رياح التغيير الديمقراطي تهب على العالم العربي

رياح التغيير الديمقراطي التي ضربت دولة زين العابدين بن علي القمعية في تونس تحولت خلال الأيام القليلة الماضية شرقا نحو مصر. فبعد عقود من الفساد وسوء الإدارة، التي وسمت الأنظمة العربية بمجملها في مرحلة ما بعد الاستعمار، حطم الشعب تونسي السقف الزجاجي الذي حجب صوته طويلا وأجبره على الخضوع لنزوات رأس نظامه السياسي واتخاذ وضعيات لا تتفق وكرامة الإنسان العربي الحر الأبي الذي يرنو إلى العلا والشموخ.

برّر بن علي خطته التي فرضت على مواطنيه مواقف مؤلمة ومخزية من خلال التأكيد على ضرورة المحافظة على وضعية الرضوخ السياسي من أجل تحقيق الرخاء الاقتصادي. واستفاق العالم صبيحة منتصف الشهر الحالي ليكتشف أن مظاهر الازدهار لم تعم جميع أبناء تونس، بل بقيت محصورة في أسرة الرئيس وحاشيته ومن لاذ بهم، الذين لم يجدوا حرجا في الإلقاء بشعب تونس الكريم والأبي إلى العراء غير عابئين بآلامه ومآسيه.

الحال في مصر لا تختلف كثيرا عن تلك التي دفعت بالشعب التونسي إلى الانتفاض، بل لعلها أشد ألما ومرارة. فمتوسط دخل الفرد في مصر يقل عن نصف  متوسط الدخل في تونس.  ومكاسب  الانفتاح الاقتصادي الذي بدأ في عهد أنور السادات انحصرت في ثلة قليلة من المتنفذين، في حين فشلت الدولة المصرية في توفير فرص عمل كريم لشريحة واسعة من الشباب الراغب في العمل. معدلات البطالة مرتفعة بين فئات الشباب الذين تلفظهم الجامعات والمعاهد العلمية إلى مكاتب التوظيف لينضموا إلى قائمة العاطين عن العمل. أما الملياري دولارا التي تتقاضها الحكومة المصرية من الامريكية فإنها لا تساهم في عملية التنمية الاقتصادية، بل إنها تصرف لتمكين الأجهزة الأمنية من السيطرة على المواطنين وحماية النظام، وتوظف لكم أفواه الناس ومنعهم من الأنين تحت وطأة المعاناة.

التطور الاقتصادي في هاتين البلدين العربيين اللتين تواجها رياح التغيير الديمقراطي لم يؤد خلال نصف قرن إلى انتعاش بين فئات المجتمع الفقيرة والمتوسطة نتيجة لانتشار الفساد وسوء الادارة. فالولاء للحزب الحاكم والمحسوبيات، لا الكفاءة، هما المعيار الرئيسي  في التعيينات السياسية والادارية. أما الفرص التجارية فمتوفرة فقط لمن لديه ارتباطات مالية مع مسؤوليين حكوميين أوعنده استعداد لبزل الرشاوى لتحقيق المآرب.

واضح أن صيغة التنمية الاقتصادية بعيدا عن الاصلاح السياسي التي تتبناها معظم الحكومات العربية قد أثبتت فشلها ولم يعد من الممكن الاستمرار فيها أو الدفاع عنها. فخطط تطوير الثروات الوطنية عبر الانفتاح الاقتصادي واعتماد سياسات الخصخصة والسوق الحرة  التي تنافح عنها النخب السياسية العربية، في حين ترفض دعوات الانفتاح السياسي والممارسة الديمقراطية، هي في حقيقتها ممارسات في تضليل الذات وذر الرماد في العيون. فالانفتاح الاقتصادي والسياسي يسيران جنبا إلى جنب ويكمل أحدهما الآخر. بل إن الانفتاح السياسي في أجواء الفساد السياسي والإداري شرط لنجاح التنمية الاقتصادية.ذلك أن التنمية الاقتصادية تفترض سيادة القانون والمساءلة السياسية ، وكلاهما مستحيل في ظل عدم وجود ديمقراطية حقيقية. ومع بروز أنظمة عربية في مرحلة ما بعد الاستعمار تسيطر الدولة  فيها على المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية في آن، لم يعد من الممكن الدخول في حوار وطني حول الاستخدام المشروع للسلطة السياسية أو مساءلة “المسؤولين” في  الحكومات العربية، وأصبحت طرق الفساد المالي والإداري مشرّعة أمام من تسول له نفسه توظيف سلطتة ومنصبه لتحقيق مصالح شخصية ومنافع ضيقة.

التطورات الأخيرة في تونس ومصر أظهرت بوضوح أن لا حكومة  عربية بمنأى عن رياح التغيير الديمقراطي في زمن انتشار التعليم الجامعي، والاتصالات المتقدمة، والنمو السكاني السريع. والسؤال المطروح اليوم على الساحة العربية لم يعد “هل”  ينتفض  الشارع العربي للمطالبة بالحريات السياسية والمشاركة في صنع القرار، ولكن “متى” يفعل ذلك؟ لقد أثبتت تونس ومصر للعالم كله أن الدول العربية ليست بمنأى عن التغيير الديمقراطي، فبعد عقود من السعي للتغيير بالجوء إلى أساليب التمرد المسلح، وماتبع ذلك من سفك دماء وخيبات أمل، قدمت تونس نموذجا جديدا للتغيير من خلال الاحتجاج السلمي والانتفاض الشعبي.

النموذج التونسي يقدم درسا هاما آخر. فبقدر ما تسرع الحكومات العربية إلى الاستجابة لمطالب شعوبها العادلة، بقدر ما تصان الأرواح وتحقن الدماء وتقل الخسائر البشرية والمادية في صفوف النخب الحاكمة والشعوب. ويبدو حتى الآن أن النظام المصري قد وعى هذا الدرس، ولجأ إلى أعتماد اساليب مكافحة الشغب بدلا من أعتماد القبضة الحديدية والقوة الغاشمة في التعامل مع جموع المتظاهرين. المطلوب من الحكومة المصرية اليوم أن تتخذ خطوات جادة لاستيعاب المطالب الشعبية والشروع في عملية التحول الديمقراطي. وعليها كذلك أن تعي أن عنادها في وجه مطالب الشارع المصري المشروعة ستؤدي لا محالة إلى تحويل رياح التغيير اللطيفة الى عاصفة هوجاء لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

رياح التحول الديمقراطي تهب على العالم العربي، وعلى الدول العربية استيعاب المطالب الشعبية واحترام إرادة شعوبها بدلا من مقاومتها أو التنكيل بها. وعليها أن تختار إما استخدام الطاقة الشبابة المتأججة لبناء نظام سياسي مربتط بهموم شعبه وملتزم بأمنه ورخائه وكرامته، أو تجاهل الكتابات الغاضبة على الجدران، وتأجيج الرياح إلى أن تتحول إلى عواصف مدمرة كاسرة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: