ترسيخ مفهوم الديمقراطية في العالم العربي

التعاون في البناءمهّدت ثورات الربيع العربي الطريق أمام العديد من الدول العربية لتبنّي النهج الديمقراطي، لكن لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به على الصعيدين الاجتماعي والسياسي. يتخطّى بناء مجتمع ديمقراطي حقيقي في دول مثل سوريا والعراق ومصر واليمن ما هو أبعد من حدود السياسة إذ ثمة حاجة ماسة لإحداث تغيير جذري في النظام التعليمي لكي تتمكن الأجيال الشابة من التعرّف على بعض المفاهيم المهمة مثل التعاون الاجتماعي وسيادة القانون والمواطنة. كما أن هناك حاجة ملحّة لإقامة مناظرات عامة حول هذه القضايا بصورة متزايدة.

سلّطت الضوء على نقطة محددة خلال محاضرة عامة ألقيتها مؤخراً حول موضوع الثقافة السياسية العربية في أعقاب الربيع العربي، وهي أن الحراك السياسي الذي تشهده المنطقة في الآونة الأخيرة يمثّل مرحلة حاسمة تفصل بين الثقافة السياسية الناشئة والثقافة السياسية التاريخية القائمة على الحكم السلطاني الذي هيمن على المجتمعات العربية لما يربو عن قرن من الزمان.

إنّ غياب بعض التقاليد مثل سيادة القانون والتقيد بالقوانين التي سنّتها الدول يعدّ من بين أهم التحديات التي تواجه عملية ترسيخ ديموقراطية حقيقية في العديد من دول العالم العربي. كانت السلطة التنفيذية في يد السلطان في النظام السياسي العربي التقليدي، فيما كانت السلطة التشريعية في أيدي العلماء الذين وقع على عاتقهم تفسير الشريعة الإسلامية. لم يكن لدى السلطان القدرة على اتخاذ قرار حيال مقدار الضرائب التي يمكن فرضها على المواطنين، إذ إن جميع هذه القضايا كانت من اختصاص العلماء. أجريت إصلاحات سياسية إبّان حكم السلطان عبد الحميد الثاني، آخر سلطان عثماني تمتّع بالسلطة التنفيذية الحقيقية، كان أبرز تلك الإصلاحات استحداث البرلمان ونظام جديد للقوانين التي تسنها الحكومة إلا أن السلطان منع البرلمان المنتخب من تأدية مهامه واستحوذ بصورة مطلقة على السلطات الحكومية الثلاث.

أصبح نموذج الحاكم الذي تجتمع لديه القوى المطلقة والسيطرة على التشريع أمراً تقليدياً ومتّبعاً في جميع الجمهوريات وغالبية الحكومات في العالم العربي بعد نهاية فترة الاستعمار الأجنبي. يتمثّل التحدي الذي نواجهه اليوم في استحداث ثقافة جديدة يلتزم فيها الافراد بالقانون في ظل نظام ديمقراطي للحكم. ولمّا كانت هذه البلدان تمر بمرحلة انتقالية خلال الوقت الراهن، لن يتأتى تعزيز الديمقراطية إلا إذا تغيّرت الثقافة السائدة بما يجعل الأفراد يقدّرون أهمية أن يكون الجميع على قدم المساواة أمام القانون.

وهنا يأتي دور تغيير مناهج التعليم التي تعدّ أحد أهم الوسائل الحيوية لتغيير الثقافة السائدة، فالأطفال في الفصول الدراسية بالدول العربية حالياً يتلقون جرعة منتظمة من الكتابات الأدبية التي تعظّم البطولات الفردية وتظهر الأبطال في صورة شخصيات قادرة على تحقيق كل شيء بمفردها دون حاجة حقيقية إلى التعاون مع الآخرين، مما يعضد ممارسات تأليه الحاكم التي صاحبت العديد من قادة الدول غير الديموقراطية. لابد من العمل على تعليم الأطفال تلك المفاهيم التي تعكس بوضوح أن هؤلاء القادة يشكلون جزءًا من النسيج الاجتماعي والسياسي بشكل عام وأن ظهور المجتمع وارتقاؤه يرتبط مباشرة بتعاون أبنائه ضمن دولة الحريات المدنية والقانون.

* نشرت المقالة في البرقية جريدة التلغراف الصادرة عن مؤسسة قطر في 22 مارس 2012. انقر على الوصلة التالية رؤية المقالة المنشورة.

 http://www.qf.org.qa/flipbook/qf-telegraph/latest/arabic/files/assets/downloads/publication.pdf

 وتعتمد المقالة على  محاضرة عامة القاها الدكتور لؤي صافي في الدوحة في 22 فبراير 2012 تحت عنوان “من الحكم السلطاني إلى الديمقراطية”.

Advertisements

الأوسمة: , , ,

رد واحد to “ترسيخ مفهوم الديمقراطية في العالم العربي”

  1. moon_sa_ksa@windowslive.com Says:

    طفش

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: