اليمين الأميركي … الاستفادة من سقطات المسلمين

الحملة التي قادها اليمين المتطرف ضد بناء مركز إسلامي في منهاتن بالقرب من الأبراج المدمرة، كانت نموذجاً على الدمج بين الإسلام والإرهاب.

 خلاصة من بحث لؤي صافي ‘المنظمات الإسلامية وتناميها في أميركا’، ضمن الكتاب51 (مارس 2011) ‘المسلمون في أمريكا’ الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

 ميدل ايست أونلاين

وجد اليمين الديني المتطرف، الذي يرى في الإسلام خصماً منافساً، فرصته في أجواء الخوف التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، وقرر إعلان حرب لا هوادة فيها على الجاليات الإسلامية ومنظماتهم الوطنية، بل وكل من تحالف معهم ونافح عن حقوقهم. ويتزعم الهجوم الشرس على المسلمين عدد من المنظمات اليهودية والمسيحية المتطرفة، وفي مقدمتهم منظمات المحافظين الجدد الذين لعبوا دوراً أساسياً في تبرير العمل العسكري في العالم الإسلامي تحت عنوان نقل المعركة إلى العدو.

 وفي طليعة المنظمات المعادية للوجود الإسلامي في الولايات المتحدة والغرب عموماً مركز السياسات الأمنية الذي يترأسه فرانك جافني، ومنبر الشرق الأوسط الذي يترأسه دانيل بايب ويساعده فيه مايكل روبن، ومركز الحرية الذي يديره دايفيد هاراوتس، وغيرها الكثير. وتسعى هذه المنظمات إلى التشكيك بولاء المسلمين الأمريكيين وتعتبرهم طابوراً خامساً، كما تعمل على ربط الأعمال الإرهابية التي تقوم بها منظمات إسلامية متطرفة بتعاليم الإسلام، لتعتبره ديناً إرهابياً يجب محاربته ومنع انتشاره ضمن القارة الإمريكية.

 ترى هذه المنظمات في انتشار الإسلام في القارة الأمريكية، واكتساب أتباعه مهارات سياسية وتحالفات اجتماعية ودينية داخل المجتمع الأمريكي، خطراً. لذلك فإنها تبذل جهوداً حثيثة، وتجند إمكانياتها البشرية والمالية لتعميق المخاوف وتوسيع الشرخ بين الجاليات الإسلامية من جهة والجماعات اليهودية والمسيحية من جهة أخرى. ولعل في الحملة التي قادها اليمين المتطرف مؤخراً ضد بناء مركز إسلامي في منهاتن قريبٍ من الأبراج التي دمرها هجوم 11 سبتمبر(أيلول)، نموذجاً على استراتيجية الدمج بين الإسلام والإرهاب. فالخطاب اليميني يشدد على أن بناء المركز عمل عدواني يرمز إلى انتصار الإسلام على الغرب، وبالتالي فهو لا يفرق بين الإسلام عموماً والهجمات التي تقودها منظمات إسلامية متطرفة.

 ويبقى التحدي الكبير الذي يواجه المسلمين الأميركيين هو قدرتهم على التفاعل مع هموم المجتمع الأمريكي؛ والتلاحم مع أبنائه والعمل من داخل مؤسساته للقيام بإصلاحات اجتماعية واقتصادية تساهم في تطوير الحياة بصورة إيجابية، وصولاً إلى تطوير السياسات الخارجية الأمريكية بعيداً عن سياسات الهيمنة، وباتجاه التعاون من أجل تحقيق السلام العادل في جميع المجتماعات الإنسانية، بما فيها المجتمعات المسلمة، بدلاً من السير في السياسات الاستعمارية التي يبررها ويدعو إليها اليمين المتطرف في الولايات المتحدة والدول الغربية.

 إن وجود المسلمين في المجتمع الأمريكي النابض، الذي يقود التطور الثقافي والصناعي والعلمي الحديث، يُعد جديداً، يصعب معه تحديد مستقبل النمو الإسلامي في الغرب وأثره على العلاقات الإسلامية الغربية. ولكن بغض النظر عن طبيعة تطور الجاليات الإسلامية واتجاه حركة التفاعل الإسلامي المسيحي في المجتمع الأمريكي، فإن الولايات المتحدة توفر بيئة مثالية لتفاعل الإسلام وقيمه مع المجتمع الحديث.

 هنا تكمن المسؤولية الكبيرة وربما المعنى التاريخي لتنامي الوجود الإسلامي في الولايات المتحدة والغرب على العموم. وتتمثل رسالة المسلمين الأمريكيين في محورين:

 1- السعي للتوفيق بين ممارسات المجتمع الحداثي ومؤسسات وقيم الإسلام ومعتقداته.

 2- تطوير الثقافة الحداثية لجعلها أكثر انفتاحاً على التنوع الثقافة في جميع أنحاء العالم.

 نعم، أدت مأساة 11 سبتمبر(أيلول) إلى تعقيد حياة المسلمين في الغرب، ولكنها أيضاً وفرت لهم ظروفاً خاصة عندما وضعتهم في دائرة الضوء، ودفعت بهم إلى قلب الحراك التاريخي المعاصر. فلم يعد يملك المسلمون الأميركيون اليوم القدرة على البقاء في عزلتهم الثقافية بعيداً عن المشاركة الاجتماعية والسياسية، وتطوير المهارات الضرورية لمواجهة تحدي المجتمع المحيط.

 لا يخفى عن الكثيرين أن العديد من التقاليد الإسلامية السائدة اليوم ترتبط بمجتمعات تاريخية تفاعلت مع قيم الإسلام ورسالته؛ وحولت تلك القيم إلى عادات اجتماعية وأساليب معيشية تتناسب مع أعرافها وواقعها الاجتماعي. وما زالت الصحوات الإسلامية في العديد من بلدان المسلمين تتمسك بتلك التقاليد على أنها التجلي الأمثل لتعاليم الإسلام دون أن تتمكن، في غياب الحريات المضمونة اجتماعياً وسياسياً، من الدخول في مراجعة عملية واسعة. بيد أن هذه المراجعة عمل أساسي لتطوير الحياة في الدوائر الاجتماعية الإسلامية.

 يأتي تنامي الوجود الإسلامي في أمريكا في مرحلة تراجع في العلاقات بين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي؛ وفي مرحلة تزايد الفوضى السياسية وتنامي الشرخ الأخلاقي القانوني من جهة والفعل السياسي الاقتصادي من جهة أخرى في الكثير من بلاد المسلمين. هذا الواقع يزيد من أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الجاليات العربية والإسلامية في أمريكا وأوروبا. كذلك يلحظ المتابع للوضع الداخلي الأمريكي تزايد الأصوات التي تدعو إلى اتباع سياسات تعسفية وتجميد الحمايات الدستورية لبعض الأقليات وفي مقدمتها الأقليات المسلمة. القانون الصادر عن الكونغرس الأمريكي في أواخر العام 2001، والمسمى بالتشريع الوطني، يمثل نموذجاً لهذا الاتجاه الذي يلقى القبول من اليمين في الولايات المتحدة الأمريكية.

 بالتحديد تحتاج الجاليات العربية والإسلامية ومنظماتها، إلى المضي قدماً ودون تردد وفق المحاور الأربعة التالية:

 • العمل على توضيح مبادئ الإسلام الإنسانية، وربطها بمصالح المواطن الأمريكي واحتياجاته. فلا بد من وضع إمكانيات المسلمين وجهودهم في خدمة الجميع والاهتمام بالقضايا الرئيسية التي تشغل المواطن، مثل قضايا العدالة الاجتماعية والتعليم، وتفكك الأسرة، وانتشار المخدرات وغيرها من القضايا التي تشغل المواطن الأمريكي.

 • إصلاح ممارسات المسلمين والعمل لمواجهة التشويه والفساد ضمن الجاليات الإسلامية. فالصمت على الممارسات التي تشوه تعاليم الإسلام يحول دون تطوير أحوال الجالية، كما يؤدي إلى تشويه صورة الإسلام أمام الرأي العام الأمريكي.

 • العمل لنقل الاهتمام بالقيم الإسلامية من دائرة الممارسات الشخصية والآداب الفردية إلى العمل المؤسسي؛ الذي يحول القيم إلى نشاطات اجتماعية وممارسات مؤسسية.

 • الترويج لمفهوم المجتمع التعددي ثقافياً ودينياً والاعتزاز والاحتفاء به، والتأكيد على احترام التعددية وليس التسامح تجاهها. فعلى الرغم من أن المجتمع الأميركي يفخر بدعمه للحريات المدنية والدينية، فإن التوجيه الثقافي لا يزال يعتمد لغة التسامح تجاه الآخر.

 مع علمنا أن المعارضة للوجود الإسلامي في الغرب، تقوده أقلية من اليمين المتطرف، تسعى جاهدة إلى تشويه الإسلام والاستفادة من كل سقطات المسلمين لإعطاء صورة زائفة عن الإسلام وأتباعه. المعارضة للوجود الإسلامي في أمريكا لم تتمكن حتى الآن من تحقيق أهدافها، بل أدت جهودها إلى تنامي عدد المنظمات الإسلامية في أمريكا التي تعمل ليل نهار لتطوير قدرات الجالية والدفاع عن حقها في التطور والنمو.

Advertisements

الأوسمة: ,

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: