حوار صحفي في ايلاف: قدرة نظام الأسد على الصمود تتراجع يوما بعد يوم

الإصرار على توحيد المعارضة السورية مطلب غير واقعي

لؤي صافي: قدرة نظام الأسد على الصمود تتراجع يوما بعد يوم

ملهم الحمصي

 كثيرة هي التحديات والاتهامات التي لا يزال يعانيها المجلس الوطني السوري منذ تأسيسه، وهي اتهامات تنسب إليه التقصير في بعض الجوانب عن تحقيق طموحات الشعب السوري الذي لم تنجح نخبه السياسية في مواكبة حراكه الشعبي، وبعد الإعلان في القاهرة عن تشكيل جديد للمعارضة تحت مسمى مجلس أمناء الثورة، وتكليف الناشط الحقوقي (هيثم المالح 81 عاماً) بتشكيل حكومة انتقالية، تنتظر المعارضة السورية ممثلة بجناحها الرئيس، المجلس الوطني السوري، تحديات إضافية مع وصول المعارك إلى كبرى المدن السورية من حيث الكثافة السكانية وعاصمتها الاقتصادية (حلب)، وما قد يجر إليه إعلان التشكيل الجديد لتيارات المعارضة من احتمال التشرذم والانقسام من جديد.

“إيلاف” التقت لؤي صافي الباحث والأكاديمي، وعضو الأمانة العامة للمجلس الوطني السوري، وحاورناه حول رؤيته لمستقبل المعارضة في سوريا والعديد من القضايا.

دكتور لؤي.. كيف تنظرون إلى ممارسات تيارات المعارضة السورية من الناحية السياسية، ومحاولات توحيدها التي باءت بالفشل حتى الآن؟

المعارضة تطورت عقودا خلال سنة ونيف من كفاحها ولا زال أمامها المزيد من التطور، والتوقعات حول إمكان توحيد المعارضة توحيدا كاملا مبالغ فيه.

ادخلت الثورة المعارضة السورية في خبرة سياسية جديدة بعيدة كل البعد عن خبرتها السابقة، ووضعتها امام تحديات العمل السياسي الديمقراطي الحر للمرة الأولى بعد عقود من العمل السياسي الفردي.  العمل السياسي للمعارضة التقليدية في اطار الدولة الأمنية التي سعت إلى شرذمة أحزاب المعارضة وإضعافها والحيلولة بينها والتواصل مع قواعدها الشعبية حولت الاحزاب السياسية إلى مجموعات نخبوية من المثقفين الذين تميزوا بالصلابة النضالية ولكنهم افتقدوا مهارات العمل الديمقراطي.

 محاولات أحزاب المعارضة لتشكيل ائتلافات واسعة، كإعلان دمشق، لمواجهة تحديات النظام الديكتاتوري بعد تولي بشار الأسد الحكم في العقد الماضي لم يكتب لها النجاح تحت ظروف المتابعة الأمنية والاعتقال. لذلك فإن الجهود الرامية إلى توحيد المعارضة والتي بدأت في الخارج في سلسلة من المؤتمرات، لعل أهمها مؤتمر انطاليا، افرزت هيكليات سياسية هيمن عليها الناشطون المنظمون لتلك للمؤتمرات ولم تتمكن من تمثيل اطياف المعارضة السورية. وهذا ما دفع بعضنا من الراغبين في توحيد قوى المعارضة إلى العمل على فكرة تأسيس مجلس وطني يجمع القوى السياسية الأساسية تحت مظلة واحدة والذي توج بإعلان المجلس الوطني السوري في شهر أيلول الماضي. المجلس الوطني يتضمن اليوم كتلا سياسية ثمانية والعديد من الناشطين المستقلين، يمثلون التنوع السوري بكل معاني ومستوياته. والمجلس يسعى الآن إلى ضم قوى سياسية أخرى راغبة في العمل في إطاره.

المعارضة السورية على اختلاف اطيافها نجحت في التوحد حول مشروع سوريا الديمقراطية الحرة، وقد قامت في اجتماع القاهرة الذي عقد الشهر الماضي بتبنى القواعد الدستورية والخطة الانتقالية لتحقيق الهدف المشترك للثورة. ما لم تتمكن المعارضة من تحقيقه هو التوحد تحت مظلة تنظيمية واحدة والتي يمثل المجلس الوطني شكلا متقدما لها. ويعود ذلك إلى شعور بعض الشخصيات والقوى السياسية المخضرمة ذات الحضور الإعلامي التكرر من أن خبرتها السياسية الطويلة تؤهلها إلى قيادة المعارضة وخشيتها من أن قوى سياسية سبقت إلى تشكيل المجلس الوطني ستكون أكثر نفوذا وقدرة على الهيمنة على القرار. بعض هذه المخاوف لها مايبررها ويعمل الناشطون في المجلس على تجاوزها منذ شهور وقد نجحوا أخيرا بتقديم مشروع إعادة هيكلة يسمح لأعضائه بانتخاب القيادات السياسية في المجلس.

 أنا شخصيا أعتقد بأن مشروع توسيع المجلس الذي أقر أخيرا من الأمانة العامة والذي يعتمد آليات الانتخاب الديمقراطي سيجعل المجلس الوطني المظلة السياسية للمعارضة بلا منازع. هذا طبعا لن يمنع بعض نجوم المعارضة من ادعاء الحاجة الى تنظيم المعارضة في كيان جديد، ولكنه سيضع حدا للفوضى السياسية التي ميزت تحركات المعارضة السورية في الفترة السابقة.  في النهاية الأصرار على توحيد كل شخصيات المعارضة وقواها في منظمة واحدة مطلب غير واقعي، خاصة أن المطلوب هو كيان مؤقت يمثل أطياف الشعب السوري وقواه، ويقود عملية التحول الديمقراطي.

كيف تنظرون إلى قدرة النظام السوري على الصمود بعد كل هذه الفترة، وإلى أي مدى أثر تفجير مبنى الأمن القومي على معنوياته وقدراته الأمنية؟

قدرة النظام على الاستمرار نابع من هيمنته النخبة الحاكمة الكاملة على بنية الدولة والجيش، بل والمجتمع المدني، واستخدمه لكل قدرات الدولة السياسية والاستخباراتية والعسكرية لقمع الثورة. لعل السؤال الذي يثير العجب هو قدرة الشعب السوري على الصمود أمام آلة القتل والترويع الأسدية التي شنت حربا مفتوحة على الشعب.

قدرة النظام على الصمود أمام الغضب الشعبي المتزايد تتراجع يوما بعد يوم. الانشقاقات العسكرية والديبلوماسية والسياسية في تصاعد، وقدرات قوى المعارضة السياسية والدبلوماسية والعسكرية في تقدم مستمر. المجالس العسكرية والثورية تطورت كثيرا على مستوى التنظيم والتسليح، وهي الآن قادرة على تسديد ضربات موجعة للنظام.

عملية تفجير مبنى الأمن القومي في دمشق كانت واحدة من تلك العمليات الموجعة التي هزت أركان النظام، لأنها استهدفت خلية إدارة الأزمة، العصب الرئيسي الذي يقود عمليات النظام لقمع الثورة والقضاء عليها. العملية أودت بحياة العديد من رجالات النظام، وأخرجت من إدارة الصراع ركنين من أركان نظام الأسد الأمني، آصف شوكت وهشام بخيتان، وهي بالتالي انتصار كبير حققه الجيش السوري الحر في معركة الحرية. أهمية العملية تأتي من أنها حصلت بالتوازي مع تراجع القدرات الأمنية والاستخباراتية للنظام في القرى والمدن والأحياء الثائرة، مما أدى إلى تعمق أزمة النظام وحرمانه من القدرة على التمييز بين المعارض والمؤيد، وبالتالي عجزه عن تسديد الضربات للمعارضين دون المؤيدين. وبالتالي فإن النظام يحصد اليوم الثمرة المرة لإصراره على الحل الأمني كحل وحيد للتعامل مع الحالة السورية التي هي حالة سياسية بامتياز.

من الناحية النفسية أصبح النظام بعد عملية مبنى الأمن القومي أقل ثقة بنفسه، وفقد الإحساس بمسافة الأمان التي تفصل قيادة النظام على جبهة الصراع المسلح التي أرادها بعيدة عن المدن الرئيسية الثلاثة التي ظن أنه يمتلك سيطرة كاملة عليها، دمشق وحلب واللاذقية. فالصراع المسلح انتقل الآن إلى معاقل النظام الأخيرة، وبدأ يشعر بتحركات الحراك الثوري والجيش الحر تهز الأرض تحت قدميه.


ما موقف المجلس الوطني السوري من إعلان الناشط هيثم المالح ومجلس أمناء الثورة تشكيل حكومة انتقالية؟

هيثم المالح شخصية وطنية بامتياز، تصدى على مدى عقود لمحاولات النظام لأسكات الأصوات المعارضة، وبقى صوتا منافحا عن حقوق السوريين السياسية. لكنه كالعديد من قيادات الصف الأول من المعارضة لا يجيد التحرك في دائرة واسعة من العمل الديمقراطي. وهو ينزع إلى الفردية ولم يتمكن منذ خروجه من سوريا من الانخراط بعمل سياسي منظم. لذلك فإن إعلانه لم يفاجئني كما لم يفاجئ الكثيرين في المعارضة السورية. العمل الديمقراطي يحتاج إلى قدرة على التشاور والانضباط، وهذه مهارة لا يملكها المجموعة الصغيرة من الناشطين الذين نصبوا أنفسهم أمناء على الثورة وكلفوا هيثم المالح بتشكيل حكومة انتقالية دون تشاور مع القوى السياسية والثورية الرئيسية للمعارضة.

المجلس الوطني السوري يعتبر هذا الإعلان متسرعا لأنه لم يتم من خلال تشاورات بين أطراف المعارضة ولم يتخير الوقت المناسب. لقد مرت المعارضة من قبل بسباق مشابه تمثل في الاعلانات المتكررة لمجالس وطنية من قبل معارضين كانوا يعتقدون أن الشرعية تأتي من السبق إلى الإعلان. ولم يتبنى الشارع السوري سوى مجلسا واحدا عمل بمنهجية ويخطوات سياسية مدروسة إلى التشارو واختيار الأفضل والأمثل للقيام بالمهمة. فلكل مهمة رجالها وقادتها. والحكومة الانتقالية التي سيقف خلفها الشارع الثوري والسوري هي التي ستفرزها التشاروات المستفيضة والتي ستعكس إرادة الداخل  والخارج بجناحيه الثوري والسياسي.


ما هي طبيعة علاقة المجلس الوطني السوري بالقوى العسكرية في الداخل السوري كالجيش الحر وكتائبه؟

العلاقة بين المجلس الوطني والجيش الحر علاقة وثيقة وحميمة، بل هي علاقة عضوية إلى حد كبير. فثلث أعضاء المجلس يتكون من ممثلي الحراك الثوري الذي يشكل عصب الثورة السورية. الثورة السورية تقودها المجالس الثورية التي تمثل الذراع السياسي للمجالس العسكرية. بالاضافة إلى ذلك فإن المجلس ينسق مع الجيش الحر والمجالس العسكرية من خلال مكتب الارتباط الذي يتعاون مع الجيش الحر ويقدم له الدعم والمساندة.

ما رأيكم في اشتباكات حلب الأخيرة، وهل سوف تنجح في تحرير المدينة كما يقول الثوار، أم أن مصيرها سوف يكون كمصير عملية تحرير دمشق؟

إذا كان تفجير مبنى الأمن القومي مفاجأة مزلزلة للنظام فإن العمليات العسكرية للجيش الحر في حلب هي المفاجئة الأكبر. كما ذكرت سابقا فإن النظام كان يعتقد أن بإمكانه التحصن في المدن السورية الكبرى والاستمرار في حصار الأرياف السورية التي شكلت منذ البداية قاعدة الثورة الصلبة. وبالتالي فإن نقل الثورة إلى دمشق وحلب افقد النظام توازنه وهو يسعى بكل مايملك لاستعادة السيطرة على هاتين المدنتين.

مصير عملية دمشق لم يتحدد بعد، فالعمليات مستمرة وتراجع الثوار هناك نجم عن قرار لتجنيب المدينة معركة مبكرة. دمشق مركز ثقل النظام، وقاعدة لأهم قواته، الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة. تحول الصراع الرئيسي إلى حلب سيرهق النظام  في معركة لن يستطيع كسبها من خلال الكتائب الموالية له ولاء مطلقا. فهو سيضطر إلى إرسال قوات النخبة التي يملكها وبذلك يضعف سيطرته على دمشق أو أن يزج بقوى إضافية وهذا سيؤدي حتما إلى إنشقاقات واسعة. عدم قدرة النظام على الحسم في حلب سيؤدي أيضا إلى مزيد من الانشقاقات العسكرية خاصة وأن قدرات النظام العسكرية في تراجع مستمر وقدرات الجيش الحر في تزايد مضطرد. وستشهد الأيام القادمة مفاجأت عديدة نتيجة لحصول الجيش الحر على أسلحة نوعية تفقد النظام التفوق الهائل الذي كان يملكه في مواجهته للثورة السورية خلال الستة عشر شهرا الماضية من عمرها.

كيف ترون مستقبل الحل في سوريا، وإلى أين تتجه الأمور برأيكم؟

الأمور تتجه نحو هدف واحد، إسقاط النظام الاستبدادي وإقامة نظام ديمقراطي حر على أنقاضه. السوريون صبروا كثيرا على هذا النظام وأعطوه فرصا عديدة قبل بدء ثورتهم، ولكنهم اليوم مصرون على الخلاص منه. الحل الأمثل لانهاء الصراع القائم بين أحرار سوريا وجلاديها هو حل سياسي يتمثل بقبول النظام بنقل السلطة إلى حكومة انتقالية تشكلها المعارضة وتشارك فيها قوى سياسية تمثل أطياف الشعب السوري.

ولكن النظام لا يملك الإرادة والقدرة على الدخول في حلول سياسية، ولا زال رأسه ينعت أحرار سوريا والشعب السوري الثائر بالإرهاب والخيانة، في حين تصر أجهزته الأمنية على ربط مستقبل سوريا بمصير الأسد. الشعب السور ي قالها صريحة منذ بداية الثورة بأن “الذي يقتل شعبه خائن” وهو ماض في موادهة عنف النظام وإجرامه من خلال الحل الثوري، ومقارعة النظام وأعوانه حتى النهاية. ومن يعرف تاريخ الشعب السوري وأخلاقه جيدا يعلم أن الشعب لن يخضع ولن يتراجع عن هدفه مهما صعد النظام تهديه وبطشه.

هل من كلمة أو إضافة؟

تواجه سوريا في الأشهر القليلة القادمة تحديات كبيرة تحتاج إلى وعي ودراية وتصميم للتعامل معها. وفي مقدمة هذه التحديات الحاجة إلى ضبط الطموح الفردي للقيادات السياسية والعسكرية في إطار المصلحة الوطنية. هذا يتطلب مزيد من الوعي والمشاركة الشعبية ورفض التوظيف الشعبوي للخطاب السياسي. الشعبوية السياسية ظاهرة عرفها لإغريق تحت عنوان “الديماغوجية”  وتتمثل في محاولة بعض السياسيين استخدام الخطاب التعبوية لتوظيف الأحداث السياسية للحصول على مكاسب شخصية. وتتجلى الشعبوية في اعتماد شائعات وأقاويل للنيل من الخصوم السياسيين وتدمير سمعتهم لخلق فجوة بينهم وبين قواعدهم الشعبية.

تحقيق المصلحة الوطنية، أو المصلحة العامة للشعب السوري، تتطلب تضافر كل الجهود السياسية والعسكرية والدبلوماسية. مساهمة المجالس العسكرية مهمة وأساسية ولكنها ليست أكثر أهمية من الحراك الشعبي الذي حمل الثورة لشهور عديد وزود الجيش الحر بالحاضنة الاجتماعية لقيامه واستمراره. كذلك لا يمكن للجهود العسكرية والشعبية أن تنجح في تحقيق هدف الثورة بالوصول إلى دولة مدنية ديمقراطية دون تضافر هذه الجهود بالجهود السياسية الأساسية للحفاظ على وحدة الشعب السوري واخضاء حكم العسكر للحكم المدني.

التحدي الآخر يتعلق بضرورة الحفاظ على وحدة الشعب السوري والاستفادة من كل الجهود والطاقات لبناء سوريا الحرة الديمقراطية. وهذا لن يأتى إلا باحترام التنوع الديني والسياسي والاجتماعي للشعب السوري وبالحفاظ على الحريات المدنية. هذا سيتطلب من القيادات السياسية والفكرية والعسكرية أن تقف صفا واحدا في وجه أي أعمال انتقامية تجاه أي مكون من مكونات الشعب السوري البطل.

نشر في إيلاف:  http://www.elaph.com/Web/news/2012/8/752292.html#.UBpcy0PHYPI.facebook

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: