الحرية فعل أخلاقي

لؤي صافي: الحرية فعل أخلاقي

حواره وحيد تاجا

الفجر نيوز : 14 – 12 – 2009

أكد المفكر الإسلامي الدكتور لؤي صافي -مدير مركز التدريب والتنمية القيادية، بولاية إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية– أنمفهوم الحرية الشائع اليوم في الأدبيات السياسية مفهوم مستحدث لم تعرفه الأدبيات التراثية، منوهابأن الحرية التي شدد عليها القرآن هي حرية الفرد والجماعة المرتبطة بخيارات الفرد والمسئولية الكلية عن هذه الخيارات أمام الله أولا قبل أن تكون مسئولية أمام الأقران.

ورأى صافي -وهو سوري الأصل- في حوار مطول مع “مدارك” أن النص القرآني يجب ألا يقرأ على أساس أنه وثيقة دستورية لتنظيم الحياة السياسية لمجتمع محدود في إطار ثقافي وتاريخي معين، بل هو كتاب هداية لتحديد معنى الوجود وتوجيه الفعل الإنساني في الاتجاه الذي يحقق غاية وجوده.

واعتبر أن نموذج الحرية السياسية المنسجم مع الرؤية القرآنية هو الذي وضع أسسه رسول الله صلوات الله عليه وسلامه عندما أسس دولة المدينة، وهو ما يكشف عنه ميثاق مكتوب أورده ابن هشام في سيرته.
كما رأى أن الحرية تحولت إلى حالة مؤسسية في التاريخ الإسلامي، ولكن المنظور الحداثي (الذي يعتمده المسلم المعاصر لفهم الحراك السياسي والاجتماعي في المجتمعات الإسلامية التاريخية) يحول دون رؤية المؤسسات التي حفظت لأفراد المجتمع حريتهم، ذلك أن المنظور الحداثي يربط الحرية السياسية بالدولة الديمقراطية ومؤسساتها في المجتمع المعاصر.. وإلى نص الحوار:

الحرية والقرآن

* بداية ما مفهومكم للحرية من منطلق قرآني، لاسيما أنها “مفهوم” غربي لم تعرفه ثقافتنا العربية الإسلامية؟
– أتفق معك أن مفهوم الحرية الشائع اليوم في الأدبيات السياسية مفهوم مستحدث لم تعرفه الأدبيات التراثية؛ ذلك لأن الرسالة الإسلامية نزلت على مجتمع حر آثر البداوة وحياة الصحراء على المدنية رغبة منه في الاحتفاظ بحريته.

ولم تتحول مسألة الحرية إلى إشكالية سياسية مع انتقال الإسلام من صحراء العرب إلى أمصار العراق والشام ومصر والمغرب ذات التقاليد المدنية الضاربة بجذورها في عمق التاريخ، بل نجد أن التحول في اختيار الخليفة من التشاور بين أعيان المدينة إلى استبداد البيت الأموي ثم العباسي لم يؤد إلى الحديث عن حريات سياسية، بل نجد أنّ الحرية برزت باعتبارها إشكالية أخلاقية وتصورية، تركزت حول مسئولية الفرد الاجتماعية ومسائل الجبر والاختيار المشهورة في الأبحاث الكلامية.

ويعود ذلك في تقديرنا إلى أنّ التحدي الأساسي الذي واجهه المجتمع الإسلامي التاريخي لم يكن يوما تحديا مرتبطا بدولة مركزية تقيد حرية الفرد من جوانبها المختلفة، كما هو حال الدولة العربية الحديثة، بل تعلقت مشكلة الحرية في تأثير الفرد في الحياة الاجتماعية وأساليب الحياة التي روجت لها ونافحت عنها القوى الاجتماعية والفرق الدينية المختلفة.

لذلك تم طرح سؤال الحرية في سياق التسيير والتخيير: هل الإنسان مُسير أم مخير؟ أو بتعبير مكافئ: هل الفرد مسئول عن خياراته المرتبطة بالتقاليد وأساليب الحياة السائدة، وهل هو مطالب بالتصدي للانحرافات والقيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

الرسالة القرآنية توجهت إلى تحرير الإنسان من رؤية سحرية للعالم تربط مصير هذا الإنسان بآلهة للخير وأخرى للشر، وتمنحه رؤية توحيدية ترى أن العالم خاضع لإله واحد له الأسماء الحسنى، فهو المؤمن المهيمن العزيز الرحمن الرحيم السلام العدل الوهاب السميع البصير، إلى آخر الأسماء التي وردت في القرآن.. الرؤية التوحيدية التي منحها القرآن هي رؤية علمية، ترى في الكون اطرادا وانتظاما ناجما عن علم وتقدير وحكمة.

جاء الإسلام ليحرر الإنسان أولا منثقل التراكمات الدينية التاريخية التي تحولت إلى قيود وأغلال تحول بين الفرد وتحقيق غاية وجوده، فجاءت رسالة الإسلام لترفع عن الناس “إصرهم والأغلال التي كانت عليهم” وجاءت لتحرره كذلك من العبودية إلى الآباء، ومحاكاة الموروث، واتباع الأوائل اتباعا أعمى دون فقه أو فهم الأصول التي انطلقوا منها، والإسقاطات التي تعرضت لها “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ”. (البقرة 170)

كذلك حرص القرآن على تأكيد مسئولية الإنسان الفردية وتحريره من الارتهان إلى النزعات الأسرية والعشائرية والقبلية والقومية أيضا عند تعارض الموقف الجمعي للمجموعة السكانية التي ينتمي إليها مع مبادئ الحق والعدل والخير.

نعم أكد القرآن على أهمية التزام الفرد بمصالح الأسرة والمجتمع الذي ينتمي إليه، وشدد على مبادئ البر وتقدم ذوي القربى في الخير، لكنه طالب الفرد بإيثار الحق والعدل ولو أدى ذلك إلى التنديد بتجاوزات أقرب الناس إليه.

وبالمثل حرر القرآن الإنسان من الخوف، مؤكدا على أن الانتصار للحق والخزي للباطل، وأن أصحاب الانحراف “لن يضروكم إلا أذى” وأن الصراع بين الحق والباطل صراع أبدي وأن الله مع المحسنين، كما حرره من الظنون في معنى وجوده وطبيعة كرامته، فأكد القرآن على أن الإنسان كائن متميز في الكون، ذو رسالة مهمة في تاريخ الوجود تتحدد في كونه خليفة الله على الأرض المسئول عن إعمارها وتنميتها وإقامة العدل فيها.

الإنسان كما يؤكد القرآن ذو كرامة مرتبطة بإنسانيته لا بموقعه الاجتماعي، “ولقد كرمنا بني آدم” وهو ذو مكانة متميزة في نظام الكون، سخر الله له “ما في السماوات وما في الأرض”، وأمر ملائكته بالسجود له “وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم”، ولعن عدوه الذي رفض الاعتراف برسالته المتميزة في تاريخ الكون.
ومن هنا نجد أن الحرية التي شدد عليها القرآن هي حرية الفرد والجماعة المرتبطة بخيارات الفرد والمسئولية الكلية عن هذه الخيارات أمام الله الخالق الوهاب أولا قبل أن تكون مسئولية أمام الأقران.

* ولكن لفظ الحرية لم يردفي القرآن الكريم أو مشتقاته، فهل عدم الورود في النص التأسيسي له دلالة ما على موقع الحرية في منظومة الفكر الإسلامي؟

من المهم أن نؤكد بدءا على أن النص القرآني يجب ألا يقرأ على أساس أنه وثيقة دستورية لتنظيم الحياة السياسية لمجتمع محدود في إطار ثقافي وتاريخي معين، بل كتاب هداية لتحديد معنى الوجود وتوجيه الفعل الإنساني في الاتجاه الذي يحقق غاية وجوده.

حرص القرآن -كما ذكرت آنفا- على تشكيل أفراد قادرين على إقامة مجتمع إنساني فاعل عادل، وشدد على أن قدرة الإنسان على القيام بمهمة الخلافة تتطلب التزاما بمبادئ علوية أخلاقية تدفع الفرد إلى الفعل الإيجابي الخير ومواجهة الانحراف والظلم والعدوان، فالمجتمع الذي يتميز أفراده بالمسئولية الاجتماعية مجتمع حر، والفرد الذي يهتدي في قوله وفعله بالمبادئ العلوية إنسان حر.

ومن هنا تبدو مفارقة الحرية.. فالحرية في التحليل العميق نتيجة وليست مقدمة، وهي ثمرة وليست بذرة، وهي استحقاق وليست منحة، الحرية نتيجة للفعل المسئول والقول المسئول، الحرية ليست فعلا عشوائيا نابعا عن نزوة أو رغبة شخصية أو تأكيد للذات دون مراعاة للآخر، ولكنها فعل أخلاقي يحترم الحقوق ويرعى المصالح ويحفظ كرامة الإنسان.

وقد رفض الإسلام قيام مجتمع ينقسم أفراده إلى سادة وعبيد، وعمل على تحقيق الشروط الضرورية لقيام مجتمع حر عادل يتساوى في إطاره الجميع، عبر تأكيده على كرامة الإنسان ودعوته إلى احترام الخيارات الدينية للأفراد، ورفضه التعويل على السلطة والقوة في مسائل الاعتقاد والإيمان وتسميته ذلك فتنة، كذلك عمل على القضاء على علاقات الرق من خلال تحقيق شروط الحرية للرقيق وتأكيده على كرامته الإنسانية، وإعطائه الخيار في تحرير نفسه من خلال الاستكتاب وتخصيص حصة من حصص الزكاة لتحريره.. وهذا يؤكد أن المقاربة القرآنية لا تهدف إلى التنظير السياسي، بل إلى تشكيل مجتمع إنساني عادل عبر التفاعل الأخلاقي لأفراده.

* أذكر كتابا للدكتور سعيد رمضان البوطي بعنوان “حرّية الإنسان في ظل عبوديته لله”.. كيف نفهم هذه المقولة من خلال تعريفك لمفهوم الحرية؟

العبودية تعني الخضوع لإرادة عليا تتسامى على إرادة الفرد والجماعة، وقد ارتبطت هذه الإرادة العليا في كثير من المجتمعات السياسية التاريخية بالسلطة السياسية لفرد أو طبقة حاكمة، ولجأت النخب الحاكمة إلى إضفاء صفة الألوهية على رأس النظام لتكريس سلطة النظام المطلقة والحيلولة بين أفراد المجتمع السياسية والاعتراض على القرارات السياسية والإجراءات القانونية.

وقد جاءت الرسالات السماوية لترفض مجتمعات السادة والعبيد، ولتعلن أن العلاقة الطبيعية بين أفراد المجتمع علاقات إنسانية تقوم على أساس تساوي الناس بالكرامة الإنسانية، ولتؤكد على ضرورة خضوع الجميع لمبادئ الحق والعدل والخير التي هي فحوى الإرادة الإلهية.

فالإنسان المؤمن هو عبد لله؛ لأنه خاضع لإرادته العليا التي تدعو إلى تحرير الإنسان من أغلال العبودية لفرد أو نخبة من الناس وهو بالتالي إنسان حر لأن إرادته مرتبطة بإرادة عليا راغبة في تحقيق مصالحه الإنسانية، وهو خاضع لأحكام المبادئ التي آمن بها والتي تنبع من وجدانه وتتجه إلى تحقيق غاياته الكلية في الوجود.

الحرية والاختيار

* ولكنعمق الحرية هو رفع مستوى ممارسة المشيئة والاختيار-كما يرى عدد من الفلاسفة- فهل ترون أن الرؤية الإسلامية تفتح أبواب المشيئة والاختيار أمام المسلم ليمارس تلك المشيئة، أو هناك تقييد في رؤيتنا الفلسفية الإسلامية للحرية بهذا المعنى، من حيث إنه محاط بمجموعة من أقوال الفقهاء والعلماء التي تعيق تعامل المسلم مع مفردات الحياة المختلفة إلا من خلال “افعل ولا تفعل”؟

الرؤية الإسلامية تتشكل من تفاعل بين نصوص القرآن وتطبيقاتها في حياة الرسول من جهة، والواقع الاجتماعي بمشاكله وإشكالاته للنخب الثقافية والسياسية الساعية إلى تشكيل الحياة العامة بمقتضى المرجعية الإسلامية من جهة أخرى.

وقد رفض الإسلام عبادة الآباء باتباع التراث الذي تركوه دون النظر إلى الأصول التي انطلقوا منها أو الإسقاطات التي طرأت عليه عبر الاجتهادات التاريخية، فخصصته أو حولته عن المعنى الأصلي الذي جاء لتحقيقه.

الاعتماد على آراء العلماء المتقدمين دون فقه الأصول التي انطلقوا منها والأعراف التي قيدت اجتهاداتهم يمكن أن يولد قيودا شبيهة بالقيود التي أشار إليها القرآن الكريم في معرض الحديث عن سقطات بني إسرائيل.
الأمثلة كثيرة ولعلي أكتفي هنا بنظرة التعالي الديني والقومي التي شاعت بين العرب والمسلمين خاصة الملتزمين منهم، انطلاقا من فهم مجتزئ لقوله تعالى: “كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”، الفهم الشائع بين بعض دعاة الإسلام الناشطين يكاد يقارب في فحواه ادعاء بني إسرائيل أنهم “أبناء الله وأحباؤه”، بل نجد البعض يذهب إلى إعلان أن المسلم وحده حري برحمة الله وغفرانه محاكاة لقول الأولين: “وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى” (البقرة 111)
والقرآن صريح في أن البشر غير قادرين أو مخولين بالحكم على مصير الناس، وأن الله هو المرجع في هذا “وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ” (البقرة 113) القراءة السطحية لهذه النصوص قد تشعر المسلم أنه غير معني بهذا الخطاب؛ لأن المخاطب هم اليهود والنصارى في حين أن القراءة العميقة تطالب المسلم بالاعتبار بحال السابقين، وتجنب الوقوع في الإثم الذي وقعوا فيه.
التراث الإسلامي غني يحتاج كل عالم إلى فهمه ودراسته، لكن واجب العلم يقتضي النظر في المعاني لتمييز الخاص من العام، واستحضار السياق الاجتماعي والثقافي، والاستشراف بالمعاني الثاوية في الخبرة الإنسانية المتراكمة عبر القرون وأثر ذلك في فهم النصوص، فالاعتبار بالحدث التاريخي واحد من الأدوات التي اعتمدها الخطاب القرآني لفهم غايات الله في خلقه.

* ما هي برأيك نقاط الالتقاء والاختلاف لمفهوم الحرية من وجهة نظر قرآنية مع مفهومها من وجهة نظر المرجعيات الوضعية الأخرى؟

ثمة مفهومان أساسيان للحرية في الكتابات الوضعية الغربية، المفهوم البريطاني الذي قدمه “توماس هوبز” والذي يرى أنّ الحرية تفلت من القيود الاجتماعية، والمفهوم الفرنسي الألماني الذي طوره روسو والذي يؤكد على أنّ الحرية ناجمة عن التزام الفرد والمجتمع بالواجب.
يعرف هوبز الحرية قائلاً: “الحرية بمفهومها الصحيح هي غياب القيود الخارجية التي تحول بين الإنسان وفعل ما يمليه عليه عقله وحكمته”، بينما يدعو روسو إلى تطوير مفهوم آخر للحرية يقوم على تطابق إرادة الفرد وإرادة الجماعة السياسية، ففي كتابه الشهير “العقد الاجتماعي” سعى روسو إلى تحديد إشكالية الحرية بالجهد الرامي إلى تحديد البنية السياسية التي تحمي حقوق أفرادها وتسمح لهم بتحقيق إرادتهم المشتركة.
المفهوم الذي قدمه روسو وتابعه فيه الفلاسفة الألمان من أمثال كانط وهيجل يفترض تجانسا ثقافيا ودينيا بين أفراد المجتمع، إضافة إلى تطابق المصالح الشخصية لهؤلاء الأفراد، مثل هذا التطابق ممكن في إطار ضيق وبالتحديد في إطار مجتمع مغلق ينتمي أفراده إلى خلفية عرقية متجانسة، ويعتنقون ثقافة دينية لا تنطوي على أي انقسامات عقدية أو مدراس تفسيرية، وتتطابق فيه أحوال أفراده المعيشية.

ولعل الخلاف بين هذين النموذجين للحرية يفسر ولو جزئيا انفتاح النموذج البريطاني الأمريكي على التعددية الثقافية والدينية، وإصرار النموذج الفرنسي الألماني على التماثل الثقافي سعيا للإخضاع الديني السياسي.
نموذج الحرية السياسية المنسجم مع الرؤية القرآنية هو الذي وضع أسسه رسول الله صلوات الله عليه وسلامه عندما أسس دولة المدينة واعتمد ميثاقا مكتوبا أورده ابن هشام في سيرته، فقد أكدت الصحيفة على احترام الحريات الدينية لسكان المدينة ودعتهم إلى التعاون في إرساء أسس العدل وإقرار الأمن الداخلي، والتعاون على رد العدوان الخارجي، فهو نموذج يعطي الأفراد المساحة الكافية لتأكيد هويتهم الثقافية والدينية من ناحية، كما يمكن المجتمع السياسي من تحقيق إرادته المشتركة في إقامة العدل ودفع الظلم وحماية الأمن الجمعي.

الإعاقات المعرفية

*وبالتاليكيف يمكن أن نتجاوز الإعاقات المعرفية والموضوعية في ممارستنا للحرية في الرؤية الإسلامية؟

تمر المجتمعات الإسلامية بمرحلة صعبة في تاريخها الحديث تتسم بالاستبداد والإحباط والعجز، السمات الثلاثة المذكورة أعراض لمشكلات عميقة ذات بعد تاريخي تتموضع في الوعي الثقافي المشترك للأمة، هذه السمات ناجمة عن خضوع الوعي الثقافي للمجتمع العربي والإسلامي إلى ثنائيات متناقضة.

فالوعي الثقافي اليوم يجمع بين الجهل والتعالم، والفقر والإسراف، والخوف والتهور، والعجز والتكبر، والتدين والفساد… هذه المتناقضات لا تجتمع فقط وفق الفئات الاجتماعية التي تشكل المجتمع العربي الحالي وحسب، بل تجتمع أيضا على شكل مفارقات نفسية وأخلاقية في وعي أفراده.

فالمعوقات في تمظهراتها الاجتماعية والسياسية تتعلق بالتفاوت الطبقي والاستبداد السياسي والفساد الإداري، لكنها في حقيقة الأمر معوقات فكرية وأخلاقية، وبالتالي فإن المشكلة التي تواجهها المجتمعات العربية والإسلامية هي مشكلة بنيوية وثقافية وإيمانية في آن معا.

هي بنيوية لأن النظام السياسي والاجتماعي يفرض قيودا عشوائية لتكريس سلطة النخبة الحاكمة والفئات الاجتماعية المستفيدة؛ وهي ثقافية لأن الثقافة السائدة تدفع بالفرد إلى الهروب من المسئولية وإلقائها على الآخرين بدءا بالغرب ومرورا بالحكام وانتهاء بالأقران؛ وهي إيمانية لأن الإيمان تحول إلى شعائر وطقوس بعيدة عن الالتزامات الأخلاقية والممارسات الاجتماعية.

ورغم كل المعوقات والتحديات فإن من الحق أن نقول إن الصورة ليست قاتمة على الإطلاق، وأن ثمة مساحات عديدة مضيئة في الخارطة الثقافية والسياسية العربية والإسلامية، فمن دواعي الأمل التحولات الكبيرة التي تمر بها كثير من هذه المجتمعات مثل تركيا وإندونيسيا وماليزيا وإيران، ومن دواعي الأمل أيضا تشكل مساحات واعية وإن كانت محدودة التأثير في المجتمعات العربية، وفي مقدمتها فلسطين ولبنان والمغرب.
الحرية والمعصية

* كان أول شيء مارسه آدم عليه السلام بعد أن علمه سبحانه وتعالى الأسماء كلها هي الحرية، وكانت هذه الحرية في معصية الله، فهل كان أثّر هذا الحادث في الوعي الإسلامي بحيث أصبح يتوجس من الحرية ويخشى أن تصبح رديفا للخروج عن أمر السماء؟

لا أعتقد أن حَدَثَ هبوطِ آدم إلى الأرض له أي تأثير خاص على المسلمين، فالحادثة عينها واردة في الكتب المعتمدة عند أتباع الديانتين اليهودية والنصرانية، ولو كان لهذا الحدث من أثر فيجب أن يلحق أولا أتباع الديانة المسيحية التي تؤمن بالخطيئة الأولى التي حملها آدم معه إلى الأرض، والتي لا تزال تسم -فيما يرون- الإنسان إلى يومنا هذا.. في حين نجد أن القرآن يعلن بوضوح أن الله قد غفر لآدم خطيئته ولعن عدوه إبليس.
أما الدرس الذي يجب أن يتعلمه المسلم من تجربة آدم عليه السلام فيتحدد بأن الإنسان عرضة للخطأ وأن الله غفور رحيم، وكما قال الرسول الكريم: “كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”

والقرآن يؤكد مرارا وتكرارا أن الله يغفر الخطأ غير المقصود ولا يؤاخذ به، بل ويغفر الخطأ المقصود إذا تبعته توبة نصوحة، فالخطأ قرين الفعل والله يربط بين الإيمان والعمل، والقرآن ينقل لنا مشهد المواجهة بين الملائكة وأولئك الذين يبررون عجزهم وتخاذلهم بالضعف وقلة الحيلة: “إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا.” النساء97

* بناء على ما ذكرت لماذا لم تتحول قيمة الحرية لحالة مؤسسية في المجال العام بالخبرة الحضارية الإسلامية، حتى وإن تحولت بصورة أو بأخرى؛ فإن هذه الصورة كانت باهتة لدرجة أننا اليوم ندرك قيمتها وندرك فداحة تأثير غيابها؟

تحولت الحرية إلى حالة مؤسسية في التاريخ الإسلامي، ولكن المنظور الحداثي الذي يعتمده المسلم المعاصر لفهم الحراك السياسي والاجتماعي في المجتمعات الإسلامية التاريخية هو من يحول دون رؤية المؤسسات التي حفظت لأفراد المجتمع حريتهم، ذلك لأن المنظور الحداثي يربط الحرية السياسية بالدولة الديمقراطية ومؤسساتها في المجتمع المعاصر.

نعم لم يتمكن الرعيل الأول من المسلمين من تحويل ممارسات الشورى في العصر الراشدي إلى مؤسسة سياسية قادرة على تمثيل المجتمع الإسلامي المتنامي بسرعة كبيرة لا تزال تثير استغراب المؤرخين حتى يومنا هذا.

فلم يلبث النظام السياسي القائم على مبدأ الشورى طويلا حتى تحول إلى نظام وراثي تتداول فيه السلطة داخل دائرة البيوتات الحاكمة، بيد أن المجتمع الإسلامي التاريخي لم تعجزه الحيلة واستطاع أن يحد من سلطة مؤسسة الخلافة الوراثية، من خلال حصرها في مسئوليات الأمن والدفاع، في حين تولى المجتمع المدني بمؤسساته المختلفة مهام التعليم والصحة وغيرها.

كما أبقى المجتمع المدني سلطتي القضاء والتشريع في دائرته، وحرم مؤسسة الخلافة من القدرة على تحديد قيمة أموال الجباية؛ ليتولاها العلماء الذين ارتبطوا في الغالب بمؤسسات المجتمع الأهلي، وعلى الرغم من أن الخليفة والسلطان تولى سلطة تعيين قاضي القضاة، احتفظ المجتمع المدني بالقدرة على تدريب القضاة وإعدادهم علميا.

كما حافظ المجتمع الإسلامي التاريخي على الحريات الدينية والاجتهادية والفكرية، ومن يقرأ في التراث الفكري الإسلامي يلحظ التنوع الفكري والاجتهادي الكبير، خاصة في فترات النهوض والحضارة في القرون السبعة الأولى.

* ولماذا ارتبط الحديث عن هذه القيمة في إطار العقيدة والاجتماع بمستواه الخاص وليس في إطار الاجتماع الإنساني على مستواه العام؟

أبدا ياسيدي.. من قال هذا؟! فنظرة سريعة إلى كتابات العديد من رواد المعرفة الإسلامية تظهر أن الحديث عن مسئولية الإنسان وأخلاقياته اتسمت ببعد إنساني، ويبدو البعد الإنساني في كتابات العلماء المسلمين في مؤلفات ابن أبي الدنيا وابن سينا وابن رشد وابن خلدون والعز بن عبد السلام والرازي والشاطبي وابن عربي وغيرهم، بل تجد البعد الإنساني واضحا في كتابات وأشعار الاتجاهات الصوفية، من مثل السهروردي وجلال الدين الرومي.

* أيضا لماذا لم تتبلور هذه القيمة في إطار تقييم السلطة وأدائها، وضمن إطار منهج الخلافة الراشدة في قول كلمة الحق للسلطان؛ مما يدخل في دائرة الحرية في التعبير والنقد؟

الإشكالية السياسية الكبرى في التاريخ الإسلامي تركزت في غياب آليات رسمية لتداول السلطة وتقييم أدائها، رغم امتلاء الأدبيات السياسية والفقهية بتقويمات وشروحات لحدود السلطة.

بل إن كتب الأحكام السلطانية تجاهلت كليا الواقع العملي وقدمت نظرية للإمامة (أو الخلافة) تقوم على عقد بين الإمام (الخليفة) وأصحاب الحل والعقد، المشكلة العملية أن أصحاب الحل والعقد كانوا من أمراء الجيوش وزعماء القبائل القوية القادرة على النفير بعدتها وعتادها.

عملية اتساع الدولة وغلبة القبلية على المدينة حالت دون تطوير بنية سياسية مدنية وكرست هيمنة القبيلة على الحياة السياسية، لكن المشكلة التي واجهت المجتمع السياسي العربي والإسلامي لم تكن مشكلة حرية سياسية بمعناها الواسع، بل مشكلة الفوضى السياسية على مستوى تداول السلطة والحاجة إلى اعتماد القوة لتغيير الحاكم لدى انحرافه أو عجزه عن القيام بتبعات منصبه.

وبالتأكيد لم يكن لدى المجتمع السياسي الإسلامي آليات للاعتراض على قرارات الحاكم، بل إن انتقاد الحاكم أو مخالفته كثيرا ما كانت تعود على أصحابها بالأذى الذي يشمل السجن أو القتل، ولا زال الحاكم في الثقافة والممارسة السياسية العربية فوق النقد والمساءلة حتى يومنا هذا.
مدارك
14-12-2009

المصدر: http://www.turess.com/alfajrnews/23810

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s