من الثورة إلى الدولة

مشروع دولة القانون والحريات المدنية والمشاركة السياسية عبر عنه في مطلع القرن العشرين المفكر السوري الكبير عبد الرحمن الكواكبي الذي نشر كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد في عام 1902 وخلص فيه إلى أن انحطاط الأمة وتراجعها الثقافي والحضاري مرتبط بالاستبداد السياسي. يقول الكواكبي في مقدمة طبائع الاستبداد: “…تمحص عندي أن أصل هذا الداء [الانحطاط] هو الاستبداد السياسي ودواؤه دفعه بالشورى الدستورية.”[i]

بعد قرن ونيف منذ صدور كتاب الكواكبي الذي شخص فيه داء الاستبداد، وبعد كفاح طويل قادته أحزاب وتيارات وطنية للوصول إلى الحرية السياسية ودولة الشورى الدستورية، لا زالت الحرية مطلبا شعبيا ولا زال الاستبداد يجثم على صدور السوريين، وكأن شيئا لم يكن. المؤسسة الشورية، أو الديمقراطية، المتمثلة بالمجلس النيابة تشكلت في الثلاثينيات من القرن الميلادي المنصرم بجهود قيادات وطنية والبلاد تئن تحت وطأة الاستعمار الفرنسي، بينما دخلت الأحزاب السياسية المعترك السياسي منذ منتصف العشرينيات من القرن نفسه.

الولاءات المحلية والفردية السياسية

تتضافر مجموعتين متداخلتين من العوائق التي تؤخر عملية الإصلاح والتطور السياسي: غلبة الولاءات المحلية والهموم والمصالح الفردية على العمل السياسي من جهة وغياب الثقافة الوطنية والالتزام العميق بالقيم الديمقراطية من جهة أخرى. وقد أدت هذه العوائق القيمية والمعرفية إلى تشرذم المعارضة السورية وهيمنة النزعات الجهوية بتجلياتها الاقليمية والطائفية والإثنية. وبالتالي فإن المتابع للتطورات السياسية يلحظ أن التغيرات البنوية التي طرأت لم يصاحبها تغيرات جوهرية في الثقافة السياسية التاريخية، وهذا ما يفسرغياب  الالتزام الحقيقي بالدولة الوطنية ومؤسساتها.

تميزت الحياة السياسية في سورية خلال القرن الماضي ببروز قوى سياسية تأثرت بمشروع الحداثة الغربي، وعملت على تطوير الحياة العامة بمختلف أوجهها بمحاكاة النماذج الغربية واعتماد الحلول التي سادت في المجتمعات الأكثر تقدما من الناحية التنظيمية والعلمية والانتاجية. ولعبت الفروقات الدينية والاجتماعية دورا كبيرا في توجيه الحياة السياسية. إلى جانب الاختلافات العقدية السياسية [الايديولوجية]، لعبت الفروقات التي خلفتها عملية التراجع الحضاري للدولة العثمانية بين المدن والأرياف دورا مهما في الاصطفافات السياسية في النصف الثاني من القرن العشرين. تضافرت عوامل التخلف العلمي والاقتصادي، والفروقات الاجتماعية بين المدينة والريف، والصراع  بين القيم التراثية والحداثية، وأزمة الهوية الوطنية والقومية، لتشكل تجربة سياسية تميزات بالصراع المستمر داخل الجسد السياسي الذي أعيد تشكيله على أنقاض الخلافة العثمانية.

الثقافة السياسية

وهكذا أدت جهود التنمية التي ركز عليها بشار الأسد في غياب القيم المهمة التي تشكل مفاتيح الإصلاح الإداري إلى تردي الاوضاع الاقتصادية والمعيشية. المفاهيم المحورية مثل “القانون” و “العمل الجماعي” و “المصلحة العامة” مفاهيم لم تشغل حيزاً مهماً في البناء الثقافي أو التجربة الاجتماعية والسياسية السورية الحديثة، بل هي غالباً ما كانت مدعاة للتهكم بعد أن أصبحت جزءاً من خطاب التعبئة النظري الذي يتناقض تناقضاً صارخاً مع التجربة العملية للمواطن السوري. إن تحليلاً سريعاً للمفاهيم المفتاحية في المناهج التربوية والدراسية، وفي الخطاب السياسي والشعبي، تظهر أن مفاهيم “البطل” و “السلطة” و “المجد”، سواء كان مجد الحي أو القبيلة أو القوم هي المفاهيم التي تحتل المكانة العليا في مخيال الفرد.

ففي حين يجد المراقب في القصص المدرسية والأشعار والروايات الأدبية والخطب السياسية تأكيداً مستمراً على البطولة الخارقة، والقائد الملهم، والفارس الصنديد المطالب بحقه الضائع، لا يكاد الفرد يجد اهتماماً واضحاً في ربط البطولة بالتعاون والعمل الجماعي، أو القيادة بالخدمة العامة، ولا الحق باحترام القانون والخضوع للمبادئ، ولا المجد بتحقيق المصلحة العامة. بل نجد الثقافة الشعبية تقدس الأبطال، وتبحث عن المجد في التفرد بالثروة أو السلطة أو الشهرة، وتجد في القانون قيود يلتزم بها الضعيف ويتعالى عليها القوي المهيب.

وتكرست الثقافة الفردية التي تبحث عن السلطة أو الثروة أو الشهرة، وتجعلها قيماً عليا تتعالى على قيم القانون والمصلحة العامة في ممارسات النخب الحاكمة عبر تاريخ سورية الحديث. فقد بدأ هذا التاريخ بهيمنة أبناء المدن، واعتماد المحسوبيات والولاءات الأسرية والمحلية والحزبية أساساً للتعاون والتناصف، وتميزت تلك الفترة باستعلاء أبناء المدن وتفاخرهم بالحسب والنسب، واعتبار السلطة مكسباً أو مغنماً فردياً، وتنافس أبناء العائلات الإقطاعية وأصحاب المراكز الحساسة في الدولة، على الثروة والسلطة. وتحولت المؤسسة العسكرية إلى لعبة للطامحين، وتتابعت الانقلابات العسكرية لتحمل إلى قمة السلطة كل مغامر طامع في بناء مجد شخصي. واستمرت العملية بعد استيلاء أبناء القرى أو “الطبقة الكادحة” على السلطة، إذ أصبحت الأخيرة مطية لإعادة توزيع الثروة من خلال محسوبيات والعلاقات الشخصية. وأصبح المنصب السياسي والعسكري مدخلاً للإثراء السريع، وبرزت تحالفات بين كبار التجار وأصحاب الثروة من جهة، وأصحاب النفوذ من بين العسكريين ومراكز القوى من جهة أخرى.

 ولّد الحكم الاستبدادي تشوهات كبيرة في العمل الحزبي السياسي وظهر على سطح العمل الحزبي ممارسات انتهازية أدت إلى الانقسامات والتشرذمات الحزبية. عصام جركو، الأمين العام لحزب الأتحاد الإشتراكي العربي، يعترف بهذه الظاهرة التي أصابت تياره الناصري كما أصاب تيارات أخرى، فيقول: “كناصريين ابتلينا بعدة معوقات، الانتهازية الكبيرة ومحاولة الطمع بالسلطة والانتماء السابق علق في الناصرية الكثير ممن لم يكونوا فيها وبسبب عدم وجود فكر سياسي واضح عجر الاتحاد الاشتراكي عن جمع الناصريين وعندما اجتمعوا عادوا لجاهليتهم الأولى.”[2]

المعارضة والثورة السورية

انتظر الشعب السوري كثيرا الاصلاحات السياسية التي دعت إليها المعارضة السياسية بدءا بدعوتها النظام إلى رفع قانون الطوارئ الذي أعلنه الانقلابيون العسكريون عام 1961، ثم كرسه إنقلاب 8 آذار 1963 الذي أعقب جهود حثيثة سعت من خلالها المعارضة السياسية إلى إلغائه في عام 1962.  وانتهى انقلاب البعث هذا إلى سلسلة من الانقلابات مهدت لحكم العسكر الذي نجح آخر أعضاء اللجنة العسكرية للحزب، حافظ الأسد، في  تكريسه . وعادت الصيحات لإلغاء قانون الطوارئ لتصبح مطلبا أساسيا للمعارضة السورية مع عودتها إلى العمل السياسي العلني بعد وفاة حافظ الأسد وتسلم ابنه بشار زمام القيادة. ومع تيقن المعارضة بحلول عام 2005 من أن دعوة بشار الأسد إلى استئناف الحياة السياسية الحرة وإقامة دولة القانون والمؤسسات لم تكن سوى فقاعة دعائية، بدأت الأحزاب السياسية الناشطة بتصعيد مطالبها وأصدرت في تشرين الثاني 2005 إعلانا عرف باسم إعلان دمشق دعى إلى إنهاء حكم آل الأسد وبدء حياة ديمقراطية. كما طالب الإعلان الذي شمل قيادات المعاضة الكردية السورية بايجاد حل عادل للقضية الكردية التي أهملها نظام البعث طول سنوات حكمه. لم يستجب الأسد لأي من مطالب المعارضة، ولم يختار طريق الحوار لحل الخلافات بين نظامه وقيادات المعارضة، بل سارع إلى اعتقال عدد كبير من السياسيين والناشطين الذي وقعوا على الإعلان.

رد النظام العنيف على كل الدعوات الإصلاحية دفع الإخوان المسلمون للدخول في ائتلاف مع عبد الحليم خدام الذي أعلن انشقاقه عن الأسد عام 2006 عرف باسم جبهة الخلاص الوطني. حاولت الجبهة الاستعانة بالقوى الغربية التي دعمت تغيير نظام البعث العراقي، ولكن جهودها باءت بالفشل وانتهب بخلافات كبيرة بين قطبيها خدام والاخوان انتهى بانسحاب الإخوان منها عام 2009.

الرفض الكامل والمستمر لنظام بشار الأسد في الدخول في إصلاح سياسي، مع الاستمرار بمشروع خصصة القطاع العام تحت شعار التنمية الاقتصادي أدى إلى استشراء الفساد وعلى أعلى المستويات، وأدى أخيرا إلى تفجير الأوضاع وبدء الثورة السورية المجيدة من درعا في 18 آذار 2011. سبقت انفجار الثورة إرهاصات لم يعرها النظام أي اهتمام، تجلت باكرا باحتجاح عفوي في منطقة الحريقة بدمشق في 17 شباط 2011 استنكارا لإقدام الشرطة على ضرب ابن تاجر من تجار المنطقة، مما أثار سخط الناس في السوق فبدؤوا بالاحتشاد وبترديد عبارات مثل “الشعب السوري ما بينذل”. وتبع ذلك خروج مظاهرة في 15 آذار استجابة لدعوات مسبقة إلى احتجاجات واسعة تحت شعار “يوم الغضب.” خرجت المظاهرة الخاطفة من الجامع الأموي عبر سوق الحميدية وتحركت إلى ساحة الحريقة وانفضت بعد نصف ساعة من انطلاقها.

الرفض الشعبي للحالة الراهنة والرغبة الأكيدة لدى الشباب السوري في تحريك الوضع السياسي الخانق في البلاد بعد وصول رياح الربيع العربي إلى المدن السورية عاد إلى تحريك الشارع السوري. فلم تمضي 24 ساعة على مظاهرة الحميدية حتى خرجت مظاهرة أخرى في آذار 16 أمام مبنى وزارة الداخلية السورية في ساحة المرجة، شارك فيها 150 شخصا، هتفوا بشعارات داعية إلى الحرية. تصدت قوى الأمن للمظاهرة بعنف وتمكنوا من تفريقها بعد اعتقال 32 من المشاركين فيها. لم تثني الاعتقالات الشعب الراغب في الحصول على حريته، مدفوعا بالأمل في أن صراعه مع النظام السوري لن يكون طويلا بعد تتابع نجاحات الثورات العربية في إسقاط الأنظمة الاستبدادية التي حكمتها. واستمرت المظاهرات بالخروج في عدد من المدن السورية. ففي يوم 18 آذار 2011 خرجت مظاهرات في أنحاء سورية تحت شعار “جمعة الكرامة”.  فانطلقت مظاهرة من الجامع الأموي في دمشق تمكنت قوى الأمن من تفريقها قبل تحركها بعيدا. كما انطلقت مظاهرات مشابهة في مدينتي بانياس وحمص سارعت قوى الأمن إلى تفريقها.

الصدام الكبير بين الناشطين وقوى الأمن الذي أجج حركة الاحتجاج في البلاد حصل في مدينة درعا حيث خرجت من المسجد العمري مظاهرة كبيرة  شارك فيها الألوف احتجاجاً على الاعتقالات والقمع. ورفع المتظاهرون شعارات تندد بالظلم والفساد عموما، وتوجه إصبع الاتهام إلى رامي مخلوف على وجه التحديد ولتحوله إلى رمز للفساد.  واجهت قوى الأمن المظاهرة بالرصاص الحي وخلفت 4 قتلى وعديدا من الجرحى. لكن دماء الضحايا عنف النظام لم تثن الشباب الثائر عن مطالبه بل أججت غضب السوريين على طول البلاد وعرضها واشتعلت المظاهرات في أرجاء الوطن مطالبة بإصلاحات جذرية في النظام السياسي.

مع اتساع رقعة التظاهرات وزيادة أعداد المتظاهرين أصدر الأسد في 19 نيسان أمرا برفع قانون الطوارئ وإلغاء محكمة أمن الدولة وسن قوانين تنظم خروج التظاهرات السلمية. وبطريقة مشابهة لكل ما صدر عن قيادة النظام سابقا هدفت الإجراءات إلى تهدئة الأوضاع والقيام بخطوات شكلية دون الرغبة في الاستجابة الحقيقية لمطالب المتظاهرين المشروعة. فلم يمر ثلاثة أيام على رفع قوانين الطوارئ حتى اعطى الأسد في 25 نيسان أوامره للجيش  بالانتشار في المدن السورية لقمع الاحتجاجات. وبالفعل نزلت الدبابات إلى الشوارع في المدن والقرى السورية بدءا من درعا إلى دوما إلى حمص إلى تل كلخ في شمال البلاد. وارتفعت أعداد ضحايا عنف النظام بصورة كبيرة.

الحل العسكري وتحول الثورة السلمية إلى مسلحة

قرار نشر الجيش السوري في أقل من أسبوع بعد رفع قانون الطوارئ أظهر هزلية النظام في تعامله مع مطالب الشعب، كما أظهر البون الشاسع بين الخطاب والممارسات، واستهتار النظام المخزي بالدستور والقانون. ذلك أن قرار إرسال الجيش إلى مدن شكل خرقا للدستور السوري ووضع كل أفعال النظام منذ تلك اللحظة خارج الإطار الدستوري. لكن في حقيقة الأمر لم يخرج هذا الخرق الشنيع لقوانين البلاد عن الممارسات المعتادة والخروقات المستمرة التي ارتكبها النظام وأركانه، والتي شكلت المصدر الرئيسي لحالة الفساد التي سادت سورية في عهد الأسد الأب والتي استمر عليها الابن بعد تفرده بالسلطة.

قرار الأسد باستخدام الجيش لمهاجمة المدن والقرى السورية شكل أزمة لدى الكثير من الجنود والضباط. فمعظمهم أفراد الجيش السوري التحقوا به للدفاع عن الوطن ضد عدو خارجي معتدي، لا لقتال أهلهم وأبناء بلدهم. ومع حلول 7 حزيران 2011 بدأت سلسلة الانشقاقات عن الجيش النظامي بانشقاق  الملازم أول عبد الرزاق طلاس، الذي أعلن انشقاقه استنكارا لما أسماه “الممارسات غير الإنسانية واللاأخلاقية”. ودعا الملازم طلاس في تسجيل مصور زملاءه العسكريين إلى “الانحياز لمطالب المواطنين”. تبع هذا الانشاق، وفي أقل من يومين، انشاق المقدم حسين هرموش في 9 حزيران بعد حملة وحشية على مدينة جسر الشغور، الذي صرح في تسجيل مرئي بأن سبب انشقاقه “قتل المدنيين العزل من قبل أجهزة النظام”. وجاء الإنشاقين المتتالين عقب هجوم شنه مسلحون على حافلات من قوى الجيش والأمن كانت متجهة نحو جسر الشغور، وخلف حوالي 120 قتيلا من قوى النظام. وكان رد النظام عنيفا، فقام في 13 حزيران بعمليات واسعة لتصفية الجنود المنشقين في جسر الشغور، استخدم فيها الطائرات العامودية  والدبابات لقصف المدينة. وأصيب السكان المدنيين بالهلع وسارعوا إلى الخروج من مدنهم وقراهم باتجاه الحدود التركية لتبدأ عمليات اللجوء الواسعة التي بلغت في مطلع 2013 النصف مليون لاجئ و مليوني نازح داخل البلاد.

مع تصعيد النظام لعملياته العسكرية واستخدام مختلف الأسلحة لمهاجمة القرى والمدن انتقلت مطالب الثورة الشعبية من الاصلاح إلى إسقاط النظام. وبدأت أصوات المعارضة تطالب المجتمع الدولي بسحب الشرعية من الأسد. ومع حلول 24 حزيران بدأت المطالبات بإسقاط النظام تتسع وتوافق الثوار على تسمية الجمعة المصاحبة لهذا التاريخ جمعة إسقاط الشرعية.  وخرج مئات الألوف في مختلف المدن السورية في مظاهرات عارمة كان أكبرها مظاهرة ساحة الشهداء في حماة حيث قدر عدد المحتجين في ساحة الشهداء بـ 200 ألف.

بناء الهيكلية السياسية للمعارضة في الخارج

حولت الثورة السورية الصراع السياسي في سورية وللمرة الأولى من صراع نخبوي إلى صراع بين الشعب ونظام الاستبداد الأسدي. فالجذور الشعبية للثورة وانخراط عدد كبير من الناشطين الحقوقيين فيها أدى إلى تراجع دور القوى السياسية التقليدية وزيادة كبيرة لدور الناشطين. وبطبيعة الحال لم تلغ هذه التطورات دور القوى السياسية التقليدية لكنها أفرزت حالة جديدة من الاستقطاب مثلت ثنائية المجلس الوطني وهيئة التنسيق شكلاً مهما من أشكالها. فقد اختارات قيادات إعلان دمشق والاخوان المسلمين الانضمام للناشطين السياسيين الذين أسسوا المجلس الوطني  في 2 تشرين الاول 2011، وارتضوا لاحقا بعد شد وجذب الاحتكام لآليات قرار ديمقراطية وإعادة هيكلته في نهاية 2012. أما القوى اليسارية التي ابدت تحفظها على ما اعتبرته سيطرة لقوى سياسية محسوبة على التيار الإسلامي العريض، وحاولت خلال المفاوضات التي عقدت بين ممثلي المجلس والقوى السياسية التقليدية في الدوحة في شهر آب 2011 أن تبقي هذه القوى تحت عباءتها بتسليم القيادة للمعارضين التقليديين وإعطاء الناشطين السياسيين حضور رمزي في المكتب التنفيذي المقترح. وعندما عجزت قيادات هيئة التنسيق عن الهيمنة الكاملة على المجلس اختارت تشكل تنظيمها الخاص الذي أعلن يوم 6 تشرين الأول 2011.

ومع تزايد الانشقاقات وتصعيد العنف ضد المدن بدأت لجان التنسيق الثورية تتحول بالتدريج إلى مجموعات مسلحة تعمل على صد الاعتداءات العسكرية ضد المدنيين. وفي 29 تموز 2011 أعلن رياض الأسعد من داخل مخيم للعسكريين السوريين في جنوب تركيا قرب الحدود السورية تشكيل الجيش السوري الحر. واستمرت الكتائب والمجالس الثورية التي شكلت في تطوير أطرها التنظيمية والدخول في تنظيمات أوسع، والتي أخذت شكلها المتقدم في المجالس الثورية للمحافظات، وتوحدها أولا جميعا في القيادة العسكرية المشتركة التي شكلت في 29 أيلول 2012 ثم في هيئة الأركان العامة للقوى العسكرية والثورية المشتركة التي أعلن عن تأسيسها في 5 كانون الأول 2012.

بدأت المعارضة سريعا بالعمل لمحاصرة نظام الأسد وعزله سياسيا ودبلوماسيا، ومنع قيادات النظام من التحرك خارج البلاد واستخدام شبكة الشركات الخاصة التي يملكها الأسد وحلفاؤه لتمويل الحرب التي شنها على الشعب السوري. وأدت جهود المعارضة إلى سلسلة من المواقف السياسية دفعت العديد من القوى الإقليمية والدولية إلى سحب سفرائها من سورية ومقاطعة قطاعات انتاجية وتجارية استخدمها النظام لتمويل الحرب، مثل قطاع النفط. وتمكنت الشبكة الكبيرة من الناشطين من توثيق أحداث الثورة وجرائم النظام الذي لم تتمكن آلته الإعلامية من إخفاء حقيقة ما يجري على الأرض رغم الإمكانيات الهائلة التي وضعها للقيام بحملات التضليل الإعلامي. وفي 13 تشرين الثاني اتخذت الجامعة العربية قرارا بتعليق عضوية سورية في الجامعة خلال اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب بأغلبية ساحقة (لم يعترض على القرار سوى نظام الأسد واليمن ولبنان، وامتنع العراق عن التصويت). وأشارت مذكرة القرار أن المقاطعة أتت نتيجة عدم  التزام سورية بالمبادرة العربية التي تنص على وقف قمع المحتجين.

الصراع بين المعارضة والنظام مستمر بعد أن أخذ شكل المواجهة العسكرية، وهو في أوجه بعد إدخال النظام الطيران العسكري والصواريخ بعيدة المدى إلى ساحة المعركة في محاولة لإقاف زحف كتائب الجيش الحر. هذا الصراع خلف الكثير من الضحايا والدمار في الممتلكات، وحول الحياة إلى جحيم في العديد من المناطق السورية. كما أدى إلى زيادة القوى التي تأخذ موقفا متطرفا وتسعى إلى تحويل الثورة إلى صراع طائفي. لكن هؤلاء لا زالوا مجموعات قليلة غير قادرة على التأثير في مسار الثورة، ولا زال خطاب الثورة يؤكد على ثوابتها الأصلية: إقامة مجتمع حر تعددي ضمن دولة المواطنة والقانون يخض الجميع فيها إلى القانون ويمتلك المواطنين القدرة على مساءلة السلطة السياسية.

المعارضة السورية عززت من وحدتها بتأسيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في الدوحة الذي أعلن عنه بعد مفاوضات صعبة في الدوحة في 11 كانون الأول 2012. بيد أن دخول القوى السياسية المتعددة على اختلاف ألوانها ومشاربها لم يؤد إلى رفع الفاعلية السياسية إلى المستوى المطلوب. فلا يزال الائتلاف يعاني من التزاحم السياسي والتنافس بين الناشطين على الصفوف الأولى، كما يعاني من ضعف العمل المؤسسي وغياب القدرات التنظيمية وضعف التخطيط، مما يبطئ من حركة سيره ويقلل من فاعليته. النزوع الفردي وغياب الثقة بين القيادات السياسية وضعف التشاور والاستفادة من القدرات المتوفرة لدى قيادة الائتلاف يمكن تفسيره في ضوء التصحر السياسي الطويل تحت حكم الحزب الواحد. ولكنه أيضا يعكس بصورة مقلقة الثقافة السياسية التي لم تتغير كثيرا رغم مرور قرن من الزمن على الحياة الحزبية في سورية الحديثة. الأمر الذي يقلل من أخطار الضعف التنظيمي ويخفف من تأثيره السلبي على مسار الثورة حرص قيادات المعارضة على استقلال القرار الوطني وإصرارها على وضع المصلحة السورية في قمة أولوياتها رغم الضغوط الدولية الكبيرة والمستمرة.

ولكن الائتلاف الحريص على استقلالية القرار الوطني يواجه اليوم تراجعا واضحا في الدعم الدولي والإقليمي، وحاله في هذا الأمر كحال المجلس الوطني السوري الذي واجه موقفا دوليا مشابها نتيجه دفعه بورقة عمل وطنية ورفضه تمرير مواقف تتعارض مع المصلحة الوطنية. ثمة غباشة في المشاهد الممكنة للصراع وكيفية إنهاء نظام الأسد نتيجة للمفارقة التي تجعل نظاما منبوذا دوليا يلقى دعما كبيرا غير محدود من حلفائه في حين يفتقد ممثلو الشعب السوري المنتفض الحد الأدنى من الدعم الضروري لحسم الصراع على الأرض. الشئ الأكيد أن إصرار أحرار سورية وقيادات الائتلاف الوطني الممثلة للثورة يزداد باطراد مع ظهور الهمجية غير المتناهية التي يبديها بشار الأسد وقواده في مواجه الشعب السوري الظالم والتي أقل ما يمكن أن يقال فيها أنها جرائم حرب بامتياز.

آفاق المستقبل السياسي لسورية

مضى قرن من العمل السياسي والحزبي أعطى المعارضة السورية الكثير من التجارب السياسية التي يمكن أن ينبني عليها  مستقبلا أفضلا يؤسس على مكامن القوة ويعمل على تجنب سقطات الماضي وزلاته. وتخلل مسيرة المعارضة على مدار القرن ثورات قليلة ومتباعدة حركت الشارع السوري، وشكلت منعطفات مهمة في تحديد ملامح الحياة السياسية السورية المعاصرة، لعل أبرزها الانتفاضة ضد تسلط العثمانيين الجدد عام 1916 التي عرفت باسم الثورة العربية الكبرى، والثورة السورية الكبرى ضد تقسيم سورية إلى دويلات عام 1925، وانتفاضة الاستقلال عام 1945، وأخيرا ثورة الحرية والكرامة التي انطلقت في مطلع عام 2011 والتي لا زلنا نعيش أحدثها إلى يومنا هذا.

ثورة الحرية والكرامة من أصعب الثورات التي مرت على سورية وأكثرها ضحايا وآلاما تجاوزت بمرات عديدة ما لقيه السوريون في انتفاضتهم على التسلط العثماني عام 1916 التي عرفت باسم الثورة العربية الكبرى، أو التي واجهوها في ثورتهم ضد المستعمر الفرنسي خلال الثورة السورية التي انطلقت احتجاجا على الخطة الفرنسية لتقسيم سورية إلى دويلات عام 1925، أو انتفاضة الاستقلال عام 1945، . فأحرار سورية يواجهون اليوم نظاما همجيا عاتيا تأسس على عبادة الفرد وترويض المواطنين باستخدام أشد أساليب القمع قسوة. يواجه الشعب السوري نظاما مدعوما عالميا، استطاع أن يحشد تأييدا من قوى دولية  وأقليمية باللعب على المتناقضات السياسية الكثيرة في منطقة الشرق الأوسط. عمل نظام الأسد على اكتساب تأييد إيران بتحوله إلى ممر لدعم حزب الله في لبنان على الرغم من التناقض الكبير بين نهج نظام الأسد الذي يقوم على العلمانية الاقصائية، و الذي حارب الأحزاب الدينية في سورية لعقود طويلة، والدولة الدينية ذات التوجه الشيعي التي أقامتها الجماعات الدينية في إيران. وبالمثل أشتهر النظام الأسدي بخطاب سياسي معاد للصهيونية، بل معاد حتى للدين اليهودي، لكنه عمل في الوقت نفسه على صيانة الحدود الاسرائيلية ومنع أي نشاطات عسكرية على الجبهة الإسرائيلية منذ أن تمكن حافظ الأسد من السيطرة على السلطة في منتصف السبعينيات.

نظام الأسد آيل إلى السقوط والانهيار عاجلا أم آجلا وهو يستفيد حاليا من الضعف التنظيمي والسياسي للمعارضة، كما يستفيد من الدعم الإيراني والروسي الكاملين من جهة، ومن تردد الغرب في دعمه للثورة السورية وتخوفه من الرموز الإسلامية التي تملأ خطاب الثورة وممارساتها وطقوسها من جهة أخرى. مخاوف الغرب لا تتوقف على المظاهر الإسلامية للثورة بل تتعلق بموقف المعارضة بكل أطيافها من القضية الفلسطينية، والتزام المعارضة السورية بالحق الفلسطيني. وبالتالي فإنه من الصعب التكهن بزمن وكيفية انهيار النظام. ما هو واضح وأكيد أن النظام لن يكون قادرا على قيادة البلاد في المرحلة القادمة سواء فقد السيطرة على الكتائب الموالية له وانهار عسكريا أو تمكن من الاحتفاظ بتماسكه العسكري فانهار اقتصاديا وإداريا. بطبيعة الحال فإن استمرار الصدام العسكري في سورية إلى وقت طويل سيؤدي إلى إعادة ترتيب المنطقة برمتها، وسيكون له تداعيات سياسية كبير على التركيبة السياسية في دول الجوار، وبشكل خاص المشرق العربي من العراق إلى لبنان إلى الأردن، سيكون من الصعب تحديد ملامحها. لكن التطورات السياسية في هذه البلدان والتفاعل الكبير بين الثورات العربية يأكد التلاحم المصيري لشعوب المنطقة على العموم.

إنهيار نظام الأسد لا يعني بالضرورة الانتقال الآني والكامل من تجربة الاستبداد إلى مجتمع القانون والمؤسسات، أو ما أسماه الكواكبي قبل قرن ونيف، الشورى الدستورية. فالثقافة السورية لم تتمكن حتى الآن من تطوير فهم عميق والتزام راسخ بالقيم الضرورية لقيام حياة شورية أو ديمقراطية. ذلك أن الديمقراطية في جوهرها لا تقوم على جملة من الطقوس والممارسات، بل على مجموعة من القيم الراسخة في النفس إلى حد الإيمان الوجداني العميق. فشل الديمقراطية في سورية رغم وجود كل عناصرها الاجرائية، من مجلس للنواب وانتخابات دورية وتعددية حزبية وصحافة مستقلة، يظهر أن الاجراءات الديمقراطية لا تعدو أن تكون ممارسات فارغة إذا لم تستند على قناعات عميقة وراسخة. كذلك لا يمكن لنظام شوري (ديمقراطي) أن يقوم طالما بقي حبيس حسابات فردية ذات آفاق محدودة لا تتجاوز مجد الفرد أو منفعة الدوائر الأسرية والحزبية والجهوية التي تحيط به وتبادله المنافع. لذلك فإن ضعف الأساس الأخلاقي والقيمي للخطاب الديمقراطي (الشوري) سبب رئيسي، وإن لم يكن السبب الوحيد، لفشل الأحزاب السورية في تحقيق مشاريع وطنية وانكفائها على مشاريع شخصية وجهوية. هذه الحالة وصفها بدقة أحد أقطاب السياسية الوطنية في منتصف القرن الماضي، السياسي المستقل والمخضرم خالد العظم عندما كتب في مذكراته: “ما كانت الأحزاب السورية في الواقع سبيلا إلى جمع أصحاب العقيدة الواحدة أو حتى العقائد المتقاربة من أجل العمل على تنفيذ مبادئ معينة أو سياسة معينة. وإذا درسنا تاريخ هذه الأحزاب وأسباب تأليفها وجدنا أنها كانت مجرد تجمعات حول شخص أو بضعة أشخاص كنواة تبدأ بالتضخم ثم تنتهي، في غالب الأحيان، إلى زوال”.[ii]

الثورة السياسية ستحتاج لتحقيق نجاحات عملية على أرض الواقع إلى ثورة ثقافية واجتماعية وأخلاقية، كما أنها ستتطلب بروز حركة اجتماعية واسعة تلتزم بمبادئها وتحولها إلى منظومة عقدية مرتبطة بمعنى الحياة وغاياتها، أي أنها ستحتاج إلى حركة حضارية إنسانية ذات عمق وجداني أخلاقي.


[i] عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الإستبداد ومصارع الاستعباد، بيروت: لبنان، دار النفائس 2006، ص30

[ii]  مذكرات خالد العظم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: