المثقف وتحديات التنمية

توالت تجارب الإصلاح في العالم العربي والإسلامي، منذ تجربة الإصلاح الإداري والتنمية الصناعية التي قادها السلطان العثماني محمود الثاني في إستانبول والخديوي محمد علي باشا في مصر، دون أن تؤدي إلى تقدم صناعي وإداري وثقافي حقيقي. وعلى الرغم من أن أسباب فشل الجهود الإصلاحية أو تعثرها عديدة ومتشعبة، فإن في مقدمة تلك الأسباب الغفلة عن البعدين النفسي والاجتماعي اللذين يشكلان المحور الذي ترتكز عليه عملية التنمية.
إن المدقق في تجارب التنمية في العالم العربي والإسلامي على وجه الخصوص، والدول النامية عموماً، يلحظ تركيز خطط التنمية على تطوير البنى التحتية (طرق، جسور، منشآت، الخ)، واعتمادها على نقل الخبرة والثروة إلى النخبة الاجتماعية، ومن ثم التعويل على هذه النخبة لتعميم خبرتها وتجربتها إلى الشرائح الاجتماعية المختلفة. ويعرف هذا النموذج المفضل عند خبراء التنمية الغربيين بنموذج الارتشاح التنموي، نظراً للتشابه المفترض بين ارتشاح الماء بين طبقات التربة وارتشاح الثروة بين طبقات المجتمع. بيد أن التجربة العملية تظهر عقم التجارب القائمة على منهج الارتشاح هذا وعجزها عن إحداث النقلة المطلوبة. فتظهر التجربة أن النخب المستفيدة من الجهود التنموية كثيراً ما تعمد إلى الاستئثار بالموارد المالية والإنتاجية وحصر الإمكانيات التنموية بها دون غيرها، وبالتالي تحول بين انتقال المهارات ورؤوس الأموال إلى شرائح المجتمع الفقيرة والمحرومة. والنتيجة تكريس الجهل والفقر، وبالتالي تفاقم الفجوة بين الفقراء والأثرياء داخل المجتمعات النامية، وبين هذه المجتمعات والمجتمعات الصناعية.
تفاقم الفجوة الاقتصادية
إن نظرة سريعة إلى الحالة الاقتصادية العالمية تظهر تدهوراً مستمراً للوضع الاقتصادي للدول النامية وتزايداً مستمراً في الفجوة الاقتصادية بين هذه الدول والدول الصناعية. كما يتضح للدارس لسياسات التنمية المتبعة الفشل الذريع لسياسات الارتشاح وعجزها عن وقف حالة التدهور الاقتصادي، بَلْهَ تحقيق تطور اقتصادي.
فالأرقام الإحصائية التي أصدرها المصرف الدولي في تقرير التنمية العالمية الأخير أن متوسط دخل الفرد في دولة متقدمة مثل سويسرا، والمقدر بـ 40,080 دولاراً يزيد أربعمئة ضعفاً عن متوسط الدخل في دولة فقيرة مثل أثيوبيا حيث متوسط الدخل السنوي لا يزيد عن 100 دولارا. كما تظهر الإحصائيات أن متوسط دخل الفرد السنوي يزيد عن 20,000 دولارا في 13 دولة صناعية، بينما يقل عن 350 دولارا سنوياً في أكثر من 27 دولة نامية. كذلك تظهر الإحصائيات حالة الفقر المدقع الذي تعيشه الأغلبية الساحقة من دول العالم النامي الذي يشكل ثلثي سكان العالم. ففي الهند، مثلا، يتلقى نصف السكان دخلا يقل عن الدولار يوميا، في حين يقل دخل 87% من الهنود عن الدولارين. والأرقام مشابهة لكثير من دول جنوب آسيا وإفريقيا. وينعكس الضعف الاقتصادي على الوضع الصحي والتعليمي لسكان الدول النامية التي تعاني من التدهور المستمر لأوضاعها الصحية والتعليمية.
البؤس الإنساني وسياسات العولمة
يجدر بنا التنبيه إلى أن حالة البؤس التي تحيق بثلثي سكان العالم حالة مصطنعة ناجمة عن سياسات مجحفة تعطي أفضلية للثري على الفقير وللقوي على الضعيف، وتؤدي إلى تكريس الفقر والبؤس في المناطق النامية. فالشركات متعددة الجنسيات التي تسعى لزيادة أرباحها من خلال فتح الأسواق المحلية لبضائعها، والاستفادة من الأجور الرخيصة للعمالة المحلية في الدول النامية، لا تشعر بأي مسؤولية اجتماعية تجاه المجتمعات التي توفر لها أرباحاً خيالية. لذلك تسعى هذه الشركات لاستخدام حكوماتها للضغط على حكومات الدول النامية لاستصدار تشريعات تسمح للشركات العالمية بنقل أموالها داخل البلاد وخارجها دون قيود. كذلك نجد أن السياسات الجمركية المعتمدة في الدول الصناعية المتقدمة مجحفة بحقوق الدول النامية. فدول المجموعة الصناعية السبعة تفرض ضرائب جمركية على الأقمشة المستوردة من الدول النامية تزيد أربعة أضعاف عن تلك المفروضة على الدول المتقدمة اقتصادياً، مخالفة بذلك مبدأي الانفتاح الاقتصادي (economic liberalization) والتجارة الحرة (free trade) اللذين يشكلان حجر الزاوية لحركة العولمة. وبذلك تحرم الدول النامية من الفرصة الوحيدة التي تملكها لمنافسة الدول الصناعية، فرصة المنافسة في المنتجات الزراعية والصناعات الخفيفة.
المثقف وفرص التنمية
ما موقف المثقف مما يجري على الساحة العالمية اليوم؟ هل يدرك المثقف أثر سياسات المنظمات الدولية، مثل المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الدولية، على الوضع الاقتصادي والثقافي للدول النامية؟ هل يعتقد المثقف أن العمل على تحسين الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمناطق التي تعاني الفقر والجهل مسؤولية وواجب إنساني وأخلاقي، أم يرى ترك الأمر للمؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية الغربية التي تظهر تعاطفاً واضحاً مع الجماعات السكانية الأكثر استعداداً لتقبل الثقافة الحداثية أو تقمص أساليب الحياة الغربية؟
لا ريب أن الأسئلة السابقة تشكل تحدياً صارخاً للمثقف الذي يرى أن تحقيق العدالة الاجتماعية وتقديم يد العون لأصحاب الحاجة واجب أخلافي ومسؤولية إنسانية. ولا ريب كذلك أن مثل هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً للمثقف المنتمي إلى الجاليات المهاجرة، المتنامية عددا وقدرة في الدول الصناعية الغربية. فإذا كانت التحديات الاقتصادية والثقافية والسياسية تدفع معظم المثقفين في الدول النامية إلى الالتفات إلى مشكلات الإصلاح داخل بلدانهم، فإن المثقف المهاجر في الولايات المتحدة خصوصاً، والعالم الغربي عموماً، يمتلك من حرية التحرك والعمل التنظيمي، والإمكانيات العلمية والاقتصادية التي تضعه في موقع متميز، وتعطيه فرصة نادرة لدعم جهود التنمية في العالم النامي.
Advertisements

رد واحد to “المثقف وتحديات التنمية”

  1. Anonymous Says:

    أتفق معك على أن العولمة تساهم في تفاقم حالة الفطر، لكن السؤال هل المسئولية تتعلق في الدول الغربية؟ وماذا عن الفساد المستشري في الدول النامية؟ من يتحمل مسئوليته؟

    عاكف

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: