الطموح والثورة

التحدي الذي يواجه المجلس الوطني السوري والمعارضة عموما ينبع من طموح الإنسان السوري الشديد إلى الزعامة والرئاسة، وهذه نعمة ونقمة على حد سواء. هي نعمة لأنها تزيد الفاعلية الشخصية ولكنها نقمة عندما يتجاوز الطموح مصلحة العمل والمصلحة العامة المرتبطة به. مشكلة المجلس اليوم هي مشكلة طموحات شخصية لأفراد وصلوا إلى مواقع متقدمة في المجلس من خلال جهود متضافرة ولكنهم غير مستعدين للخضوع إلى القرار المشترك للقاعدة العامة خوفا من ضياع فرصة العمر! المشكلة أن هذا الطموح لا تسنده ثقافة العمل المشترك والرغبة بالانضباط بتقويم الأقران والقرار العام.

مشكلة المجلس هي مشكلة العمل الجمعي في سوريا: غياب العمل الديمقراطي والقدرة على الخضوع إلى تقويم الأقران والشركاء في العمل المشترك. المجلس يسعى لإقامة نظام ديمقراطي ولكنه غير قادر على ممارسة العمل الديمقراطي. طبعا الحجة أن المجلس غير منتخب بل جاء من خلال التوافق، ولكن هذه مردودة على أصحابها لأن التوفق في التأسيس لا يمنع من الخضوع إلى آليات القرار الديمقراطي في الممارسة.

فيما يتعلق بالضغوط الخارجية على المجلس، أنا أعتقد أن هذه الضغوط في محلها نظرا لعجز السوريين، سواء أكانوا في موقع القيادة في المجلس أم خارجه، عن المبادرة إلى القيام بما هو مطلوب. نعم تدخل القوى المهتمة بالحالة السورية يعطيها المزيد من القدرة على الدفع بقوى وشخصيات ترتاح إلى التعامل معها. لكن اللوم يقع أولا وأخيرا على أعضاء المجلس..علينا جميعا. ومع ذلك أقول أن الجهود الخارجية حركت راكدا باتجاه إعادة الهيكلة وقد تدفع بالمجلس خطوات إلى الإمام أو خطوات إلى الخلف. النتيجة مسؤوليتنا ولا نلومن أحدا سوانا.

نجاح الثورة السورية وفشلها مرتبط بالإرادة السياسية الداخلية للشعب السوري وبالقدرة على مصابرة النظام والصمود أمام آلية التدمير الأسدية. دور المجلس منذ البداية كان محصورا بتوفير الغطاء السياسي للثورة للتعامل مع المجتمع الدولي. أعضاء المجلس لعبوا (ولا يزالون) دورا أساسيا في هذا الاتجاه. كان يمكن لهذا الدور أن يكون أكثر نفعا وتأثيرا لو خلصت النوايا وقدم العام على الخاص. ولكن “الطموح” غير المنضبط “بالمصلحة العامة” أضاع كثيرا من القدرات، وقدّم الضعيف وعديم الخبرة في حين أخر من كان أولى بالقيادة وأقدر على جمع الجهود وتنظيم العمل الجمعي.

المجلس أفضل ما تفتقت عنه مخيلة المعارضة السورية حتى الآن، وبالتالي لا بديل سياسي عنه يوحد المعارضة في مواجهة الاستبداد الأسدي. أما الطامحين إلى أن يتحول احتلالهم لموقع متقدم ضمن المجلس — بعيدا عن آليات العمل الديمقراطي واختيار الأقران لمن هو أكفأ وأقدر على حمل الأمانة – إلى زيادة فرصهم في الوصول إلى المناصب في مرحلة ما بعد الثورة،فأدعو لهم بالخروج من حالة الوهم، وأدعوهم إلى دراسة تاريخ الثورات.

الطموح الوحيد الذي يمكن أن يخدم الثورة في هذه المرحلة هو الطموح إلى خدمة الثورة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: