إنهاء قانون الطوارئ خطوة أساسية نحو حراك سياسي ديمقراطي

دخلت التحركات الشعبية في سوريا أسبوعها الثاني في سياق الوعود التي قدمتها القيادة السياسية بزيادة مساحة الحريات المدنية المتاحة. الشعب السوري كغيره من شعوب المنطقة العربية تواق إلى تنشق اجواء الحرية بعد سنوات تحكمت خلالها المؤسسة الأمنية بكافة مرافق الدولة والمجتمع المدني. الأزمة التي تواجه القيادة السورية اليوم في تعاملها مع المطالب الشعبية هي ليست أزمة حريات فقط ولكنها  أيضا أزمة ثقة ناجمة عن تحكم القوى الأمنية المتنفذة التي لم تعدل من نظريتها الأمنية منذ خمسة عقود من التطور السياسي والاجتماعي والسكاني.

النظرية الأمنية المتبعة تقوم على منع المواطن من المشاركة في الحياة السياسية خارج دوائر حزب البعث الحاكم والتعامل مع كل من تسول نفسه انتقاد سياسات المؤسسات الحكومية وممارساتها على أنه عدو متربص، أو عميل خائن ، ومن ثم جعله أمثولة لكل من يفكر في السير في خطاه. وتستمد الاجهزة الأمنية شرعيتها من قانون الطوارئ الذي يعود تطبيقه إلى بدايات الستينيات. هذه المقاربة الأمنية التي تعتمد مبدأ زرع الخوف في المواطنين حولت الحراك السياسي في سوريا إلى حراك أمني، مما أدى إلى تدخل القادة الأمنيين في الحياة السياسية والمدنية والإعلامية، وبالتالي جعل الحياة العامة، بقصد أو من دون قصد، مرتعا خصبا لعبث العابثين. وأدى القمع السياسي إلى حالة جمود في المجتمع السوري على الاصعدة الثقافية والسياسية والإدارية والمالية مع غياب أي رقابة شعبية أو حرك سياسي تتنافس فيه الأحزاب والقوى السياسية لخدمة المواطنين وكسب تأييدهم.

المظاهرات السلمية التي نقلتها الفضائيات العربية والغربية، والتي دعت إلى محاربة الفساد وتوفير مناخ الحرية والتعبير وطالبت بوضع حد للاعتقال التعسفي الذي انتهى إلى اعتقال تلامذة مدارس دون سن التكليف والمسؤولية القانونية، تمثل نموذجا مهما للبون الذي يفصل  الحراك السياسي والحراك الأمني. أحداث درعا أتت نتيجة التعنت الأمني في التعامل مع مشاكل المواطنين وغياب الأطر القانونية القادرة على التعامل مع شكاوي المواطنين في الحالات التي تسيئ فيها الأجهزة الأمنية استخدام سلطتها. فقد حاول أهالي خمسة عشر تلميذا اعتقلهم رجال أمن الدولة طرق الأبواب الرسمية للتعامل مع المشكلة بما في ذلك باب المحافظ الذي أقيل مؤخرا بمرسوم جمهوري ورئيس مكتب أمن الدولة. ولكن محاولاتهم باءت بالفشل رغم تدخل بعض وجهاء المدينة ورؤساء العشائر في منطقة حوران للأفراج عن أطفال قصر لا يحق للأجهزة الأمنية مساءلتهم قانونيا، ناهيك عن اعتقالهم لأسابيع. واضح أن الهوس الأمني دفع جهاز أمن الدولة في محافظة درعا إلى استباحة اعتقال الاطفال لأنهم قاموا بكتابة تشعارات تدعو إلى إسقاط النظام، ربما محاكاة لما رأوه على شاشات التلفزيون السوري أو الفضائيات العربية التي غطت الثورة المصرية.

وبدلا من السماح للمواطنين السوريين بممارسة حقهم المشروع بتنظيم المسيرات السلمية وإعلان استيائهم من التجاوزات التي تقوم بها الاجهزة الامنية ومن ثم الدخول في حوار مع الناشطين السياسيين لتحقيق مطالبهم العادلة والمشروعة، لجأت قوى الأمن في محافظة درعا إلى استخدام القوة المفرطة والزخيرة الحية لتفريق المتظاهرين. مما أدى إلى سقوط العديد من القتلى والجرحى اختلفت المصادر الأهلية والحكومية حول عددهم، لكن الأرقام الأولية تظهر أن أعدادهم تقدر بالمئات. صحيح أن الأزمة السياسية التي تعصف في سوريا اليوم تأتي نتيجة تركمات طويلة وتتأثر بالحراك السياسي الديمقراطي الذي يعصف في الساحة العربية بأكملها. لكن المؤشرات السياسية تظهر بأن الشعب السوري لا يسعى بمجمله إلى إسقاط النظام، بل إلى إصلاحه وصولا إلى التعديدية الحزبية الحقيقية.

استجابة الحكومة السورية لا زالت مضطربة ومترددة، ربما لوجود خلاف داخلي بين القصر  الجمهوري وبعض المتنفذين من قادة الأجهزة الأمنية. إذ يبدو التضارب جليا في الاختلاف بين الرواية الصادرة عن مستشارة الرئيس بثينة شعبان التي أكدت وجود مطالب محقة لدى المتظاهرين، والرواية التي قدمتها أجهزة الأعلام السوري الرسمية والتي ألقت باللوم على جهات خارجية  وعصابات مندسة. الرواية الرسمية والتغطية الإعلامية السورية تتعارض كليا مع التغطية الاعلامية للفضائيات العربية ووكالات الانباء العالمية، ومنها رويترز، التي نقلت تصريحات وتقارير مصورة عن  شهود عيان تتناقض وتقارير الاعلام الرسمي السوري. كذلك نقل الاعلام العربي والغربي مداخلات قيادات محلية في درعا تؤكد استخدام اجهزة الأمن الذخيرة الحية لتفريق المتظاهرين، شملت مختار مدينة درعا محمد المحاميد والعضو السابق في القيادة القطرية لحزب البعث مصطفى رستم. ومما يثير الشكوك حول الرواية الرسمية رفض السلطات السورية السماح للإعلام الخاص والعربي تغطية التظاهرات موضع النقاش.

الخطوات التي اتخذتها القيادة السورية، كتشكيل لجنة للبحث في أحداث درعا، ومباردتها إلى الافراج عن عدد من المعتقلين في سجون الاجهزة الأمنية، إيجابية ولكنها غير كافية لنزع فتيل الاضرابات والفتنة. الخطوات الأساسية للسير في اتجاه الاصلاح السياسي المطلوب شعبيا تتحدد في ثلاث نقاط:  إلغاء قانون الطوارئ، وتعديل المادة الثامنة من الدستور للسماح بحق إنشاء احزاب سياسية، والافراج عن المعتفلي الرأي وإنهاء الاعتقالات التعسفية.

إن أزمة الثقة التي ولدتها التجاوزات الأمنية وأساليب الحرب الدعائية التي يمارسها الإعلام الرسمي تتطلب خطوات إصلاحية ملموسة تعيد العلاقة السليمة بين الشعب والحكومة. الخطوة الأولى المهمة هي إلغاء قانون الطوارئ وإنهاء العمل به. قانون الطوارئ لا يعطي الأجهزة الأمنية سلطات غير محدودة في الاعتقال دون محاكمة وحسب، بل أصبح سببا في انتشار الفساد في البلاد في أجواء يشعر فيها بعض المتنفذين بقدرتهم على خرق القوانين الدستورية دون حساب أو مساءلة. كما أضحى يشكل مصدرا لعدم الاستقرار الداخلي والمواجهة بين من يريد التحرك للتنديد بسوء استخدام السلطة من جهة، والاجهزة الامنية المكلفة وفق قانون الطوارئ بمنع كل أشكال التظاهر والاحتجاح من جهة أخرى.

وبالتوازي مع إلغاء قانون الطوارئ يجب على الحكومة في سوريا المبادرة إلى إنهاء أهم مفاعيل قانون الطوارئ بالافراج الفوري عن كل معتقلي الرأي وأسرهم التي طالبت سلميا بالافراج عن ذويها فكان مصيرهم الاعتقال والسجن. إن الشعوب الحرة هي التي تعتز بأحرارها المستعدين لانتقاد الممارسات الفاسدة عندما يختار الكثيرون الصمت. الطريقة المناسبة لمواجهة الرأي الخاطئ والدعاوي المغرضة هي في اللجوء إلى المؤسسات القانونية والمحاكمات المدنية العلنية والدستورية، وليس من خلال اللجوء الى القمع والاعتقال. الشعب السوري يتمتع اليوم بدرجة عالية من الثقافة والوعي السياسي، وهو لذلك قادر على التعامل مع الخلافات السياسية والتنوع الثقافي والديني بالحكمة أكثر من أي وقت مضى. فالسياسية الناجعة لقطع الطريق على المفسدين والمشككين والطائفيين والمخونين هو في إشراك أبناء الشعب السوري على اختلاف أطيافهم السياسية والثقافية والدينية في المسؤوليات العامة والعمل السياسي الوطني.

لقد تمكنت القيادة السياسية السورية من التعامل مع التحديات الخارجية بحكمة وصدقية أكسبتها احترام شريحة واسعة من المواطنين في سوريا وفي الوطن العربي الكبير. ونحن ندعوها اليوم إلى التزام الحكمة في مواجهة المطالب المشروعة لابناء الشعب السوري بممارسة حقوقهم السياسية والاجتماعية التي يحفظها الدستور السوري نفسه. الحرية السياسية ومشاركة المواطن السوري في صنع القرارات ومساءلة موظفي الدولة وممثلي الشعب في مراكز السلطة ومواقع المسؤولية حق مشروع في كل الأعراف السياسية والأخلاقية، وهو كذلك مصدر القوة السياسية لأي مجتمع وقاعدة صلبة تؤمن التماسك الداخلي المطلوب في المرحلة القادمة المليئة بالتحديات الثقافية والسياسية.

ظهرت المقالة في المنشورات التالية:

ميدل أيست أونلاين

كلنا شركاء في الوطن

Advertisements

الأوسمة:

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: