لا نهضة بدون رسالة إنسانية

حوار – وحيد تاجا / نشرت في مدارك بتاريخ 20-10-2009

ثمة خطاب سياسي مهيمن يربط التوسط والاعتدال بالمنظومة الحداثية الغربية المهيمنة ومن دار في فلكها ويربط التطرف بالمنظومات المغايرة، هذا ما أكده د. لؤي صافي المفكر الإسلامي الأمريكي السوري الأصل في حواره مع موقع “مدارك”؛ حيث أكد أيضا أن “سمتي التوسط والتطرف تستخدمان من قبل البعض لتكريس مواقف وأفكار أساليب الحياة المرتبطة بالنظام العالمي المهيمن وتهميش المواقف والأفكار وأساليب الحياة المغايرة”.

ويرى صافي أن التوسع الدلالي لمفهوم الوسطية نقل مفهوم الوسطية الأخلاقي من الفرد إلى الجماعة نقلة مهمة في تاريخ العلاقات الإنسانية، إذ أدى إلى تحكيم القيم الأخلاقية في الفعل السياسي، وهو ما يؤدي إلى تعديد الوسطيات.

ورأى صافي أن الوحي يشكل منعطفا في تاريخ التطور الإنساني؛ لأنه أنهى الفصام التاريخي بين الفعل السياسي والفعل الأخلاقي، ووضع الحياة السياسية تحت غطاء القيمة الأخلاقية، ويؤكد أنه لا إمكانية لنهوض أي مجتمع إنساني لا يحمل رسالة إنسانية.

والدكتور لؤي صافي هو المدير التنفيذي لمركز التنمية القيادية في ولاية إنديانا الأمريكية، وعضو مؤسس في مجلس إدارة مركز دراسة الإسلام والديمقراطية، وعضو مجلس إدارة جمعية علماء الاجتماعيات المسلمين.

مفهوم الوسطية

* الوسطية.. مفهوم ومصطلح يتعرض لعمليات اختطاف واستحواذ واتهامات كثيرة في وقتنا الحاضر.. في البداية ما مفهوم ودلالة الوسطية عندكم في ظل المحاولات السابقة؟

– مصطلح الوسطية المستحدث مرتبط بمفهوم قديم هو مفهوم الاعتدال، ولعل أولى الكتابات التي تناولت مفهوم التوسط بإسهاب تلك التي خطها أفلاطون متابعا فيها أستاذه سقراط؛ واعتبرها أفلاطون -ومن بعده فلاسفة الإغريق- واحدا من الفضائل الأربعة: الحكمة والعدل والشجاعة والاعتدال؛ فالوسطية تعني اتخاذ موقف وسط بين موقفين متطرفين، أو اختيار حالة وسط بين حالتين متقابلتين.

كما أن الوسطية مفهوم مرتبط بالمصطلح القرآني الذي ربط الاعتدال بالجماعة ولم يقصره على الفرد؛ إذ يسم القرآن الكريم الأمة التي يتمثل أفرادها القيم الأخلاقية العليا التي وضحها الوحي الكريم بالوسطية: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا” (البقرة 143).

وقد قام القرآن بنقل دلالة مفهوم التوسط الأخلاقي من الفرد إلى الجماعة دون أن يلغي أهميته على مستوى الفعل الفردي، وربط هذا التوسع في معنى التوسط بمهمة الشهود الإنساني، كما رفض الرسول المصطفى عليه صلوات الله وسلامه الغلو في الدين وحذر المسلمين منه، “إياكم والغلو في الدين”، متابعا في ذلك الخطاب القرآني الموجه إلى أهل الكتاب: “قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم…”.

كما مثل التوسع الدلالي الذي نقل مفهوم الوسطية الأخلاقي من الفرد إلى الجماعة نقلة مهمة في تاريخ العلاقات الإنسانية، إذ أدى إلى تحكيم القيم الأخلاقية في الفعل السياسي؛ فكما أن الفرد مطالب بالاحتكام إلى مبادئ الصدق والعدل والرحمة في فعله الفردي؛ فإن الجماعة السياسية مطالبة بالاحتكام إلى المبادئ عينها في سياساتها وقراراتها وأفعالها.

لذلك يمثل الوحي الإسلامي منعطفا مهما في تاريخ التطور الإنساني لأنه أنهى الفصام التاريخي بين الفعل السياسي والفعل الأخلاقي، ووضع الحياة السياسية تحت غطاء القيمة الأخلاقية، ونقل الوجدان الإنساني من الرؤية الدينية التي تفصل الحياة الأخلاقية الدينية والحياة السياسية المدنية، أو بين مملكة الإنسان ومملكة الله في الكتابات الدينية التاريخية.

كما أعطى الوحي الإسلامي الوسطية بعدا دلاليا جديدا حين أكد على حق أصحاب الديانات المغايرة، كاليهودية والمسيحية والصابئة، بالعيش الكريم بين المسلمين، وحفظ لهم حرياتهم الدينية، وأسس لمجتمع جديد يعيش فيه المسلم المسيحي واليهودي والهندوسي جنبا إلى جنب في سابقة لم تتمكن أوروبا من تحقيقها إلا مع مطلع القرن الميلادي الثامن عشر، أي بعد ألف سنة من ظهور الإسلام.

* هل الوسطية موقف ورؤية واحدة أم من الممكن أن تكون هناك وسطيات داخل الرؤية الإسلامية؟

– الوسطية واحدة على مستوى الرؤية الأخلاقية الكلية؛ ولكنها متعددة على مستوى الفعل الاجتماعي؛ فالعدل والصدق والمساواة واحترام الحقوق ومساعدة الفقير والمحتاج والدفاع عن المظلوم قيم كلية مرتبطة بمفهوم الوسطية، وهي قيم مستقلة عن الخصوصيات الاجتماعية والثقافية والتاريخية، مطلوبة في كل مجتمع.

لذلك عند تحويل هذه القيم إلى واقع اجتماعي وسياسي مرتبط بخصوصيات المجتمع بالتالي يمكن أن تأخذ أشكالا متعددة، أي أن تتمظهر على شكل وسطيات عديدة لإظهار تعدد مظاهر الوسطية.

لقد كان حكم عمر بن الخطاب في القضاء في الضوال حينما أتاه ثابت بن الضحاك الأنصاري وأخبره أنه وجد بعيرا بالحرة فأمسكه فأمر عمر أن يعرفه ثلاث مرات فقال له ثابت: إنه قد شغلني عن ضيعتي، فقال له عمر أرسله حيث وجدته”.

بيد أن الحكم اختلف في عهد عثمان بن عفان فقد روى مالك عن ابن شهاب قوله: “كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلاً مؤبلة تناتج لا يمسها أحد حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها”.

قد يبدو الأمر مخالفا للسنة لأنه خالف رأي الرسول في النهي عن عقل الإبل وذلك لمن يرى أن اتباع السنة محاكاة لفعل رسول الله دون فقه لمراميه، فالأمر بإمساك الإبل معارض للأمر بإطلاقها، لكن المدقق للقواعد التي انبنى عليها حكم الخليفة الراشدي الثالث يرى أنها عين القواعد التي انبنى عليها حكم رسول الله حين نهى عن التقاط الإبل.

فقد رأى عثمان رضي الله تعالى عنه أن ترك الإبل طليقة يحول دون الانتفاع بها بعد أن تكاثر عددها في عهد عمر بن الخطاب وأصبحت، كما روى ابن شهاب، “إبلاً مؤبلة تناتج لا يمسها أحد”، أي تتوالد دون أن يعرف لها مالك، ويعود تكاثر ضوال الإبل في ولاية عمر في تقديرنا إلى انتقال قبائل برمتها من الحجاز ونجد إلى العراق وخرسان والشام ومصر مع الفتح وامتداد سلطان المسلمين خارج الجزيرة وتخلف أعداد من الإبل في أحيائها القديمة من جهة، واستتباب الأمن والالتزام بالأخلاق السامية التي دعا إليها الإسلام -وفي مقدمتها حفظ الحقوق- من جهة أخرى؛ لذلك أمر عثمان ببيعها والاستفادة من أثمانها في تنمية ثروة المسلمين، بدلاً من تركها تتوالد وتموت دون أن ينتفع بها أحد، ولو تمسك بظاهر حديث النهي عن التقاط الإبل لخالف سنة رسول الله لتضييعه أموال المسلمين وثرواتهم.

واضح في المثال السابق أن المبدأ الكلي الواحد، وهو في هذا المثال أحقية المالك الأصلي في حفظ المال من الضياع، طبق بأشكال مختلفة نتيجة لاختلاف الظروف الاجتماعية، وبالتالي فإن تطبق التصور يحتمل التعدد وفقا للواقع الاجتماعي السائد، ويتزايد الاختلاف الاجتهادي لتطبيق المعايير الإسلامية مع تزايد الفروقات الواقعية وتعدد القيم والمبادئ ذات الدلالة على الواقع المعني.

* هل للوسطية ملامح وسمات ومعايير من الممكن رصدها وقياس مدى الانحراف أو الاقتراب منها؟

– نعم.. للوسطية ملامح وسمات جلية لا يخطئها صاحب بصيرة، من سماتها انتشار العلم وغياب الجهل، واحترام الحقوق ورفض الظلم والعدوان، والصدق في التعامل ورفض الغش والاحتيال، والجد والاخلاص في العمل ورفض الكسل والتقاعس، والوفاء بالوعود والعقود، والاحتكام إلى قوانين عادلة، ومحاسبة أصحاب الحول والطول ومن هم في موقع المسئولية وإخضاعهم لأحكام القانون، واحترام الاختلافات الدينية والعرقية والقومية ورفض التحكم والاستبداد.

الوسطية والرؤية الإسلامية

* في الرؤية القرآنية ربط بين الوسطية والشهادة على الناس وهو ما يجعل الوسطية مسئولية ملقاة على كاهل الأمة وليس صفة بلا استحقاقات.. فكيف ترون العلاقة بين الوسطية والشهادة على الناس؟

– الوسطية التزام أخلاقي ديني والشهادة فعل سلوكي اجتماعي يتمثل بالعمل وفق المبدأ والتصور، وتحقيق الإيمان في واقع الحياة، هذا هو المعنى الأولي المستقى من الآية التي تصف الأمة بالوسطية: “وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا”. فشهادة الرسول على الناس تمثلت بعمل الرسول بمقتضى توجيهات الوحي والتزامه قيم القرآن ومبادئه، هذا التمثل الكامل للتوجيه القرآني هو الذي دعا عائشة رضي الله عنها إلى ربط سلوكه بالكتاب حين سئلت عن خلقه، فأجابت: “كان خلقه القرآن”.

فالقرآن يدعو الأمة إلى التحول إلى مثال يحتذى في الخلق والعمل لتصبح رائدة إلى الحق والخير، كما كان الرسول رائدا في ذلك. إنها دعوة خالدة إلى أجيال المسلمين إلى الالتزام والفعل والريادة. وهي بالتالي دعوة إلى الجد في العمل والتضحية لإحقاق الحق والعدل لتحويل المبادئ السامية التي دعا إليها الإسلام، من صدق وعدل ورحمة وتسامح، إلى ممارسات عملية وتقاليد اجتماعية، وهي كذلك تحميل للأمة مسئولية القيام بمهمة الإصلاح التي أنجزها الرسول كلما عم الفساد وتخلف المجتمع.

* هل ترون أن الوسطية هو موقف مبدئي في الرؤية الإسلامية أم مشروع لابد أن تحققه الأمة لتطل به على ذاتها وعلى الإنسانية جمعاء؟

– كما ذكرت آنفا الوسطية دعوة إلى الإصلاح كلما استشرى الفساد، وإلى العدل كلما عم الظلم، وإلى التعاون والاهتمام بالمجتمع كلما تورمت الـ”أنا” الفردية وقدمت المصالح الفردية على المصالح الاجتماعية والحقوق العامة.

ومن هنا فإن الوسطية موقف مبدئي متجدد بتجدد الحياة وتعاقب الأجيال وتغيير العادات، التجديد سنة كونية لا تستثني مجتمعا إنسانيا، وتقادم الزمن ينسي الناس غايات الاجتماع الإنساني ويدفع بهم إلى الركون إلى الأرض ونسيان رسالة السماء، وبالتالي فإن الوسطية مشروع متجدد كما أنه موقف مبدئي.

كما أنني لا أرى إمكانية نهوض أي مجتمع إنساني لا يحمل رسالة إنسانية، وأقصد بذلك رسالة تتعالى فيها القيم الإنسانية التي دعت لاحترامها الرسالات السماوية فوق المصالح الآنية والمطامح الشخصية، وهذا سر نهوض كل المجتمعات التي التزمت الرسالات السماوية، فقد نهض المجتمع العبري تحت قيادة طالوت وبلغ أوج مجده تحت زعامة داود وسليمان عليهما السلام عندما التزمت نخبه القيادية بالرسالة السماوية، ولكنه تاه في الصحراء عندما رفض التزام القيم الكلية التي حملها إليه موسى عليه السلام محفورة في ألواح صخرية.

كذلك ظهر المجمع الإسلامي عندما حمل الرسالة رسوله التي حدد القرآن غايتها الإنسانية الكلية، فوصفها بأنها “رحمة للعالمين”.

وقد بدأ المجتمع الغربي الحديث نهضته الحديثة إبان الإصلاح الديني الذي حرر الإنسان الغربي من هيمنة الطبقة الكهنوتية باسم الدين، وأسس لتقاليد اجتماعية جديدة تقوم على المساواة بين الناس واحترام الحقوق وتقدير العلم والمعرفة.

والأمة تملك اليوم إمكانية ظهور حضاري جديد إذا ما التزمت مرة أخرى بقيم الرسالة الإسلامية التي تشدد على الجهد الوحيد الذي يستمر بعد زوال أصحابه هو ذاك الذي أريد به المنفعة العامة أو منفعة الناس، لا المنفعة الشخصية الضيقة: “كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

* هل الوسطية اتجاه إنساني ونزوع بشري نحو الاعتدال صاغه الإسلام في رؤيته باعتبار أن الرؤية الإسلامية في جوهرها رؤية إنسانية؟

– الوسطية موقف أخلاقي متوازن، وبالتالي فهي نزعة إنسانية لأن ما يميز الإنسان هو نزوعه الأخلاقي، أي قدرته على تغليب المبدأ الكلي على المصلحة الآنية، والمصلحة الآنية هي في جوهرها نزعة حيوانية، وأقصد بهذا الرغبة العارمة بتلبية احتياجات النفس والجسد بعيدا عن أي ضابط متعالٍ عن تلك الاحتياجات؛ فالالتزام الأخلاقي هو المعيار الذي يميز الإنسان ويمنحة الكرامة التي تميزه عن غيره من الأحياء.

كما أن الرسالة الإسلامية جعلت الوسطية صفة للأمة والإنسانية (أو العالمية) صفة لرسالة صاحبها: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.. ورسالة الرحمة التي شدد عليها القرآن هي رسالة الأمة الوسط أساس شهادتها، وهي وجه الشبه بين شهادة الرسول وشهادة الأمة، فكما كان رسول الله رحمة للناس في حله وترحاله، لزم للأمة التي تنتمي إليه أن تكون كذلك لتحقق معنى الشهادة.

واقع الأمة اليوم بعيد كل البعد عن معنى الوسطية على مستوى الفعل المحلي الوطني، ناهيك عن المستوى الإنساني؛ فهي تعاني من الفقر والمرض والتراجع العلمي والصناعي، كما تعاني من الفرقة السياسية والتفاوت الاجتماعي؛ فنجد دولة متوسطة الأداء من دول الاتحاد الأوروبي مثل إسبانيا يزيد معدل إنتاجها السنوي عن المجموع الكلي لدول الجامعة العربية؛ بل إن الأمة تعاني من تمايز معيشي بين أبنائها حتى لتكاد تغيب الطبقة الوسطى عن مجتمعاتها، فتقسم إلى ثلة من الأغنياء المترفين وكثير من الفقراء المحرومين. أمة هذه حالها لا تستطيع أن تتقدم لتحتل موقع الشهادة على الناس حتى تصلح شعثها وتغير ما بأنفسها وتتعالى عن الحال التي وصلت إليها.

الوسطية والمشروعات الغربية

* هل ترون في تقاطع الوسطية مع بعض مفردات المشروعات الغربية في المنطقة وخاصة المشروع الأمريكي مدعاة للتخلي عن بعض مقولاتها ومواقفها؟

– المجتمع الغربي المهيمن مدعاة لمفارقات القيمية والاجتماعية، كحال كل المجتمعات الإنسانية، ولا يوجد مجتمع إنساني كامل، فكل مجتمع إنساني يحمل بين ثناياه أمثلة من الرفعة والوضاعة.

كذلك المجتمع الأمريكي يشمل المصلح والمفسد، من يؤمن بخضوع الحاكم والمحكوم لسلطة القانون ومن يعمل على خرق القانون لتحقيق مصالح شخصية ضيقة، كما يشمل من يؤمن بتساوي الناس بالحقوق والكرامة، ومن يميز بينهم على أساس ديني أو عرقي أو ثقافي ويسعى إلى تغليب فئة على أخرى، واستعباد فئة لأخرى.

السياسة الأمريكية مليئة بالمفارقات وهي بعيدة تماما عن الوسطية وذلك لأنها تساند الظالم ضد المظلوم وهذا واضح في تعاملها مع القضية الفلسطينية، فهي تحتكم إلى قيم العدل والمساواة والقانون في دائرة السياسة المحلية الداخلية، في حين تجعل المصلحة القومية قيمة مطلقة في تعاملها مع المجتمعات الأخرى، وتقديم تحقيق مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية على حقوق الشعوب بل وكراماتهم، وكذلك نجد القيادات السياسية الأمريكية تحترم مبدأ التداول السلمي للسلطة وفق إجراءات ديمقراطية؛ لكنها لا تتوانى عن دعم الأنظمة الاستبدادية الموالية ومحاربة الأنظمة الديمقراطية المنافسة.

ولعل السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط نموذج واضح لتضارب السياسة الأمريكية وازدواج المعايير التي تحكمها، هذا الازدواج يتعلق بطبيعة الحال بالقوى السياسية الداخلية، وبهيمنة جماعات الضغط الصهيونية المتطرفة على القرار السياسي المتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي.

كذلك فإن الوسطية رفض للفساد ودعوة إلى محاسبة القيادات السياسية، والدفاع عن حق المواطن في اختيار من يمثله في دوائر القرار السياسي، والمجتمعات العربية والإسلامية تعاني من الفساد وضياع الحقوق وتسلط أصحاب القوة والثروة، وبالتالي فهي بعيدة عن الوسطية كل البعد، بينما تقترب المجتمعات الغربية منها بإقامة دولة القانون ومحاسبة أصحاب السلطة.

وبالتالي فإن الحكم الصحيح على الأمور يتطلب تحكيم المعايير الكلية الثابتة لا التعويل على المواقف الإنسانية المتبدلة، وهذا يتطلب بطبيعة الحال مستوى من الوعي الأخلاقي والاجتماعي والسياسي المتقدم، وإلى قيادة فكرية وسياسية واعية تميز بين الحق من جهة وبين أصحابه ومدعيه من جهة أخرى.

* محاولات الاختطاف والتوظيف التي تتعرض لها الوسطية تحتاج إلى تفسير سيسيولوجي لمحاولات الاستحواذ؟

– أتفق معك بأن ثمة خطابا سياسيا مهيمنا يربط التوسط والاعتدال بالمنظومة الحداثية الغربية المهيمنة ومن دار في فلكها ويربط التطرف بالمنظومات المغايرة، وسمتي التوسط والتطرف تستخدمان من قبل البعض لتكريس مواقف وأفكار أساليب الحياة المرتبطة بالنظام العالمي المهيمن وتهميش المواقف والأفكار وأساليب الحياة المغايرة.

ومن هنا نجد، على سبيل المثال، أن الخطاب السياسي الصادر من الغرب يقسم دول المنطقة العربية إلى دول معتدلة ودول متطرفة بناء على طبيعة العلاقة التي تربطه به؛ فيسمي الدول التي تتفق مع سياساته بالمعتدلة بينما ينعت تلك التي تخالفه بالمتطرفة، وكما تصنف الدول تحت عناوين الاعتدال والتطرف كذلك تصنف الجماعات السياسية والدينية بالتوسط والتطرف وفق قيمها ومعتقداتها السياسية والدينية.

كما أن تقسيم الدول والجماعات والأفراد إلى “معتدل” و”متشدد” لا يقتصر بطبيعة الحال على المنظومة الحداثية، بل لا نكاد نجد جماعة إنسانية إلا وتعتمد تقسيما مشابها للتمييز بين قيم ومواقف وأساليب حياة الجماعة السكانية المهيمنة وتلك التي يعتمدها أفراد ومجموعات سياسية مغايرة لها، التقسيم في حقيقته ليس ثنائيا بين “التوسط” و”التشدد”، بل ثلاثي، لأنه يشمل الطرف النقيض للتشدد، أي “التحلل”.

بيد أنه من المهم أن نلاحظ أن التقسيم في حقيقته تقسيمان، يرتبط أحدهما بالمنظومة الأخلاقية المعيارية بينما يتعلق الآخر بالكيانات الاجتماعية؛ فقد يكون المرء متوسطا اجتماعيا ومتطرفا أخلاقيا، أو متوسطا أخلاقيا ومتطرفا اجتماعيا، فالرعيل الأول من المسلمين أخذوا موقفا أخلاقيا مخالفا للعرف الاجتماعي السائد في الجزيرة العربية إبان ظهور الإسلام جعلهم يحتلون موقعا اجتماعيا متطرفا، ليصبحوا بعد عقدين من الزمن في موقف اجتماعي وسطي؛ فهل تغيرت القيم الاجتماعية التي حملوها ودعوا إليها وعملوا بها؟ بالطبع لم تتغير، ولكن الذي تغير أن قيمهم أصبحت القيم الميهمنة في المجتمع بعد أن كانت قيما بعيدة عن الوسط الاجتماعي.

أيضا الموقف الإسلامي الأخلاقي لم يتغير خلال العقدين اللذين شهدا تغييرا اجتماعيا كبيرا، بل بقي موقفا وسطا بين طرفين: التشدد الذي رفضه الإسلام وأسماه “غلوا” والتحلل الذي أسماه “فسوقا”.

وبالمثل نجد أن القيم التي تبناها رواد النهضة الغربية الحديثة التي أسست لمجتمع ديمقراطي تخضع فيه السلطة السياسية للرقابة الاجتماعية في مطلع القرن السابع عشر الميلادي كانوا خارج التوسط الاجتماعي، واعتبروا من المنبوذين اجتماعيا قبل أن تتحول مبادئهم إلى عرف سائد في المجتمع الغربي الحديث؛ فنجد رائدا من رواد الحداثة الغربية، جون جاك روسو، ينظر إليه بدءا على أنه متطرف منبوذ على المستويين السياسي والاجتماعي في الثقافة الغربية السائدة في مطلع القرن السابع عشر، ليعد بعد ذلك بقرن رمزا من رموز الثقافة الغربية الحديثة.

* لماذا ينظر البعض إلى الوسطية وكأنها مصطلح سيئ السمعة تبعا لمواقفهم السياسية وربما الثقافية؟

– الأمر يتعلق بطبيعة التحالفات السياسية في المنطقة، وبالتوظيف السياسي الذي طرحته في السؤال السابق، فالنخبة السياسية في الدول الغربية عموما، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، تسعى إلى جعل المنطقة العربية منطقة نفوذ غربية وتعمل على تهميش القوى السياسية الممانعة للنفوذ الأمريكي، لذلك نجد أن الصحافة الأمريكية، مثلا، تنعت الدول الموالية للسياسة الأمريكية بالتوسط وتسمي الدول المخالفة لتلك السياسة بالتطرف، فإيران وسوريا تمثلان التطرف في المنطقة العربية في التقارير الصحفية الأمريكية لدعمهما لحماس وحزب الله، في حين تمثل السعودية ومصر والأردن نموذج التوسط.

من هذا يتضح أن الحكم بالتطرف والتوسط لا يتعلق بتحليل للقيم السائدة في هذه المجتمعات، أو بطبيعة النظام السياسي ومقدار قربه وبعده عن احترام حقوق الإنسان واعتماده الممارسات الديمقراطية، بل بدعم السياسة الأمريكية أو رفضها.

بالمثل نجد البعض يصف السلوك الاجتماعي القائم على التقاليد الدينية بالتطرف ويصف السلوك المستعار من أساليب الحياة الغربية بالوسطية، فيصف مثلا التزام المرأة المسلمة بالحجاب بالتطرف، والمرأة التي ترتدي الملابس القصيرة بالتوسط.

لعل ربط مصطلح “الوسطية” بالتحالف السياسي أو بأساليب حياة مغايرة للأعراف السائدة في المجتمعات العربية هو السبب الرئيسي في النفور منه لدى البعض، فالمسألة تتعلق بسوء استخدام المصطلح وتوظيفة توظيفا سياسيا لتهميش الفئات المغايرة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: