الحداثة بين الخصوصية العربية والقيم الرسالية*

صورة من الملتقى المعرفي الشبابي حيث قدمت هذه الورقة في عمان في 6-10-2012

الحداثة مفهوم معاصر يستخدم في الادبيات السياسية والاجتماعية للإشارة إلى التطورات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي طرأت على المجتمع الغربي في القرون القليلة الماضية والتي انتقلت إلى مجتمعات سياسية أخرى، ومنها المجتمعات العربية، عبر عملية توسع شملت التمدد الاستعماري والعولمة. وبهذا المعنى فإن الحداثة تعني على وجه الاطلاق الحداثة الغربية.

لكن الحداثة كظاهرة تاريخية تتعلق بحراك اجتماعي وسياسي إنساني، وهي بالتالي ليست مقتصرة بالضرورة على الحداثة في شكلها الغربي. لفظ الحداثة مشتق من مصدر “حدث” وهي لذلك تشير إلى ما يطرأ من أمور،فالحادث هوالطارئ، فهو “حدث” و “أحداث”. ومنها الاشتقاق الأكثر ارتباطا بموضوعنا “الحديث” في مقابل “القديم”. والحداثة تستخدم للإشارة إلى المرحلة المبكرة من العمر، أي سن الحداثة، ويسمى الفرد الذي ينتمي إلى المرحلة العمرية هذه بـ “الحدث” وجمعها “أحداث”. الاستخدام السائد لكلمة حداثة يتعلق بعملية التجديد التي تطرأ على المجتمع. فالحديث جديد ومتحدد. والتجدد والتجديد هو المعنى اللصيق بالإستخدام الدارج لكلمة حداثة. فالمجتمع الحديث هو ذاك الذي يمر في حالة تشكل تحدد معالمة وهويته أو تعيد تشكيل معالمه القديمة وفق صيغة جديدة.

الحداثة الغربية التي تشكلت عقب مرحلة الإصلاح الديني في أوربا وأخذت شكلها المتطور في عصر الأنوار في أوربا الذي بزغ في بداية القرن الثامن عشر مثلت عملية إعادة تشكيل للمجتمع الغربي وفق مجموعة من القيم والمثل والتصورات، في مقدمها قيم الحرية والعدالة والفاعلية والمساواة والقانون الطبيعي والحقوق الطبيعية والمدنية وغيرها من المفاهيم والأفكار التي حررت المجتمع الأوربي من معاني الخنوع والخضوع للقوي والطبقية الاجتماعية والعدمية وربط الحقيقة بالكنيسة وغيرهما من المفاهيم التي لفظها المجتمع الغربي الحديث.

السؤال الذي نطرحه في الصفحات التالية هو علاقة الحداثة بالمجتمع العربي وإمكانية قيام حداثة مرتبطة بهويات المجتمعات العربية ومرجعياتها القيمة والمعيارية، بالتحديد التراث القيمي الحضاري الإسلامي. هل عملية التجديد والتحديث التي تمر فيها المنطقة العربية تؤشر إلى خضوعها إلى متطلبات الحداثة الغربية؟ وهل يمكن للمجتمعات العربية أن تفرز حداثتها الخاصة بها؟ وإذا كان الجواب بنعم – وهو الجواب الذي نقدمه هنا – فما شكل الحداثة العربية؟

الحداثة بوصفها مشروعا تجديديا

عمل مشروع الحداثة الغربي على تطوير المجتمعات الأوربية من خلال الاستفادة من الرصيد الأخلاقي والروحي الذي ولدته حركة الإصلاح الديني من ناحية، وتقديم الصيغة المناسبة للتعايش بين التيارات الدينية المتصارعة بحيث توظف روح التنافس لتطوير الحياة الإنسانية والسياسية الغربية. التحدي الذي يواجه المجتمعات العربية اليوم يكمن في الحاجة إلى تأجيج الروح الأخلاقية ذات الجذور الإسلامية، وتطوير صيغة مناسبة لإعادة الخطاب الأخلاقي العلوي إلى الحياة العامة، مع المحافظة على روح الانفتاح والتعددية السياسية والدينية.

ومن هنا فإن عملية التجديد والتحديث الاجتماعية والسياسي تتطلب استلهام الرسالة الإسلامية تجعل بالتالي من المشروع الحضاري الإسلامي خياراً استراتيجياً للأمة العربية، ومخرجاً حضارياً للشعوب الإنسانية من أجل إعادة الحيوية للمجتمع الحديثالذي بدأ يفقد الترابط بين محدداته القيمية والاخلاقية والأساس العلوي الذي قامت عليه. ومن ثم فإن المهمة الأساسية الملقاة على عاتق الفكر الإسلامي المعاصر هو إعادة ربط الأخلاقي بالعلوي.

ولتوضيح العلاقة بين الحداثة الغربية التي تشكلت في عصر الأنوار وأساسها الاسلامي الذي تشكل بتوجيهات الوحي الإسلام والتجربة المدنية التي قادها الرسول الخاتم صلوات الله وسلامه عليه نحتاج إلى تحديد الخصائص العامة للحداثة ومن ثم نميز الخصوصيات الثقافية للحداثة الغربية.

الخصائص العامة للمجتمع الحديث تتحدد بثلاث:

  • اعتماده على المنهجية العلمية في البحث عن الحقائق
  • اخضاع السلوك العام إلى حكم القانون وإخضاع السلوك السياسي إلى التقييم الأخلاقي
  • اعتماد الديمقراطية التي تتأسس على مفهوم حكم الشعب وسلطته العليا في المجتمع      السياسي على اعتبار أن السلطة السياسية عقد بين القيادة والشعب.

هذ الأنساق الثلاثة التي تميز المجتمعات الحديثة، هي نفسها الأنساق التي أسست لها الرؤية الإسلامية التي تحولت إلى حضارة إنسانية امتدت جغرافيا وتاريخا على نحو لم تعرفه  الحضارات السابقة عليها. هذه الأسبقية التاريخية للرؤية الإسلامية المجتمعات المسلمة في تكريس أسس المجتمع الحداثي دفع بالفيلسوف الإلماني المؤثر جورج هيغل إلى ربط الإنجاز الحضاري الغربي الذي تجلى في عصر الأنوار بما أسماه “ثورة الشرق” التي وضعت أساس الحداثة في تجليها الجرماني أو الأوربي.

لذلك فإننا سنركز في الفقرات الثلاثة التالية على بحث في جذور الخصائص الحداثية كما تجلت في الإطار المرجعي الإسلامي، وهي:

  • اخضاع الفعل السياسي للتقييم الأخلاقي
  • نقل السيادة من الفرد والنخبة الى الشعب – التراجع عن      النموذج المدني
  • تحرير العقل من الرؤية السحرية للكون – ختم النبوة

اخضاع الفعل السياسي للتقييم الأخلاقي

خضع العالم القديم الذي سبق بروز الحضارة الغربية إلى ثنائية الديني والعلماني. وتميزت هذه الثنائية في الفترات التي سبقت بروز الحضارة الإسلامي بالانفصام شبه الكامل بين العالم الديني الروحي والعالم السياسي الزمني. ولعل خير من أبرز هذا الانفصام القس التونسي أوغسطين الذي واكب سقوط روما في القرن السادس الميلادي في كتابه المشهور باسم مدينة الله. إذ يوضح أوغسطين استقلال الديني عن الزمني أوالسياسي، إذ يخضع الأول إلى المبادئ الأخلاقية والروحية بين يستقل الآخر برؤيتة السياسة التي تمجد القوة والهيمنة بطريقة شبيهة لتلك التي قدمها ماكيافيللي في كتابه، الأمير، حيث “الغاية تبرر الوسيلة”. فمدينة الله كما يقول أغسطين في تباين واضح ومستمر عن مدينة الإنسان.

تمت المصالحة بين العالمين الديني والزمني أو الديني والعلماني كما يقول هيغل للمرة الأولى في التجربة الإسلامية، أو ثورة الشرق. يشدد هيغل في كتابه فلسفة التاريخ على أن الاتساق بين العلمانية والروحية وقعت في المجتمع الإسلامي والحضارة قبل وقت طويل من فعلت ذلك في الغرب الحديث، فيقول:

يجب أن نعتبر أن [الاتساق بين العلمانية والروحية] بدأ في التمايز الهائل بين المبادئ الروحية والدينية من جهة وبربرية العالم الفعلي. فالروح باعتبارها الوعي بالوجود الداخلي تأخذ في البداية أشكالا نظرية [مستقلة عن الواقع]. فكل ما هو علماني خاضع في تلك الحال إلى ممارسات قاسية وعنف مزاجي.  المبدأ المحمدي، أو عصر الأنوار للعالم الشرقي، كان أو متصد للبربرية والمزاجية. فنحن نلاحظ أن المبدأ تطور بصورة سريعة رغم مجيئه متأخرا عن ظهر المسيحية، في حين أن الأخيرة احتاجت إلى ثمانية قرون لتتحول إلى أشكال سياسية.[1]

النموذج المدني وسيادة القانون

الانفتاح على الإنسان والتأسيس للمعيارية الأنسانية التي ميزت المجتمع المدني نبعت من الرؤية الإسلامية والخطاب القرآني الذي أكد على تساوي الناس في الكرامة والتفاضل بالعمل: “يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”(الحجرات: 13) والذي شدد على ضرورة البحث عن قواسم مشتركة بين التوجهات العقدية والدينية المختلفة: “قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأننا مسلمون”(آل عمران: 64) وإنسانية الرؤية الإسلامية نابعة من تأكيد الإسلام على حق الإنسان باختيار الشريعة التي يخضع لها والعقيدة التي يؤمن بها، وبالتالي ضرورة تعايش الجماعات العقدية والقيمية المختلفة، والتسابق في تطوير الحياة الإنسانية وتحقيق خيريتها: “..لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة فاستبقوا الخيرات.. “(المائدة: 48)

إنسانية الرؤية الإسلامية تجلت في نموذج مجتمع المدينة الذي أسسه رسول الله على عينيه، والذي حرص على الانفتاح على الآخر وتأسيس مجتمع تعددي متسامح، يوفر لجميع أبنائه مسلمين ويهود ومشركين حقهم في العيش الكريم في ظل نظام عادل يحمي أفراده من الظلم والتسلط وتحكم نخبة أو جماعة. هذه الرؤية المنفتحة التي وضحتها صحيفة المدينة شكلت عبر التاريخ الأساس الذي قامت عليه المجتمعات العربية والإسلامية والتي استحضرت القيم الإنسانية التي كرستها الرسالات السماوية وحققتها المجتمعات الإسلامية التاريخية ضمن فضائها الزمني.

فقد أسست وثيقة المدينة لعدد من المبادئ التعاقدية المهمة، التي شكلت بمجملها الميثاق السياسي للمدينة الذي حدد حقوق وواجبات أعضاء المجتمع السياسي الجديد، مسلمين وغير مسلمين، وصاغ البنية السياسية للنظام الناشئ. وفيما يلي أهم المبادئ التي أثبتتها الوثيقة. فقد تبنت الصحيفة مبدأ التعددية الدينية والعقدية فأعطت لليهود الحق في اتباع أحكام دينهم، مؤكدة حق الجميع، مسلمين وغير مسلمين، في العمل بالمبادئ والأحكام التي آمنوا بها: “وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم”، وأكدت مبدئية التعاون بين المسلمين واليهود في إقامة العدل والدفاع عن المدينة ضد العدوان الخارجي: “وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم. وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم” وحرمت على المسلمين ظلم اليهود أو الانتصار لإخوانهم المسلمين ضد اتباع الديانة اليهودية دون الاحتكام إلى مبادئ الحق والخير: “وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم”.

وأكدت الصحيفة أيضا سيادة القانون الذي يحترم حقوق الأفراد ويخضع فيه الجميع لمنظومة من القيم الكلية والمبادئ المعيارية، التي يتساوى أمامها المواطنين. فالسيادة في المجتمع ليست لإرادة أفراد وجماعات خاصة، ولكن للشريعة والقانون القائمين على أساس القسط والخير، الكفيلين بحفظ كرامة جميع أفراد الجماعة السياسية. والحقيقة البادية للعيان في بنود الصحيفة هي تأكيد الصحيفة المتتابع والمتكرر لمبدئية العدل والقسط والمعروف والخير، وإنكارها، بعبارات شتى، الظلم والعدوان، منها: “وهم يفدون عانيهم بالمعروف ولا قسط بين المؤمنين”، ومنها أيضاً: “وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعاً، وإن كان ولد أحدهم”. لذلك أعلنت الوثيقة عدداً من الحقوق السياسية التي يتمتع بها أفراد المجتمع السياسي الإسلامي، المسلمين منهم وغير المسلمين، مثل حق المظلوم على المجتمع بالنصرة واسترداد مظلمته: “أن النصرة للمظلوم”، والمسؤولية الشخصية للأفراد، وعدم جواز أخذ البريء بذنب المتهم: “لا يأثم امرؤ بحليفه”، وحرية الاعتقاد: “إن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم”؛ وحرية الانتقال من وإلى المدينة دون التعرض لموانع وعقبات: “وإنه من خرج آمنٌ ومن قعد آمنٌ بالمدينة إلا من ظلم أو أثم”.

تحرير العقل من الرؤية السحرية الخارجية واخضاعه لقوانينه الذاتية

أكد القرآن الكريم أن العقل الإنساني مدار التكليف وحد المسؤولية الفردية، ودعى الناس إلى تحكيم عقولهم في التعامل مع الأطروحات الغيبية والماورائية.

  • ختم النبوة
  • رفض الظن في المسائل الغيبية
  • الدعوة إلى التأمل في النظام الطبيعي لفهم الوقائع

وسعى العلماء المسلمون إلى تطوير منظومات منهجية للتعامل مع النصوص والوقائع والغيبيات، فقعدوا قواعد البيان (الاعراب والصرف والتفسير والمعاني) والبرهان (المنطق والأصول) والعرفان (علوم الاخلاق والباطن والتصوف). وتطورت هذه العلوم والمنهجيات جنبا إلى جنب تتداخل وتتحاور وتفترق عبر القرون الخمسة الأولى، ثم ما لبثت أن تراجعت واختزلت في الكتابات الفقهية في القرون المتأخرة في الفضاء الإسلامي.

حاولت الحداثة الغربية التعاطي مع الخرافة الغيبات التي انتشرت في أوربا في العصور الوسطى من خلال تحديد مهام العقل وضوابطه، لكنها في جهدها هذا اختزلت العقلفي الخبرة الحسية.ولم يلبث العقل أحادي البعد الذي تشكل في رحم حركة الأنوار الغربية أن دخل الفضاء العربي، وبرز المنافحين عن حداثة عربية تحاكي الحداثة الغربية للترويج له واستبعاد الخبرة التراثية الثرية للفكر الإسلامي. فنجد مثلا محمد عابد الجابري يؤكد في نقد العقل العربي أن “العلم لا يؤمن بمصدر آخر للعقل وقواعده غير الواقع.”[2] والواقع الذي يعدّه الجابري مصدراً لقواعد العقل ليس الواقع الكلي، بل الواقع المادي المحسوس، كما يوضح لنا: “وإذا نحن شئنا الدقة أكثر – بالاستناد على التصور العلمي المعاصر لحقيقة العقل –  قلنا مع جول ألمو: ليست القواعد التي يعمل بها العقل هي التي تحدده وتعرفه، بل قدرته على استخلاص عدد لانهائي منها هي التي تشكل ماهيته. والعقلانية بهذا الاعتبار، تغدوا ليس الإيمان بمطابقة مبادئ العقل مع قوانين الطبيعة وحسب، بل الاقتناع بكون النشاط العقلي يستطيع بناء منظومات تتسع لتشمل مختلف الظواهر. وبما أن التجربة هي وحدها التي بإمكانها أن تفصل في مسألة المطابقة التي أصبحت تعنى التحقق تجريبياً، فإن العقلانية المعاصرة هي عقلانية تجريبية وليست عقلانية تأملية كما كان الشأن من قبل.”[3]

وهكذا اختفت مبادئ العقل الفطرية ذات الطبيعة الكلية في الفكر الحداثي العربي الذي يصوره الجابري ليتحول العقل إلى مرآة تعكس القواعد التنظيمية السائدة في الواقع الذي يتوجه إليه النظر: “لقد كان الفلاسفة من قبل ينظرون إلى العقل كمحتوى (قوانين العقل عند أرسطو، الأفكار الفطرية عند ديكارت، صورتا الزمان،  والمكان والمقولات عند كانط). أما الآن فلقد أدى تطور العلم وتقدمه إلى قيام نظرية جديدة في العقل قوامها النظر إليه بوصفه أداة أو فاعلية ليس غير. لم يعد العقل في التصور العلمي المعاصر من المبادئ، بل إنه ‘القدرة على القيام بإجراءات حسب مبادئ’، إنه أساسا، نشاط منظم، ولنقل ‘لعب حسب قواعد’.”[4]

بل نجد الجابري يعترض على التزام العقل بمرجعية معيارية مشددا على أن “‘العقل العربي’تحكمه النظرة المعيارية إلى الأشياء.”[5] ويتابع  الجابري ليبين المقصود بمعيارية العقل العربي فيقول: “ونحن نقصد بالنظرة المعيارية ذلك الاتجاه في التفكير الذي يبحث للأشياء عن مكانها وموقعها في منظومة القِيَم التي يتخذها ذلك التفكير مرجعاً له ومرتكزاً. وهذا في مقابل الموضوعية التي تبحث في الأشياء عن مكوناتها الذاتية وتحاول الكشف عما هو جوهري فيها. إن النظرة المعيارية نظرة اختزالية، تختصر الشيء في قيمته،  وبالتالي في المعنى الذي يضفيه عليه الشخص (المجتمع والثقافة) صاحب تلك النظرة. أما  الموضوعية فهي نظرة تحليلية تركيبية: تحلل الشيء إلى عناصره الأساسية لتعيد بناءه بشكل يبرز ما هو جوهري فيه.”[6]

يقول الجابري: ” إن ‘العقل’ في التصور الذي تنقله اللغة العربية المعجمية يرتبط دوما بالذات وحالاتها الوجدانية وأحكامها القيمية. فهو في نفس الوقت عقل وقلب، وفكر ووجدان، وتأمل وعبر، أما في التصور الذي تنقله اللغات الأوروبية فالعقل مرتبط دوما بالموضوع، فهو إما نظام الوجود، وإما إدراك النظام، أو القوة المدركة.”[7]

تضخم البعدين البياني والعرفاني في العقل العربي على حساب البعد البرهاني، يتطلب العمل على استعادة البعد البرهاني على أن لا يتم ذلك بمحاكاة الحداثة الغربية والسعي إلى أستبعاد النظر البياني والعرفاني. ذلك أن استبعاد البياني والعرفاني هو في حقيقته دعوة لاختزال العقل في الجانب الوضعي للخبرة الإنسانية وتماهيه فيها وبالتالي الخضوع إلى الأحكام المضمونية لواقع تاريخي تسعى الشعوب العربية لتجاوزها، والانحصار في مفهوم ضيق للعقل يتجاهل جانبين هامين من جوانب الفعل العقلي: النزوع الإشراقي والنزوع الاخلاقي.

الحداثة الغربية والخصوصية التاريخية للمجتمع الأوربي

أدى الفكر الحداثي الذي قاده ثلة من المفكرين الغربيين المؤثرين، من أمثال هوبر ولوك البريطانيين، وكانط وهيغل الألمانيين، وروسو وفولتير الفرنسيين، إلى تأجيج روح جديدة في الجسد الأوربي الهرم، وتكريس النزعة التحريرية التي بدأت مع حركة الإصلاح. واستطاع الفكر الحداثي أن يقدم أطروحات جديدة في أسس الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، داعبت المخيال الغربي، وأدت إلى بروز مجتمع متوثب صاعد في جهد حثيث طامح إلى تحقيق جملة المثل المبادئ التي شكلت المحتوى التصوري والأخلاقي لمشروع الأنوار التحريري.

وبالفعل أدت الروح الجديدة إلى تحرير الفرد الغربي من النظام الملكي المطلق، وتقديم نموذج جديد في التنظيم السياسي للمجتمعات، يعطي أفراد المجتمع القدرة على محاسبة الحكام المنتخبون. كما تمكنت الحركات العمالية والاشتراكية من تجاوزات الرأسمالية المطلقة الرافضة بالاعتراف بمسؤولية أصحاب رؤوس الأموال اجتماعية.

بيد أن مشروع الحداثة الغربي لم يلبث أن واجه سلسلة من الأزمات في مطلع القرن العشرين، تمثلت في حربين عالميتين مدمرتين، وفي التآكل التدريجي للأساس الأخلاقي والوجداني الكامن وراء النهضة الغربية. لقد حاول قادة حركة الأنوار في جهدهم الرامي إلى تحرير العقل الغربي من وصاية الكنيسة التأكيد على أهمية الحفاظ على القاعدة الدينية للروح الحداثية. لذا نراهم يميزون بين النظام الديني الذي مثلته الكنيسة في المجتمع الغربي، والروح الدينية المستقلة عنها. لذلك يمكن تلمس مركزية الوعي الدين للحياة الإنسانية في كتابات رواد الفكر الحداثي من أمثال ديكارت وهوبز ولوك وروسو الذين حرصوا على تأكيد أهمية الحس الديني رغم رفضهم للمرجعية الدينية المتمثلة في الكنيسة. إذ يؤكد ديكارت على “ارتباط اليقين المعرفي بالوعي بأسبقية الوجود الإلهي، بحيث يستحيل الوصول إلى القطع بالحقائق الوجودية للأشياء دون الانطلاق من حقيقة وجود الله المطلق.”[8]

وبالمثل، نجد المفكر الفرنسي روسو يقر بحاجة المجتمع والحياة الاجتماعية إلى التزام ديني بالقيم التي تجعل الحياة الأجتماعية والتعاون بين أبناء المجتمع على اختلاف مشاربهم ممكناً، رغم رفضه للأشكال الدينية التقليدية في المجتمع الذي واكبه. لذلك نجده يدعو في كتابه العقد الاجتماعي إلى دين “طبيعي” يقوم على عدد من المعتقدات الايجابية والسلبية، ويضع مجموعة من المعتقدات التي يدعوها “بالايجابية” منها: ” الإيمان بوجود إله عليم حكيم رحيم يعلم الغيب ويحيط الناس بعنايته؛ وبالإيمان باليوم الآخر؛ وبسعادة العادل وعقاب الآثم؛ وبقدسية العقد الاجتماعي والقانون—هذه هي المعتقدات الإيجابية. أما المعقتدات السلبية فإنني أختزلها إلى واحدة: رفض التعصب.”[9]

بل إننا نرى مفكراً مثل كانط، الذي رفض الاعتراف بقدرة العقل الإنساني على الإلمام بالحقائق الغيبية المتعالية على الخبرة الحسية، والذي اختزل مفهوم الحقيقة إلى المستوى الحسي من التجربة الإنسانية، وسعى جاهداً إلى بناء المفاهيم الأخلاقية على أساس عقلاني صرف، يؤكد أنه “في حال غياب الإيمان بالوجود الإلهي وبوجود عالم غيبي لا يمكن إدراكه اليوم لكن مدار أمل الإنسان ورجاءه، فإن المثل الأخلاقية السامية ستبقى محط التقبول والتقدير، لكنها لن تصبح باعثاً للمقاصد والأفعال.”[10]

ولم تلبث جهود رواد الحداثة الذين أرادوا عزل الفكر الديني الكنسي عن دائرة الحياة العامة أن قادت إلى زعزعة القاعدة الأخلاقية التي تقوم عليها الحضارة الحداثية. لقد جهد رواد الحداثة في الحفاظ على القيم الأخلاقية الأساسية التي ولدتها حركة الإصلاح الديني، واكتفت باستبدال الأساس الديني للأخلاق بأساس عقلي. بيد أن غياب الأساس العلوي للأخلاق أدى إلى إضعاف الدافع الأخلاقي في المجتمع الحداثي أولاً، ومن ثم أفرز حركات فكرية رافضة للمنظومة الأخلاقية الحداثية، وقادرة على تحدي المنظومة العقلانية التي قامت عليها.

أولوية الديني في النهوض الحضاري

إن تلازم الوعي الديني والنهوض الحضاري حقيقة تاريخية وشرط موضوعي. فالحضارات الإنسانية عبر التاريخ تعود في جذورها إلى وعي ديني ورؤية كونية متعالية، بدءاً من حضارات الهلال الخصيب ومصر الفرعونية، ومروراً بالحضارات الصينية والهندية والفارسية والإغريقية والرومانية، وانتهاءً بالحضارتين الإسلامية والغربية. ولقد وثق المؤرخ الغربي الشهير أرنولد توينبي العلاقة بين الدين والحضارة وأظهر في كتابه دراسة الحضارة أن العلاقة بين الدين والحضارة علاقة المقدمة بنتيجتها. [11]كذلك أظهرت الدراسات الاجتماعية أن القيم والمعتقدات الدينية تشكل العنصر الأساسي في البناء الثقافي للمجتمع. فأظهرت أبحاث ماكس فيبر العلاقة الوثيقة بين النهوض الثقافي والحضاري لمجتمع وبروز الوعي الديني. وانتهى فيبر إلى تقديم نظرية في التطور المؤسسي الاجتماعي تربط ارتقاء المجتمع والمؤسسات الاجتماعية بظهور القيادة الملهمة (charismatic leadership) التي يمثل الرسول، والمصلح الديني من بعده، أهم أشكالها. فالقائد الملهم إنسان يملك رؤية متميزة تؤدي إلى تحفيز الهمم والأفعال، وتوليد زخم نفسي وروحي يخرج المجتمع من ركوده ويدفعه للمضي في عملية بناء قدراته العلمية ومؤسساته التنظيمية. ويتبع مرحلة القائد الملهم مرحلة العقلنة الثقافية والاجتماعية التي يقودها المثقفون من مفكرين ورجال دولة، والتي تهدف إلى تحويل القيم والتصورات الرسالية الجديدة إلى قواعد ومرتكزات يتأسس عليها البناء الاجتماعي.

فإذا تساءلنا عن سر التلازم بين الوعي الديني والنهوض الحضاري وجدنا تعليلاً عميقاً عند ابن خلدون، تحت فصل “في أن الدول العامة الإستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين إما من نبوة أو دعوة حق” من مقدمته، يقول فيه: “وذلك لأن الملك إنما يكون بالعصبية واتفاق الأهواء على المطالبة، وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه قال تعالى: لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم. وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا، حصل التنافس وفشا الخلاف. وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل، وأقبلت على الله، اتحدت وجهتها، فذهب التنافس وقل الخلاف، وحسن التعاون والتعاضد، واتسع نطاق الكلمة لذلك، فعظمت الدولة كما تبين لك بعد، إن شاء الله سبحانه وتعالى، وبه التوفيق لا رب سواه.” [12]

الفكر الإسلامي ودوره الحضاري

يشترك الفكر الإسلامي المعاصر موقفه الناقد للحداثة الغربية مع الفكر بعد الحداثي، لكنه يفترق معه في ما عدا ذلك. ففي حين يمضي الفكر بعد الحداثي في تفكيك ما تبقى من الثوابت التي قامت عليها الحضارة الغربية الحديثة، يسعى الفكر الإصلاحي الإسلامي إلى تجاوز الزلات والانحرافات في التجربة الحداثية، والبناء على مواطن القوة فيها. لا شك في أن الحضارة الغربية الحديثة وريثة في كثير من الجوانب للبناء الحضاري الإسلامي، وبالتالي للحضارة الإنسانية التي ساهمت في صياغتها ثقافات عديدة. لذلك فإن على الفكر الإسلامي أن يتعامل بثقة وهدوء مع النتاج الحضاري الحداثي، يأخذ منه ما يأخذ ويرفض ما يرفض عبر منهجيات علمية نقدية، وبعيداً عن الجنوح العاطفي في اتجاه أو آخر. ومن هنا كان الرفض المبدئي لكل ما هو غربي أو حداثي موقف متطرف غير مقبول.

ويبدو جلياً أن المهمة الأولى الملقاة على عاتق الفكر الإسلامي المعاصر إعادة ربط الأخلاقي العلوي. هذه المهمة على بساطتها مهمة شاقة تتطلب جهوداً كبيرة ومثابرة مستمرة. ففك الارتباط بين الإثنين عملية استمرت قرون طويلة. ولعل الجهد الكبير المطلوب لتحقيق هذه المهمة هو ما يجعل بعض المفكرين الإسلاميين يفضل تجاوز الحقبة الحداثية برمتها، والبناء على القواعد التي أسسها الفكر الإسلامي والتراثي والحضارة الإسلامية التاريخية. بيد أن مثل هذا النكوص إلى عصور الإزدهار الإسلامي التاريخي والانطلاق منها، وإن بدا للوهلة الأولى أكثر سهولة ويسراً، في حقيقته ليس إلا سراباً خادعاً وهروباً مشيناً من العمل الجاد لتحمل المسؤولية التاريخية للأمة اليوم. ذلك أن الانسحاب إلى الماضي والشروع بالبناء انطلاقاً من مواقف الفكر والحضارة الإسلامية التاريخيين يفترض أن الحداثة واقع منفك عن الخبرة الاجتماعية والثقافية للمجتمعات المسلمة اليوم، وأن هذه المجمعات تملك بالتالي الخيار في موجه والحداثة أو تجنبها. هذ الافتراض ينطوي  على وهم كاذب خادع. فلقد أضحت الحداثة بعد قرن ونيف من المحاكاة والمعايشة جزء من واقع المجتمعات المسلمة، وأن لا طريق لتجاوز مأزق الحداثة إلا من خلال النقد البناء والحوار المنفتح والعمل الدؤوب لتبين   ما هو إنساني عام مما هو تاريخي لصيق بالمجتمع الغربي.[13]

هوامش


*قدمت الورقة في محاضرة في الملتقى المعرفي الشبابي تحت عنوان مشروع الحداثة العربية الذي عقد في مدينة عمان

[1] جورج هيغل، فلسفة التاريخ:

Georg W. H. Hegel, Philosophy of History (New York: Dove Books, 1956), 109

[2] محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1989)، ص 24.

[3] المصدر نفسه، ص 25.

[4] المصدر نفسه، ص 24.

[5] المصدر نفسه، ص 31.

[6] المصدر نفسه.

[7] المصدر نفسه، ص 31.

[8] رينيه ديكارت، تأمل في الفلسفة الأولى:

Rene Descartes, Meditations on First Philosophy, trans. John Cottingham (Cambrigdge University Press, 1986), p. 49.

[9] جان جاك روسو، العقد الاجتماعي:

Jean-Jacque Rousseau, The Social Contract, trans. Maurice Cranston (London: Penguin Books, 1968), p. 186.

[10] عمانوئيل كانط، نقد العقل الصرف:

Immanuel Kant, Critique of Pure Reason, trans. Norman Kemp Smith (New York: Macmillan, 1929), p. 640.

[11] أرنولد تويني، دراسة التاريخ :

Arnold Toynbee, A Study of History (Oxford University Press, 1946)

[12]  عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، ص

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: