المسألة الفلسطينية وترابط الحقوق العربية – بين تحرير الوطن وتحرير المواطن

تتساءل الشعوب العربية وهي ترقب عبر الفضائيات تطورات الصراع الدائر اليوم بين الجيوش الإسرائيلية الجرارة وإرادة الشعب الفسلطيني الحرة الأبية في رفح وخان يونس وبيت لاهيا، في معركة غير متكافئة، عن السبيل لحل المسألة الفلسطينية، وتطالب حكوماتها بصوت خجول بالتدخل لنصرة الفلسطينين، بينما تقف الحكومات العربية مكتوفة الأيدي في خضم حالة اختلان موازين القوى، لتكتفي ببيانات استنكار تطلقها على استحياء، أو دعوات للدول الغربية للتدخل دفاعا عن الدم الفلسطيني المسفوح.

المسألة الفلسطينية، التي تشكل اليوم العقدة الرئيسية في حياة العرب والمسلمين، نجمت عن التطور التاريخي للمسألة اليهودية التي شكلت عقدة رئيسية في حياة الشعوب الأوربية خلال القرنين الثامن والتاسع عشر. المسألة اليهودية ارتبطت ببروز الحركة القومية في أوربا، والتناقضات التي نجمت بين الهوية القومية المرتبطة بحدود الدولة القومية والجماعات اليهودية المنتشرة في أصقاع أوربا، وما تبع ذلك من حملات العداء للسامية. والمسألة الفلسطينية تولدت من نجاح يهود أوربا في حل مشكلتهم القومية، وإقامة دولتهم المستقلة على حساب الشعوب العربية عموما، والشعب الفلسطيني خصوصا.

حل المسألة اليهودية جاء على نمط التشكيلات السياسية الأوربية التي سادت في القرن التاسع عشر، أي بتوحيد الشتات اليهودي من خلال دولة قومية عبرية. ولعبت الدول الأوربية عموما، وبريطانيا على وجه الخصوص، دورا أساسيا في إنضاج الشروط العملية لتأسيس الدولة العبرية، التي طورت بناها التحتية على أرض فلسطين خلال فترة الوصاية البريطانية التي انتهت بقيام دولة إسرائيل.

أوربا التي أسست منظومة الدولة القومية قررت، عقب حربين عالميتين نجمتا عن سباق الهيمنة بين دول أوربا القومية والتي راح ضحيتها زهاء 80 مليون إنسان، استبدال منظومة الدول القومية المتنافسة بمنظومة التكامل الاقتصادي والسياسي الأوربي، الذي تمخض عنها الاتحاد الأوربي. بينما استمرت المنظومة القومية تشكل قاعدة الصدامات العسكرية في الشرق الأوسط، عبر سلسلة من حروب التوسع القومي، بدءا بحروب الدولة العبرية التوسعية، ومرورا بالصراع الكردي العربي في العراق منذ ثلاثينات القرن الماضي، وانتهاء بمسلسل حروب الخليج.

خروج أوربا من مرحلة الصراع الدموي بين الدول القومية جرى من خلال تطوير منظومة حقوقية يحتكم إليها الأفراد والمؤسسات، ويتساوى أمامها المواطنون الأوربيون، دون النظر إلى خلفياتهم الدينية والقومية والعرقية، وتخضع لها كل المؤسسات الحكومية والأهلية. هذا التطور الذي يمثل انتصار الحق على القوة، والعين على المخرز، هو انتصار لكل الأوربيين، ومثال ناصع لقدرة الشعوب على تجاوز النزعات المحلية والقطرية التي ترفع التضامن المحلي والفئوي والقومي فوق متطلبات السلام العادل، وصولا إلى منظومة تسمح بتنسيق المصالح القومية وفق ضوابط القانون الذي يحفظ كرامة الإنسان وحقوقه، والذي يعلو ولا يعلى عليه.

حل المسألة الفلسطينية يتطلب تطوير أنماط من الوحدة الوطنية والتعاون السياسي يتناقض تماما مع الحل الذي اختارته أوربا للتعامل مع المسألة اليهودية والتي انتهى بالنكبة العربية وقيام الدولة العبرية. وبالتحديد يتطلب هذا الحل التخلي عن الرؤية العنصرية للدولة الصهيونية، والتي تسمح للمهاجر اليهودي بتملك الأرض في حين تحرمها لمالكيها العرب. كما يتطلب كذلك تطوير منظومة قانونية تسمح بقيام تعاون حقيقي بين المجتمعات العربية أفرادا ومؤسسات، بعيدا عن النزعات القومية، سواء أكانت عربية أو فارسية أو تركية أو كردية.

الدول العربية غير قادرة اليوم على إرغام إسرائيل على احترام الحق الفلسطيني، ناهيك عن اقناع يهود الأراضي المحتلة بالتخلي عن مشروعهم الصهيوني. ولطالما تذرعت إسرائيل كلما إثيرت قضايا الاضطهاد والاستبداد بأنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وتغنت بامتلاك عرب إسرائيل من حرية التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية ما لا يمتلكه معظم العرب خارج إسرائيل. لذلك فإن مشاهد المأساة الفلسطينية مستمرة على شاشات الفضائيات العربية، كما يستمر تراجع قدرة العرب على نصرة إخوانهم في فلسطين يوما بعد يوم، في حين يتحول الواقع العربي تدريجيا إلى واقع شبيه بالواقع الفلسطيني، كما هو الحال اليوم في العراق.

حل المسألة الفلسطينية وتخليص الشعب الفلسطيني من كابوس الإحتلال الذي يربص على صدر هذا الشعب الأبي مرتبط مباشرة بقدرة الشعوب العربية على بناء مؤسساتها وتحرير إرادتها وإقامة دولة القانون على أرضها، كخطوة أولى لتوسيع دائرة التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني بين الشعوب العربية. وهذا يتطلب التخلص من أوهام إرجاء مسائل الإصلاح الداخلي إلى حين حل المسألة الفلسطينية وتحرير الأرض المغتصبة. فتحرير الأرض المغتصبة غير منفك عن تحرير إرادة الإنسان العربي، وجعله إنسانا فاعلا في عملية البناء والتحرير.

المطلوب من النخب السياسية والثقافية في العالم العربي استشعار مسؤولياتها الأخلاقية والوطنية، والعمل على تطوير الحياة الاجتماعية والسياسية بما يسمح بإيجاد الإنسان العربي الحر الذي يحكمة القانون لا الرجال، وإيجاد نظام سياسي عربي يرفع الحقوق والقوانين فوق النزعات المحلية والإقليمية والقومية. هذا لا يعني بالطبع أن يتوقف العرب عن نصرة أخوانهم في فلسطين، ولكن يعني أن انتصار الحق العربي في فلسطين مربتط بحقوق المواطنة الغائبة عن معظم الأرض العربية.

لؤي صافي

الحياة
مقاربات
المثقف

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: