ملاحظات في الفكر والمغامرة والسياسية

ambitionكتب لي صديق لا أعرفه شخصيا، ولكنه واحد من آلاف الأصدقاء الذين تجمعني بهم صفحات التواصل الاجتماعي ، يقول وفي خطابه شئ من الإشفاق على الجهد الذي أبذله للتأكيد على أهمية القيمة الأخلاقية في الحياة السياسية: “احتاجت السياسة يا طويل العمر على الدوام إلى مغامرين وقادرين على قتل الإخوة والرفاق، وليس إلى عقول ناضجة، فانظر إلى التاريخ من الاسكندر المقدوني إلى بشار وصدام وعلي صالح والطرطور معمر …” ثم اردف بمزيج من النصح والتوبيخ “فدع عنك هذا وجنبنا اللجاجة … فهل سمعت بالغزالي وابن سينا وأرسطو وغوتى وهيغل صاروا رؤساء؟”

أستشعر أيها الصديق فداحة الخطب الذي يواجهنا ونواجهه نحن معاشر العرب والمسلمين في أزمنة الاستلاب والثورة والفوضى والطموح والأثرة، وهي أزمنة يتزايد فيها المغامرون الذين يستبيحون كل شئ كي يتقدموا الصفوف ويحتلوا مواقع القوة والسلطة. المغامرون الذين تشير إلى نماذج منهم أواجههم  شخصيا كل يوم في أروقة المعارضة السورية في هذه اللحظات التاريخية التي يراها معظم السوريين لحظات تجديد وصناعة مجد وطني بينما يراها المغامرون لحظات نادرة لصنع مجد شخصي.

بصراحة أنا لا أخشى على الثورة من المغامرين، فهؤلاء يسهل كشفهم وحصارهم في المجتمعات الواعية والفاعلة، ولكني أخشى من حالة اليأس التي يمكن أن تعتري الناس من أولوية المبدأ الأخلاقي في العمل السياسي، كما أخشى من انسحاب أصحاب المبادئ والقيم من العمل السياسي لصالح أصحاب الآفاق السياسية المحدودة والمصالح الضيقة. يكثر المغامرون في المجتمعات التي ينسحب فيها المواطنون من ساحة العمل السياسي ليتحولوا إلى متفرجين يملؤن الدنيا صياحا ونياحا دون أن يكون لهم أي تأثير في المشهد السياسي العام. فكل ما يحتاجه المغامرون لإفساد البلاد والعباد أن يمتنع أصحاب النوايا الحسنة والأخلاق الفاضلة من المشاركة في الحياة السياسية.

أنا متفائل، رغم إدراكي حجم التحدي الذي يتربص بنا عند كل مفرق، بأن المستقبل للشعوب الراغبة بحياة أفضل وبنظام سياسي يحترم الحقوق ويحفظ الحريات. ومن الطبيعي أن لا يحكم الغزالي وابن سينا أو غوتي وهيغل في هذا النظام، فهؤلاء مكانهم الطبيعي في ميادين تطوير المعرفة وتوضيح الطريق ولا يطلب منهم الإمساك بزمام السلطة أو قيادة المشهد السياسي.

لا أبحث عن المدينة الفاضلة التي يلتزم مواطنوها بالفضائل ويختفي من صفوف أبنائها كل من اتصف بالضعف والرذائل، وأدرك أن تلك المدينة التي داعبت خيال الفلاسفة لم تصنع ليقطنها بشر. فصراع الحق والباطل والخير والشر هو ديدن الحياة البشرية. المدينة التي يجب أن نبحث عنها جميعا هي المدينة التي يسودها العدل والفضل وتحترم فيها الحقوق ويتقدم فيها أصحاب العطاء ويختبئ فيها الفساد في الزوايا المظلمة ويتراجع فيها المغامرون إلى صفوف خلفية.

أنا أطمح أن أرى في مواقع السلطة المثقفين والقادة السياسيين الذين تفاعلوا مع المعرفة التي قدمها العلماء والفلاسفة والمفكرون.. قادة ومثقفين يسعون لتحويل القيم العليا إلى مؤسسات وعلاقات وممارسات سياسية ومجتمعية. وغنى عن القول أن مثل هذا الطموح لا يمكن أنجازه باسقاط نظام الاستبداد وانتصار قوى الثورة، بل سيحتاج إلى جهد طويل وعمل دؤوب يمتد إلى سنين وربماعقود. يكفي الثورة أن تضع أرجلنا على طريق الحرية والبناء، وتمنح الأجيال المساحة الكافية للمساهمة والمبادرة والابداع.

ظهرت المقالة في الصحف والمنشورات التالية:

كلنا شركاء في الوطن

الشبكة العربية العالمية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: