحقق كرامة الإنسان بوصف إنسانا ويجسد الغاية التي حددها التنزيل لهذه الرسالة بوصفها رحمة اللعالمين، رحمة موجهة إلى الإنسان مجردا عن خصوصياته الجغرافية والثقافية، ومجردا من تحيزاته العقدية والنفعية.

 نعالج في الصفحات التالية عدداً من الموضوعات الحيوية المرتبطة في قضايا الحرية والمشاركة السياسية والتحول الديمقراطي. فنبدأ تحليلنا في الفصول الثلاثة الأولى بالنظر إلى السياق الاجتماعي والتاريخي للتحولات السياسية الكبرى التي تمر بها المنطقة العربية اليوم، ونبحث في طبيعة الثقافة السياسية التاريخية والتبدلات السياسية ومبرراتها. ثم ننتقل في الفصلين الرابع والخامس للحديث عن الثقافة السياسية وعلاقتها بالبنية الاجتماعية ودور المثقف في عملية الإصلاح والتغيير. الفصول الثلاثة التالية تتعامل مع إشكاليات ثلاثة تواجه المجتمعات العربية، العلمانية أو مسألة فصل الدين عن الدولة، ومشاركة المرأة السياسية، وغياب العمل المؤسسي الجمعي عن الحياة السياسية العربية.

 إهداء

 إلى الأحرار الذين يرفعون شعلة الحق والعدل والحرية ليضيؤا الطريق إلى مستقبل واعد

وإلى المناضلين والمجاهدين لتحقيق مجتمع العزة والكرامة والرحمة

 وإلى كل من استشعر مسؤولية الاختيار فاختار الواجب على المتاع

 أهدي هذا العمل

 لؤي صافي

يمكن الحصول على الكتاب من الشبكة العربية للدراسات والنشر:

http://arabiyanetwork.com/book.php?id=153

أو من خلال موقع الكتب العربية:

http://www.arabicbookshop.net/main/details.asp?id=225-132

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: