تحقيق الوحدة التعددية للشعب السوري

الشعب السوري واحديواجه السوريون اليوم تحدي تحقيق دولة ديمقراطية تعددية بعد عقود طويلة من العيش في واقع سياسي حارب الحرية الفكرية والدينية والسياسية وسعى لتطوير ثقافة سياسية أحادية: قائد واحد وحزب حاكم واحد وخطاب سياسي احادي. المشكلة أن بعض السوريون يعتقدون أن الحرية تعني حريتهم في تشكيل وطن على مقاسهم ووفق آرائهم وتصوراتهم السياسية والمذهبية والدينية.

سوريا وطن لكل السوريين ولكن هذا لا يعني أن الهوية السورية تلغي كل الهويات الأخرى التي تحتويها. السوريون لهم هويات ثانوية نابعة من انتماءاتهم الدينية والقومية والمذهبية والسياسية. وبالتالي فإن دولة الحرية والديمقراطية والقانون التي نسعى إليها ملزمة بحفظ حقوق السوريين جميعا في تشكيل تنظيمات وتبني تصورات عقدية تعبر عن هوياتهم الثانوية طالما أن الانتماء الديني والقومي والعقدي لا يخل بالميثاق الوطني الذي يجمعهم.

الوثائق التي طورها المجلس الوطني السوري، وكان لي شرف المشاركة في تطويرها مع جملة من الزملاء في مكتب التخطيط والسياسات، تؤكد جملة من القواعد الدستورية التي اتفق عليها اعضاء المجلس، كالحريات المدنية الأساسية مثل حرية الاعتقاد والتعبير والتنظيم. كذلك أكدت الوثائق جملة من المبادئ السياسية مثل التعددية السياسية، والدولة المدنية، والتداول السلمي للسلطة عبر الاقتراع الحر والنزيه، وغيرها من المبادئ. هذه هي المبادئ التي تشكل العهد الوكني الذي يوحد الشعب السوري، والتي تم إقرارها في اجتماع المعارضة في اسطنبول وتم تأكيدها مرة ثانية بعد إدخال تعديلات طفيفة في اجتماع المعارضة السورية في القاهرة.

هذه المبادئ هي ما تجمع السوريين رغم اختلاف مشاربهم وآرائهم واعتقاداتهم ومذاهبهم السياسية والفكرية والدينية. اتحاد الشعب السوري ليس من خلال التماثل بل عبر التعدد ومن خلال الاتفاق على مبادئ الميثاق الوطني. وبالتالي لا يحق لأي عضو في المجلس انتقاد أعضاء آخرين لتأسيسهم منظمات أو جماعات يغلب عليها طيف او مكون من مكونات الشعب السوري، طالما أن ولاء هذه الجماعات والمنظمات لسوريا وميثاقها وطالما أبدت استعدادا للامتثال للقرارات الناجمة عن مؤسسات تمتلك الشرعية الدستورية.

الشعب السوري أظهر وعيا عميقا وهو يصيح بالصوت العالي منذ بداية الثورة السورية العظيمة بأهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية من خلال الحفاظ على التلاحم بين مكوناته السكانية دون تجاهل التنوع السكاني الذي يميز سوريا، والذي استمر لعشرات القرون. فدوت أصوات السوريين في المظاهرات التي انتشرت من شرق البلاد إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها وهي تردد: “واحد واحد واحد..الشعب السوري واحد”، “بدنا وحدة وطنية إسلام ومسيحية”، “لا سنية ولا شيعية لا للفتنة الطائفية”.

الوحدة لا تعني الأندماج في بوتقة واحدة، لأن هذا الاندماج يقضي على الهويات الدينية والقومية للشعب السوري كما حصل أثناء حكم البعث الذي أراد أن يصبغ سورية برؤية قومية وثقافية واحدة. الاندماج مدخل للتسلط والاستبداد: استبداد الفرد أو الحزب أو الطائفة. والتعدد يثري الحياة الاجتماعية والسياسية ويسمح بظهور مساحات للممارسة الحرية الدينية والسياسية والعقدية. ويبدو أننا جميعا متأثرين بدرجات متفاوته بالثقافة السياسية التي شددت على المركزية والاندماج الفكري والثقافي.

الوصول إلى رؤى مشتركة لا يتم من خلال استخدام سلطة الدولة والمجتمع لفرض آراء وتصورات سياسية ودينية وعقدية ولكن من خلال الحوار والتواصل والاحترام المتبادل الذي يؤدي إلى بقاء ما ينفع الناس وزوال الزبد والفقاعات الفكرية التصورية. لذلك كانت الحرية  السياسية شرطا أساسيا الإقامة مجتمع الكرامة والنهوض.

ادعو كل متحمس لرأيه واجتهاده وتفسيره ودينه ومذهبه وعقيدته أن يتذكر أن الحرية لا تتجزأ، وأن من يحرص على حريته يجب أن يحرص على حرية كل مواطن سوري. فالاستبداد واحد سواء كان باسم الدين أو القومية أو الحزبية أو الجهوية. وليكن ديدن كل منا عندما يسمح رأيا مخالفا أن يقول: أنا اخالفك الرأي والتوجه ولكني على استعداد للوقوف معك حتى الموت دفاعا عن حقك في التعبير عن رأيك وتوجهك.

نشرت المقالة في:

ميدل إيست أونلاين

الشبكة العربية الدولية

مختارات من الثورة السورية

كلنا شركاء في الوطن

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: