حوار المهزوم والمنتصر الذي يسعى إليه الأسد

syrian emerging flagفي حديث أجراه يوم أمس رئيس تحرير جريدة الأخبار البيروتية مع فاروق الشرع، نائب الرئيس السوري، أظهر الأخير موقف رئيسه من مسألة الحوار بين النظام والمعارضة. لم يكف أنصار النظام وأبواقه عن ترديد طوال الأشهر الماضية استعداد النظام للحوار وانفتاحه على الحلول السياسية. حلفاء النظام في إيران وجنوب لبنان ما فتئوا يوجهون أصبع الاتهام إلى المعارضة ويحملونها مسؤولية استمرار القتال في سوريا. موقف الأسد من مسألة الحوار أوضحها الشرع في حديثه الصحفي بكلمات لا تحتمل التأويل ولا تتطلب مزيد بيان مشيرا إلى أن “من أتيحت له فرصة لقاء السيد الرئيس سيسمع منه أن هذا صراع طويل، والمؤامرة كبيرة وأطرافها عديدون (إرهابيون، رعاع، مهربون). وهو لا يخفي رغبته بحسم الأمور عسكرياً حتى تحقيق النصر النهائي، وعندها يصبح الحوار السياسي ممكناً على أرض الواقع.”

 موقف الأسد ونظامه الدموي لم يكن بحاجة إلى جهد كبير لتحديد طبيعته ورسم معالمه، فعمليات كتائب الأسد وشبيحته أصدق إنباء من أي كلام يمكن أن يذكر في هذا المقام. بشار الأسد لم يكن لديه منذ بداية الثورة الشعبية إلا حلا واحدا، الحل الأمني. فالأسد في خطاباته كلها، بما فيها خطابه الأخير قبل أشهر والذي أشار فيه إلى أهمية “الحوار” لحل “الأزمة” السورية، لم يكن يخفي عدم قدرته على التعرف على القوى السياسية التي يفترض أن يدخل معها في حوار. فخصومه جميعا “إرهابيون ورعاع ومهربون” كما صرح في خطابه الأخير، وبالتالي فإنه من غير المعقول أن يطلب منه الدخول في حوار معهم.

 أوضح فاروق الشرع في حواره الصحفي حقيقة موقف الأسد من مسألة الحوار،وأكد على رغبة الأخير في الدخول في حوار مع معارضيه السياسيين. لكن الحوار الذي يسعى إليه الأسد يجب أن يؤجل، كما ينقل عنه الشرع، إلى حين يتمكن من “حسم الأمور عسكريا” و “تحقيق النصر النهائي” على خصومة المرشحين للحوار. الحوار الذي يرغب به الأسد ليس حوارا بين مواطنين يتمتعون بحقوق متساوية في تقرير مصير البلاد وإخراجها من محنتها، بل هو حوار بين غالب ومغلوب، بين المنتصر الذي يملك السلطة والقوة والقدرة على الإملاء من جهة، والمنهزم الضعيف الذي فقد كل معاني الحرية والندية من جهة أخرى. وهو بالتأكيد الحوار الذي يحاكي بكل تفاصيله ذاك الذي يدور بين السجان وأسيره، وبين رجل الأمن والمعتقل السياسي الذي اقتيد من بيته في منتصف الليل إلى مركز التحقيق. “الحوار” الذي يبحث عنه بشار الأسد هو الحوار الذي يسمح له بإملاء الحلول السياسية التي تعزز سلطتة وتكرس هيمنته على خصومه السياسيين.

وعلى الرغم من تشديد الشرع على أهمية الحوار والحل السياسي، والإيحاء بوجود آفاق للحوار، فإن القراءة المتمعنة لتصريحاته تظهر أن الأسد تعامل مع الحوار بوصفه أداة لتضليل الرأي العام لإخفاء موقفه الحقيقي ورغبته في الاستئثار بالسلطة. ففي إشارة واضحة إلى مصير ملف الحوار الذي كلف بمتابعته في تموز من عام 2011 قال الشرع: “أنا هنا لا أنكر أنه قد يكون البعض منا تصرّف وكأنه يعتبر أن لا لزوم لها وأوحوا للقيادة بذلك فتنصلتْ منها بحجة أن المعارضة في الداخل والخارج اعتبرتها إحدى مسرحيات النظام، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى الإجهاز على الحوار السياسي وفتح الباب على مصراعيه لحوار الرصاص والمدافع.”

لقد مارس الأسد كل اشكال المراوغة والتضليل والاحتيال للتهرب من استحقاق الحوار الوطني، واختار الحل العسكري للتعامل مع مطالب الشعب السوري الأبي في الإصلاح والحرية ومحاربة الفساد، سعيا منه لاستبعاد القوى الوطنية الداعية إلى اصلاحات حقيقية لا شكلية.

 واليوم بعد واحد وعشرين شهرا من الصراع السياسي والعسكري فإن قوى المعارضة على قناعة بأن الخطوة الأولى لتحقيق الاصلاح السياسي وإطلاق الحريات المدنية تكمن في تنحي الأسد ورموز نظامه عن الحكم. المعارضة السورية الوطنية بجناحيها السياسي والعسكري تصر اليوم على إبعاد بشار الأسد وقادته الأمنيين باعتبار هذا القرار خطوة ضرورية للدخول في حوار سياسي حقيقي يضع البلاد على طريق الإصلاح والحريات المدنية ومحاربة سوء الإدارة والفساد.

ظهرت هذه المقالة في المنشورات والدوريات التالية:

كلنا شركاء في الوطن

ميدل ايست اونلاين

الشبكة العربية العالمية

مختارات من الثورة السورية

العرب أونلاين (بعنوان “الأسد يختار حوار الرصاص”)

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: