مبارك وقرار تكسير العظام

بعد أيام من الترقب الحذر، خرج الرئيس المصري المحاصر حسني مبارك ليعلن رفضه لمطالب الشعب المصري وليصب لجام غضبه على المطالبين بتنحيته عن الرئاسة. في خطاب بثه التلفزيون المصري وعد مبارك بإصلاحات سياسية، كما وعد بإجراء تحقيقات رسمية في قضايا الفساد على نطاق واسع ، لكنه أصر على البقاء على رأس السلطة والقيام بذلك بنفسه وبمساعدة الفريق السياسي المسؤول عن الفترة الرئاسية السابقة التي شاع فيها الفساد. وانهى خطابه بتهديدات بعضها مبطن وبعضها صريح، في توجه واضح نحو سياسة تكسير العظام. السؤال المطروح اليوم هو عظام من ستتكسر، عظام النظام الفاسد الساعي إلى البقاء مهما كان الثمن، أم عظام الشعب الثائر على فساد النظام وطغيانه؟

خطاب مبارك خطاب تعالٍ واستخفاف. فبدلا من الخروح إلى الشعب للتعبير عن أسفه وحزنه لسقوط ضحايا بين جموع المتظاهرين خلال الأيام السابقة، ألقى ديكتاتور مصر مسؤولية الاضطرابات الحالية وحالة الفوضى السياسية على أبناء الشعب المصري الذين انتفضوا انتفاضة رجل واحد ليعلنوا رفضهم الإستبداد والفساد، والذين خرجوا من بيوتهم وأعمالهم الى الشوارع ليؤكدوا نفاذ صبرهم بعد ثلاثين عاما من الانتظار. وقال مبارك في خطابه مشيرا إلى أحداث الأيام الخمسة الماضية إن التظاهرات قد تحولت “من مظهر راق ومتحضر لممارسة حرية الرأي والتعبير الى مواجهات مؤسفة تحركها وتهيمن عليها قوى سياسية سعت الى التصعيد وصب الزيت على النار واستهدفت أمن الوطن واستقراره باعمال اثارة وتحريض وسلب ونهب واشعال للحرائق وقطع للطرقات واعتداء على مرافق الدولة والممتلكات العامة والخاصة واقتحام لبعض البعثات الدبلوماسية على ارض مصر.”

وعلى الرغم بأن القتلى والجرحى (والذين تجاوزعددهم حسب التقديرات الأولية ال 200 و 1800 على التوالي) قد سقطوا في صفوف المتظاهرين المسالمين والعزل، المنتفضين للمطالبة بوضع نهاية لحقبة قوانين الطوارئ والانتخابات المزورة الفساد الإداري والمالي؛ وعلى الرغم من تورط قوات الأمن في إطلاق النار على المتظاهرين وفي جرائم القتل والبلطجة ؛ فقد وجه مبارك أصابع الاتهام إلى جموع المتظاهرين وقوى المعارضة السياسية، وتوعد بمعاقبة  من تسبب بالفوضى في تهديد مبطن يراد به التخويف والترويع، دون أي إشارة إلى التجاوزات التي قامت بها أجهزة أمن النظام المسؤولة مباشرة عن أحداث العنف.

لقد كان واضحا في خطاب الأمس أن مبارك لم يتعلم شيئا من الانتفاضة الشعبية التي شارك فيها الملايين من أبناء مصر الأبية،الذين  خرجوا مطالبين باستقالته ،ووضع حد للفساد المستشري، والتأسيس لنظام ديمقراطي حقيقي يقوم على أساس سيادة القانون. وقف مبارك أمام الشعب المصري ليقول بتنطع “إن أحداث الأيام القليلة الماضية تفرض علينا جميعا ، شعبا وقيادة، الاختيار ما بين الفوضى والاستقرار”.

من وجهة نظر مبارك فإن تحركات الشارع المصري الراغب في الحصول على حرياته السياسية والمدنية مدانة لأنها تؤدي إلى الفوضى، في حين أن سياسات الاستبداد بالسلطة وقمع الشعب هي وجه الاستقرار. أما الشعب المصري الثائر فإنه لا يرى الخيار الذي يواجهه اليوم خيارا بين الاستقرار والفوضى بل بين الاستبداد والحرية.

لا شك أن خطاب الرئيس مبارك يمثل محاولة ذكية ولكنها غير صادقة للخروح من الحفرة التي وجد نفسه فيها بعد 30 عاما من الحكم المطلق. فالرجل بلغت به الوقاحة  حد الادعاء أن السلطة لم تكون يوما مطلبا شخصيا من مطالبه، متناسيا كل الجهود التي بذلها خلال العقود الثلاثة المنصرمة لقطع الطريق على كل من تسول له نفسه التفكير بمنافستة على رئاسة الدولة، ومتناسيا أن تعلقه بكرسي الحكم دفعه إلى تجاهل جميع المطالب بتعيين نائب لرئيس الجمهورية  لخلافته حال عجز الرئيس الاستمرار في مهمامه.  تجاهل مبارك تشبثه القاتل بكرسي الرئاسة لا يبشر بخير لأنه يظهر أن الرئيس المحاصر في حالة انفصال كامل عن الواقع المحيط به، وأنه يأمل أن يتمكن من خداع الشعب المصري الذي عانى الكثير خلال سنوات حكمه الفاسد الذي استمر بضع عقود ضائعة من حياة الشعب المصري وملئية بالمعانة.

موقف مبارك هذا يدعونا إلى استنتاج أن أي مهلة إضافية يحصل عليها لن تمثل في حقيقة أمر سوى وقت إضافي يوظفه في تقويض قواعد الثورة القوية والفعالة التي تزلزل عرشه وتهدد بإنهاء حكمه، ويعمل خلاله على نقض المكتسبات المهمة التي حققها الشعب المصري العظيم وإعادة عقرب الزمن المصري والعربي إلى الوراء.

المحور الأساسي في خطاب مبارك تمثل في عبارته الختامية التي بين فيها بوضوح أنه قرر مواجه الشعب المصري والبقاء في كرسي الرئاسة على حساب إطالة أمد معاناة ابناء مصر ورمي البلاد والمنطقة برمتها إلى الفوضى والمجهول. فقد أنهى مبارك خطابه بتذكير الناس بأنه رجل عسكري وأنه ليس من  طبيعته التخلي عن “مسؤولياته”. وهذا يعني أن مبارك سارع إلى إطفاء بصيص الأمل في أن تكون

المواجهات بين النظام ومعارضيه قصيرة وسلمية، وفتح الباب على فترة عصيبة لا يمكن تحديد نتائجها وتداعياتها، ويمكن فقط الجزم بأن مبارك وأعوانه قد لجؤوا في نهاية المطاف إلى اعتماد المبدأ الذي اكتوت في أتونه القوى السياسية في مصر والعالم العربي لعقود طويلة، مبدأ كل شئ أو لا شئ.

ظهرت المقالة في المنشورات التالية:

ميدل إيست أونلاين

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: