التحول الديمقراطي في سوريا قادم لا محالة

الحراك الشعبي باتجاه حياة سياسية ديمقراطية ظاهرة ترتبط بالمرحلة التاريخية التي تمر بها المجتمعات الانسانية على اختلاف تكويناتها وثقافتها. والانتفاضات الجماهيرية التي تعصف بالمنطقة العربية بأكملها وتتأجج اليوم في سوريا ناجمة عن تماهى السياسي والأمني خلال العقود الثلاثة الماضية وانفكاك النخب السياسية عن هموم الشعوب وتطلعاتها.

الخيار الديمقراطي الذي يقوم على مبدأ تساوي المواطنين على اختلاف انتماءاتهم السياسية ومواقعهم الاجتماعية وعقائدهم الدينية في الحقوق والواجبات الوطنية، وعلى مبدأي حق المواطن في المشاركة في صنع القرار السياسي ومسؤولية القيادة السياسية عن قرارتها وافعالها أمام الشعب، تحول مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين إلى ضرورة تاريخية ومطلب شعبي، وخرج عن دائرة السجال السياسي بين المثقفين والسياسيين.

فاجأ السوريون الجميع، بدءا بالناشطين ومرورا بالمحللين وانتهاءا بمراكز القرار، بانتفاضتهم الشعبية ومطالبهم الواضحة في شعاراتهم التي رددوها في سوق الحميدية في مدينة دمشق، كما رددوها بصوت أوضح في درعا ودوما وبانياس والبيضة وحمص والقامشلي، وغيرها من مدن وقرى سوريا، والتي بلغت أوجها اليوم خلال مظاهرات ما أسمي بالجمعة العظيمة. ومرة أخرى أظهرت التحركات في سوريا تكامل الوعي العربي رغم الحواجز السياسية التي أقامتها المنظومة العربية الراهنة.

وكما بدا واضحا للعيان من خلال المواقف الشعبية في تونس ومصر واليمن والبحرين وسوريا ودول عربية أخرى، فقد تحرك الشارع العربي خطوات أمام النخب المثقفة وأميالا أمام قيادات الانظمة السياسية الحاكمة. فلا زالت الانظمة الحاكمة التي اطمئنت إلى قدرة أجهزتها الامنية والعسكرية على قمع التحركات الشعبية تتعامل مع المطالب الشعبية بوسائل البطش والمكر والمراوغة والحيلة، وهي وسائل قمعية لطالما اعتمدتها الانظمة الشمولية في زمن الاتحاد السوفيتي والانظمة التسلطية في زمن الديكتاتوريات العسكرية اللاتينية التي قدم فرانكو، دكتاتو أسبانيا المشهور، نموذجا لها. وسائل الاحتفاظ في السلطة عبر البطش والترويع انتهت في معاقلها الحديثة بالفشل الذريع في نهاية الثمانينيات في أوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية بعد أن اختارات الشعوب الحل الديمقراطي.

لم تتساقط الانظمة الدكتاتورية والاستبدادية في أوربا الشرقية في الثمانينيات بسبب ضعف الاجهزة الامنية أو تراجع في القدرات العسكرية للدول القمعية، بل بسبب الوعي الجماهيري من جهة وعجز النخب السياسية المتسلطة عن إدارة الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بعد أن استشرى الفساد وغابت الرقابة الشعبية الكابحة للفساد في أنظمة حرمت شعوبها حرية التعبير وانتقاد الممارسات المنحرفة أو الغطاء القانوني لملاحقة المفسدين والمتلاعبين بثروات الشعوب.

تزايد الوعي الشعبي في زمن التعليم الجامعي والتواصل العالمي هو سر التحركات التي تشهدها سوريا كما تشهدها دول أخرى على امتداد المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج. والرسالة واضحة تلخصها الشعارات والهتافات الشعبية: “حرمية حرمية”، “الشعب السوري ما بينذل”، “سلمية سلمية”، “حرية حرية”، “الشعب السوري واحد”، “بدنا وحدة وطنية إسلام ومسيحية”، “لا سنية ولا  شيعية لا للفتنة الطائفية”، وغيرها من الشعارات التي تظهر وعيا كبيرا لدى أبناء الشعب وتؤكد الدوافع الوطنية والمطالب المشروعة للتحركات الشعبية في سوريا.

مطالب الانتفاضات الشعبية في المدن السورية مطالب مشروعة كما أقر بذلك النظام السوري، وهي مطالب إصلاحية جذرية تتجاوز الدعوات التي قدمتها النخب المثقفة في بداية العقد المنصرم فيما يعرف اليوم بربيع دمشق والتي طالبت بتوسيع دائرة الحريات السياسية. التحركات الشعبية نابعة من وعي شعبي لم يعد يستجب للخطابات والبيانات والوعود التي يرددها الناطقون باسم النظام السوري بعد أن أصبحت الافعال لا الاقوال هي محط اهتمام الشعوب التواقة إلى الفعل لا الكلام.

الحكومة السورية رفعت حالة الطوارئ قانونيا ولكنها أبقتها عمليا لتثبت مرة تلو الاخرى انفكاها عن نبض الشارع ووعي الاجيال الشابة التواقة إلى الحرية والرافضة للصمت في وجه استشراء الفساد وتحكم الاجهزة الأمنية في حياة المواطن. وفي الوقت الذي تزداد الحاجة إلى توحيد الصف الداخلي واستنفار الطاقات الفتية وتحرير الارادة الشعبية من أغلال الخوف والعجز والتخبط نجد النظام السوري يزداد إصرارا على الحفاظ على الحالة الراهنة ورفض السير ولو خطوات يسيرة باتجاه الاصوات المنادية بالاصلاح.

الاعداد الكبيرة التي سقطت بين قتيل وجريح خلال التظاهرات التي خرجت اليوم في مختلف المدن السورية أظهرت التناقض الصارخ بين الحقيقة والادعاء. سقوط أكثر من ثمانين قتيلا اليوم أثناء المظاهرات السلمية التي أعلنت الحكومة يوم أمس أنها حق مشروع للمواطن السوري يشكل صفعة قاسية لكل الآمال التي علقها الكثيرون على الحكومة السورية الجديدة. كان من المفترض أن يمثل اليوم خطوة عملية في بناء الثقة بين الشعب وحكومته، لكنه انتهى بتعميق الشرخ بين المواطن والنظام السياسي الذي تباينت أقواله وأفعاله.

التحول الديمقراطي قادم لا محالة رغم شدة القمع وسياسة القبضة الحديدية، بل بسببها. فالحالة الراهنة التي يتشبث بها المستفيدون منها لا يمكن تكريسها والحفاظ عليها بعد أن استشرى سوس الفساد المالي والاداري في جسد النظام السياسي السوري. السؤال الوحيد المتبقي اليوم هو هل يتدارك النظام أخطاءه ويتراجع عن أوهام الخلود بعيدا عن الحراك الشعبي والارادة الوطنية، أم يتمادى في تعويله على أساليب قمع الاحرار واطلاق أيدي العابثين؟ الاجابة على هذا السؤال المهم ستحدد وجهة الحراك السياسي بين انتقال تدريجي ينتصر فيه الجميع، شعبا وقيادة، أو انزلاق مفاجئ يزلزل الحياة السياسية ويعيد ترتيبها وفق إرادة الشعب ورغما عن ممانعة النظام.

الحالة الراهنة زائلة لا محالة لأن إرادة الشعوب الحرة لا تهزم.

الشعوب الحرة لا تهزم.

ظهرت هذه المقالة في:

كلنا شركاء للوطن

مجلة المغترب

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: