مفهوم الحرية في الغرب بين النظرية والممارسة

الحرية مفهوم من المفاهيم الكبرى التي تحكم وعي الإنسان فتحرك مشاعره وتوجه فعله، مثل مفاهيم الحياة والموت والأمل. وهي لذلك من المفاهيم التي يصعب تحديدها تحديداً جامعاً مانعاً، نظراً لتأثرها بالخبرة الاجتماعية وارتباط معانيها بجملة من المفاهيم المساوقة. وسيتبين لنا خلال استعراضنا للمعاني المرتبطة بالحرية الطبيعة الإشكالية لهذا المفهوم، وضرورة تحليل دلالاته المختلفة باعتماد منظومة من المفاهيم المكملة لمعانيه والمحددة لمفهومه الدلالي، وفي مقدمتها مفاهيم المسؤولية والنظام والهيمنـة.

حاولت في هذه العجالة إظهار إشكالية الحرية في الفكر الغربي الحداثي، وبيان أن الفكر الحداثي قدم لنا مفهومين متقابلين – لا مفهوماً واحداً – للحرية: المفهوم البريطاني الذي يرى أنّ الحرية تفلت من القيود الاجتماعية، والمفهوم القاري الذي يؤكد على أنّ الحرية ناجمة عن التزام الفرد والمجتمع بالواجب. كذلك سعيت إلى ربط تطور مفهوم الحرية بالسياق التاريخي للمجتمع الغربي، وأبرزت أهمية توظيف النموذج العملي المرتبط بآلية “المطالبة” وعدم الاكتفاء بالتحليل النظري لظاهرة الحرية. وانتهت إلى بيان أهمية دراسة النموذج العملي لفهم المفارقة بين التأكيد النظري على استحقاق الإنسان للحرية ونزوع الديمقراطيات الغربية إلى الهيمنة الخارجية.

السياق الاجتماعي والتاريخي

تتحدد عملية تطوير المفهوم بتجريده عن سياقه الزماني والمكاني، أي عن السياق الثقافي والتاريخي المواكب. هذا التجريد عنصر أساسي في عملية فهم التجربة الإنسانية، وشرط أولي لتحويل الظاهرة المعيشة إلى فكرة متداولة وخطاب معرفي. وكما نعلم جميعاً فإنّ عملية التجريد هذه تتم عبر تخليص المفهوم من خصوصياته الزمانية والمكانية وإعطائه سمة إنسانية عامـة تتجاوز التجربة الخاصة للأفراد والجماعات التي تشكل تجربتهم القاعدة التي ينطلق منها المفكر أو الباحث في عملية التجديد، أي أنّ التجريد يتم دائماً من حالة مشخصة عبر عملية الاستقراء لتحديد العناصر الكلية المشتركة في التجربة أو الخبرة المرصودة. وهنا تكمن المفارقة، فعملية التجريد الهادفة إلى تحديد المفهوم الكلي الذي يتجاوز الخصوصيات الزمانية والمكانية تنطلق دائماً من تجربة محدودة في الزمان والمكان، وتعتمد أفراداً وجماعات لا تتطابق أحوالها وظروفها تطابقاً كاملاً مع ظروف وأحوال الجميع.

إظهار المفارقة المشار إليها آنفاً لا يهدف بطبيعة الحال إلى التشكيك بأهمية التجريد أو التقليل من أهمية الجهود الفكرية الرامية إلى البحث عن الكليات في التجارب الإنسانية، بل ترمي إلى التنويه بضرورة التعامل مع عمليات التجريد والإشارات الكلية في الخطاب الفكري والبحث الاجتماعي المعرفي على أنها تجريدات وكليات غير نهائية، وبالتالي التنبيه إلى عناصر الاختلاف والتطابق بين الخصوصيات التاريخية المساوقة لتطوير المفهوم المعتمد وخصوصيات التجربة التاريخية الراهنة. بعبارة مكافئة نقول بأن المفارقة المذكورة تؤكد حيوية التجربة الإنسانية وضرورة تجديد الفكر والخطاب لاستيعاب الخصوصيات الراهنة ومحاذير التعامل مع المعرفة المستقاة من التجارب الإنسانية السابقة، أو تجارب المجتمعات السياسية المغايرة على أنها معرفة ناجزة وصالحة لكل زمان ومكان.

إشكالية الحرية والخصوصيات التاريخيـة

إن مقارنة سريعة لموقع مفهوم الحرية في الأدبيات الحداثية تظهر لنا أنّ هذا المفهوم يحتل مركز الصدارة في الفكر الغربي الحديث، وأنّ المفاهيم المعيارية الأخرى لا تكاد تضاهيه أو تزاحمه. بل نجد أنّ معظم المفاهيم المعيارية الأخرى مثل مفاهيم العدل والمساواة تستمد شرعيتها ومصداقيتها بالإشارة إليه. كذلك تظهر لنا المقارنة أنّ الحرية في الفكر الحداثي إشكالية سياسية، بل لنقل إنها الإشكالية السياسية التي استهلكت ولا تزال الجهد الفكري الأعظم.

عودة سريعة إلى الوراء تظهر لنا أنّ الإشكالية السياسية الأساسية التي واجهها الفكر الإغريقي هي إشكالية العدل. فكتابات الفلاسفة الإغريق تشدد على مفهوم العدل باعتباره مفهوماً مفتاحياً في الحياة السياسية والأخلاقية. لذلك نجد أفلاطون، مؤسس الفلسفة العقلانية التي انبنت عليها الفلسفة الحديثة، يعطي العدل الأولوية المعيارية في النظام السياسي والأخلاقي الذي كرس جهده لتحديد معالمه. ولا نكاد نجد لمفهوم الحرية أثراً في منظومته الأخلاقية والسياسية. فالمجتمع السياسي الفاضل هو المجتمع السياسي العادل. ويتحقق العدل في المجتمع من خلال تكامل جهود أفراده، وقيام كل فرد بالوظيفة الاجتماعية التي تتناسب مع مهاراته واستعداداته النفسية والجسدية[1]. ومن هنا اعتبر أفلاطون أن التوازن والاعتدال السلوكي في الفرد، والتكامل الوظيفي والانضباط في استخدام الموارد المتاحة على مستوى المجتمع السياسي، القاعدة الأساسية لتحقيق مجتمع سياسي عادل. كذلك ربط أرسطو من بعده المجتمع السياسي النموذجي بغياب التباين الاقتصادي بين فئات المجتمع، وانتماء الكثرة الغالبة من أبناء المجتمع إلى طبقة متوسطة، تمارس نشاطها الاجتماعي بعيداً عن حالة الفقر المدقع أو الثراء الفاحش. فالاعتدال الاجتماعي المبني على تقارب الموارد والإمكانيات، والاعتدال النفسي المتمثل بانضباط الفرد بمجموعة من القيم تحول دون تطرفه السلوكي، شرطان أساسيان عند أرسطو لتحقيق مجتمع عادل.[2]

استبعاد الفلاسفة الإغريق لمفهوم الحرية من منظومتهم المعيارية لم يكن نتيجة جهل بالدلالات السياسية والاجتماعية لهذا المفهوم، بل نجم في تقديرنا عن المعطيات العملية لتطبيق مفهوم الحرية في المجتمع الإغريقي التاريخي. فقد واكب بروز المدرسة الفلسفية العقلانية في التاريخ الإغريقي مرحلة التحول الديمقراطي الذي شدد على ربط العدالة القانونية باختيار الأغلبية من جهة، والذي واكب فترة اتسمت بالتفلت من الضوابط الأخلاقية، استخدم خلالها مفهوم الحرية كذريعة لتبرير التجاوزات السلوكية. يكتب أرسطو واصفاً مفهوم الحرية عند الديمقراطيين الإغريق قائلاً: “يدعو الديمقراطيون إلى إقامة الدولة على أساس أن إرادة الأغلبية هي العليا، ويؤكدون أن الحرية تقتضي أن يعيش كل فرد كما يشاء، بدعوى أن تقييد حرية الإنسان علامة من علامات العبودية”.[3] ومن هنا اعتبر الفلاسفة الإغريق أنّ الحرية انفلات يتناقض مع الحياة الأخلاقية المبنية على الالتزام.

بالمثل، لم تتحول الحرية إلى مبدأ سياسي أو أخلاقي في الحضارة الإسلامية. الإشكالية السياسية التي واجهها المجتمع الإسلامي هي إشكالية تحقيق النظام السياسي وتجاوز الفوضى السياسية والتشرذم القبلي، وهي لذلك عكس الإشكالية التي واجهها الفكر الغربي الحديث في جهده لتجاوز الاستبداد الإقطاعي والملكي إبان بروز الدولة الديمقراطية الحديثة في أوربا. لذلك نجد الأدبيات السياسية في التاريخ الإسلامي تركز على مفاهيم الطاعة والانقياد إلى الشريعة بل نجدها تبرر إمارة المتغلب إذا رافقها عمل بأحكام الشريعة.[4]

لم تتحول مسألة الحرية إلى إشكالية سياسية لدى تحول السلطة السياسية من الخلافة إلى الملك، واستبداد البيت الأموي ثم العباسي بالملك. بل نجد أنّ الحرية برزت باعتبارها إشكالية أخلاقية وتصورية، تركزت حول مسائل الجبر والاختيار المشهورة في الأبحاث الكلامية. ويعود ذلك في تقديرنا إلى أنّ التحدي الأساسي الذي واجهه المجتمع الإسلامي التاريخي لم يكن يوماً تحدياً مرتبطاً بدولة مركزية تقيد حرية الفرد من جوانبها المختلفة، كما هو حال الدولة الحديثة، بل تعلقت مشكلة الحرية في تأثير الفرد بالحياة الاجتماعية وأساليب الحياة التي روجت لها ونافحت عنها القوى الاجتماعية والفرق الدينية المختلفة. لذلك طرح سؤال الحرية في سياق التسيير والتخيير: هل الإنسان مُسير أم مخير؟ أو بتعبير مكافئ: هل الفرد مسؤول عن خياراته المرتبطة بالتقاليد وأساليب الحياة السائدة، وهل هو مطالب بالتصدي للانحرافات والقيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

الحرية تحرير للفرد من القيود الاجتماعيـة

لعل أولى الكتابات الغربية التي حاولت إظهار إشكالية الحرية في سياقها الحديث تلك التي قدمها توماس هوبز البريطاني. يعرف هوبز الحرية قائلاً: “الحرية بمفهومها الصحيح هي غياب القيود الخارجية التي تحول بين الإنسان وفعل ما يمليه عليه عقله وحكمته”.[5]

بيد أن هوبز يدرك أنّ حرية الفرد غير مستقلة كلياً عن حرية الجماعة السكانية التي ينتمي إليها، وبالتالي فهي غير مستقلة عن مفهوم النظام السياسي القوي القادر على تحقيق الأمن والعدل لأفراده. ولأنّ الفوضى السياسية خطر على أمن الأفراد، فقد رأى هوبز أن يمنح الحاكم سلطات واسعة لتحقيق الأمن والحيلولة دون الفوضى والتنازع السياسي. طاعة السلطة السياسية واجب على الأفراد، لكنها واجب منبثق عن عقد اجتماعي يوحد المجتمع السياسي. وبالتالي فإنّ سلطة الحاكم مستمدة من المجتمع السياسي، لا من سلطة خارجة عنه. السلطة السياسية التي يمنحها هوبز للحاكم واسعة، لكنها محدودة بالقانون الطبيعي، وبالتحديد بحق الأفراد الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم.

يعتبر توماس هوبز رائداً في الفكر السياسي الحداثي. إذ أننا نجد في كتاباته جهداً واضحاً لربط الحقوق والحريات السياسية بمفهومي القانون الطبيعي والعقد الاجتماعي اللذين يشكلان القاعدة التي يقوم عليها النظام الديمقراطي الحديث. كذلك نجد في كتابات هوبز مفهوم الحرية الذي تبنته الفلسفة السياسية البريطانية، ثم الأمريكية، ليصبح اليوم المفهوم السائد في الأدبيات الغربية بعد أن هيمنت الرؤية السياسية البريطانية – الأمريكية على النظام السياسي العالمي. الحرية كما يعرفها ويعرضها هوبز تستلزم إطلاق إرادة الفرد، وهي بالتالي تتناقض مع مفهوم العقد والقانون: “لقد أقام الناس قيوداً مصطنعة أسموها القانون المدني، كما أقاموا كياناً مصطنعاً أسموه المجتمع السياسي، وذلك بغية تحقيق السلام والأمن”.[6]

وعلى الرغم من تأكيد هوبز على أن القانون الطبيعي يعطي الإنسان حرية مطلقة في التصرف، فإننا نراه يدعو في كتاباته إلى التخلي عن الحرية لحاكم مطلق من أجل تحقيق السلام والأمن. فسلطة الحاكم لا يحدها سوى الحق الطبيعي للفرد في الدفاع عن حياته أو ممتلكاته. هذه الرؤية للدولة الحديثة خضعت فيما بعد إلى تعديلات مهمة في المدرسة البريطانية، لعل أهمها تعديلات جان لوك الذي اعتمد البناء الأساسي الذي طوره هوبز، والقائم أساساً على مفهومي القانون الطبيعي والعقد الاجتماعي.

احتفظ جون لوك في كتاباته بمفهوم الحرية الهوبزي، لكنه خالفه في مدى السلطات المطلوب إعطاؤها للحاكم لتحقيق الأمن والسلام. فغاية المجتمع السياسي لا تتحدد فقط في الأمن والسلام، بل وأيضاً الحرية، وبالتالي يتوجب على السلطة السياسية احترام الحريات إضافة إلى توفير الأمن والسلام. وفي حين أطلق هوبز سلطة الدولة، وأعطى الحاكم حق التصرف طالما عمل على حفظ أمن المواطنين وممتلكاتهم، نرى لوك يجنح إلى تقييد سلطة الدولة وحصرها في وظائف ثلاثة: تحقيق أمن الأفراد، وحفظ ممتلكاتهم، وصيانة حرياتهم الشخصية والعامة.[7]

الحرية تطابق بين إرادة الفرد والمجتمع

مفهوم الحرية باعتبارها فقدان القيود الاجتماعية، البريطاني الأصل، واجه تحويراً هاماً في كتابات الفلاسفة الفرنسيين والألمان، أو ما يشار إليه أحياناً بالفلسفة القارية (Continental Philosophy). ذلك أنّ الفلاسفة القاريون عمدوا، بدءاً بكتابات روسو، إلى تطوير مفهوم آخر للحرية يقوم على تطابق إرادة الفرد وإرادة الجماعة السياسية. ففي كتابه الشهير “العقد الاجتماعي” سعى روسو إلى تحديد إشكالية الحرية على النحو الآتي: “كيف نحدد شكل الرابطة السياسية القادرة على حماية حياة أعضائها وممتلكاتهم من خلال تضافر قواهم من ناحية، والتي تسمح للأفراد بإطاعة إرادتهم الشخصية المستقلة”.[8]

حل الإشكالية هذه مرتبط، كما يؤكد روسو، بفكرة الإرادة المشتركة. ومفهوم الإرادة المشتركة الذي قدمه روسو لحل إشكالية الحرية مفهوم عويص. فلإرادة المشتركة كما يعرضها روسو إرادة عامة تتماهى فيها إرادة الأفراد تماهياً يؤدي إلى التطابق الكامل بين إرادة الفرد وإرادة المجموع. ويصف روسو هذه الإرادة بأنها واحدة لا يمكن تجزئتها إلى إرادات ثانوية، ولصيقة بأفراد الجماعة لا يمكن لأي منهم رفضها أو التخلي عنها، ولا يمكن نعتها بالقصور أو الخطأ.[9]

واضح أنّ مفهوم الإرادة المشتركة مختلف عن مفهوم المصلحة العامة؛ فمفهوم الإرادة المشتركة يفترض تطابقاً في القيم والتصورات، إضافة إلى المصالح، بحيث تتفق رؤى أفراد المجتمع في تطويرهم للقواعد السلوكية والقوانين الحاكمة والموجهة لمصالحهم الشخصية. وبالتالي فإنّ الحل الروسوي يفترض تجانساً ثقافياً ودينياً بين أفراد المجتمع، إضافة إلى تطابق المصالح الشخصية لأفراد المجتمع. مثل هذا التطابق ممكن في إطار ضيق، وبالتحديد في إطار مجتمع مغلق ينتمي أفراده إلى خلفية عرقية متجانسة، ويعتنقوا ثقافة دينية لا تنطوي على أي انقسامات عقدية أو مدراس تفسيرية، وتتطابق فيه أحوال أفراده المعيشية. ولعل الأنماط الاجتماعية التي تحقق الشروط المذكورة إلى حد بعيد تقتصر على الحياة القبلية والزراعية. وتكاد الشروط السابقة تختفي في أي مجتمع سياسي يتجاوز في بنيته القبلية أو القرية.

ويبدو أن روسو نفسه قد تنبه إلى التباين بين نموذجه السياسي ومعطيات الحياة الإنسانية، فنراه في معرض بحث مسألة التشريع في مجتمعه المنشود يورد التحفظ الآتي: “لاكتشاف القوانين المناسبة للقوميات، ثمة حاجة لعقل فائق، قادر على إدراك رغبات الناس دون الخضوع لها، وفهم الطبيعة البشرية دون التأثر بها، والذي يستقل سعادته عن سعادتنا، ومع ذلك يبقى مهتماً بسعادتنا؛ والذي يملك القدرة على الانتظار كل الوقت اللازم لتحقيق مجد بعيد، والذي يعمل في جيل ليقطف الثمار في جيل آخر؛ ثمة حاجة إلى آلهة كي تشرع للناس”.[10]

وهذا ما دفع روسو إلى البحث عن عقيدة يجتمع حولها الناس، ودعى إلى تأسيس دين مدني يدفع الناس للالتزام بالقانون الوضعي التزاماً ذاتياً، كما يلتزم المؤمن بمبادئ دينه وعقيدته. وبعد استعراض سريع لمثالب الممارسة الدينية في دائرة العمل السياسي، وبالتحديد الحروب الأهلية بين الفرق الدينية، يشدد روسو على أن الدين المدني الذي يدعو إليه يحتفظ بعقائد مهمة من عقائد الديانات التاريخية، وبالتحديد الإيمان بإله رحيم عادل، والاعتقاد بمسؤولية الإنسان الوجودية أمام الله في الحياة الآخرة، وضرورة نبذ التعصب الديني والتشدد العقدي، والالتزام بالتسامح بين العقائد والأديان: “يجب أن تكون عقائد الدين المدني بسيطة ومعدودة، ومعروضة بوضوح دون تفسيرات أو تأويلات: الإيمان بإله قدير حكيم رحيم قيوم معطي، الإيمان باليوم الآخر، وبسعادة العادل وشقاء الآثم، وحرمة العقد الاجتماعي والقانون. أما العقائد السلبية فإنني أختزلها إلى واحدة: لا تعصب. فالتعصب ينتمي للأديان التي ذكرناها آنفاً”.[11]

الحرية صنو العقلانية

لم يلبث الاتجاه الجديد الذي اتخذه روسو في تعريف الحرية أن أخذ بعداً فلسفياً متكاملاً في كتابات هيغل. فالحرية كما يراها هيغل هي نقيض الحرية في المفهوم الهوبزي البريطاني. إذ يؤكد هيغل أن الحرية الحقيقية للفرد تتحقق من خلال التزامه بالواجب: “تظهر الواجبات وكأنها قيود للذوات المائعة التي تنظر إلى الحرية على مستوى التجريد، وكذلك للإرادة الطبيعية في الإنسان أو الإرادة التي تحدد معنى الحياة الطيبة بطريقة عشوائية. في حين يحقق الإنسان حريته على أرض الواقع من خلال التزامه بالواجب. فالواجب يحرر الإنسان أولاً من التبعية للنزوات الطبيعية ومن الاكتئاب الناجم عن عجز الإنسان عن تحقيق الأمثل؛ وثانياً يحرره من البقاء في حالة عدم تعين نتيجة استغراقه في معاني بعيدة كل البعد عن الحياة العملية”.[12]

الحرية إذن، كما يعرضها هيغل، ليست شعاراً يرفع بعيداً عن الممكنات الاجتماعية، بل يجب أن تتحقق عبر استيعابها لهذه الممكنات. والممكنات الاجتماعية تقضي بأن قدرة الإنسان على العيش حياة تتسم بالحرية مرتبطة بالجماعة السكانية التي ينتمي إليها. وبالتالي فإن حرية الإنسان على الفعل تتوقف على تطابق القواعد التي تحكم فعله والقواعد التي تحكم أفعال الآخرين من جهة، والانسجام بين هذه القواعد وإرادة الإنسان الذاتية. مثل هذه المعادلة لا تتحقق إلا عند التزام الجماعة السكانية بمبادئ سلوكية مشتركة نابعة عن قناعة ذاتية لتلك الجماعة، أي في حياة أخلاقية مشتركة تتطابق فيها الإرادة والواجب. لذلك يعتبر هيغل الدولة قاعدة أساسية لتحقيق معنى الحرية لأنها، كما يرى، الكيان الوحيد القادر على نقل مفهوم الحرية من حيز التصور والوعي الوجداني إلى حيز التطبيق والممارسة الحياتية. بل يذهب هيغل إلى ربط الوجود الحقيقي والعملي للفرد بوجود الدولة التي تحقق على أرض الواقع القيم التي يحملها ويلتزم بها: “الدولة هي تجسيد فعلي للعقل، فإن الفرد يستمد حقيقته واستقلاليته ووجوده الأخلاقي عبر الانتماء إلى الدولة”.[13]

وعلى الرغم من أن هيغل يفرق في كتاباته بين الدولة والمجتمع الديني، ويعتبر الأخير مجالاً مهماً للممارسة التعددية، والمحافظة على التنوع الاجتماعي، بل ويعتبره المساحة الرئيسية في الحياة الاجتماعية لتجلي القانون، فإنّه يجعل الدولة المحور الأساسي لتحقيق مفهوم الحرية الاجتماعية. ولأنّ الدولة الحديثة تنزع بطبيعتها إلى المركزية وإلى الهيمنة على دوائر متزايدة من دوائر الحياة الاجتماعية، فقد ساهمت كتابات هيغل، كما ساهمت كتابات غيره من أقطاب الفلسفة القارية، إلى تهيئة النفوس والعقول لتقبل فكرة الدولة الفاشية التي سيطرت على مساحة واسعة من القارة الأوربية خلال النصف الأول من القرن العشرين.

إشكالية الحرية بين التفلت والتسلط

تمكنت المدرسة القارية من تخليص مفهوم الحرية من معاني الانفلات والعبثية الذي اقترن بالمفهوم البريطاني للحرية، من خلال إعطائها محتوى أخلاقياً إيجابياً، لكنها في الوقت نفسه قيدت هذا المفهوم بالدولة، وبالتالي مهدت الطريق أمام النخب الحاكمة لاستخدام سلطة الدولة لفرض مجموعة من القيم والتصورات على المجتمع، لتتيح بذلك الفرصة أمام الدولة للتسلط والهيمنة باسم الحرية وتحرير الإنسان.

ذلك أن المفاهيم التي طورتها المدرسة القارية قابلة للتفسير – وتم تفسيرها فعلاً – بطريقة تؤدي إلى تبرير الهيمنة والتسلط. بل نجد عبارات واضحة في كتابات رواد المفهوم الأخلاقي للحرية تدعو إلى استخدام القوة لفرض الإرادة المشتركة للمجتمع: “يحق للمجتمع السياسي فرض الإرادة المشتركة على كل من يرفض اتباعها، وهذا يعني أن البعض سيرغم على اختيار الحرية”.[14]

فرض الحرية على أفراد المجتمع يمكن أن يفهم على أنه إرغام للعناصر المنحرفة في المجتمع على اتباع القانون، وبالتالي التحرر من النزوات والمصالح الضيقة. لكنه يمكن أن يفسر على أنه دعوة إلى إلزام الأقلية الدينية والسياسية بخيارات وتصورات الأغلبية، أو فرض الرؤية الكلية للنخب الحاكمة على جمهور الناس باستخدام سلطة الدولة ومؤسساتها. وهذا يجعل مفهوم الحرية القاري غير مناسب في المجتمعات التعددية المركبة التي تجاوز الأشكال التنظيمية البسيطة المرتبطة بالمجتمعات القبلية أو الزراعية.

هذه المفارقة بين النزوع إلى التحرر من سيطرة الآخر والرغبة في توظيف القوة الناجمة عن تحرير الذات من الهيمنة لفرض إرادة الذات على الآخر هي جوهر إشكالية الحرية في الفكر والحضارة الغربية الحديثة. المفارقة ليست مفارقة نظرية صرفة، والإشكالية ليست إشكالية فلسفية وحسب، بل نجد تجليات ازدواجية مفهوم الحرية في الحركة التاريخية للمجتمعات الغربية، الحديثة أولاً، ثم المجتمعات غير الغربية التي تبنت النموذج الغربي.

تبدو المفارقة العملية لإشكالية الحرية بدءاً في تزامن المد الاستعماري الغربي مع حركات التحرر الغربية التي قضت على الأنظمة الملكية المستبدة. وشكل التنوع في مفاهيم الحرية أرضية نظرية استخدمت بذكاء لتبرير التناقض بين الدعوة إلى تحرير المجتمعات الغربية من هيمنة النخب الإقطاعية والملكية من جهة، والدعوة إلى فرض هيمنة المجتمعات الحرة على شعوب أخرى خارج أراضيها. وتمكن المنظرون الداعون إلى هيمنة الغرب من توظيف حشد كبير من المفاهيم الثانوية لتعمية التناقضات وتغطية التسـلط مثل مفاهيم “المصلحة القومية” و “الأمن القومي” و “المجتمعات الحضارية” و “الرسالة الحضارية” و “القانون الطبيعي” و “العقد الاجتماعي”. فقد حصر مفهوم “الدولة القومية” ومفهوم ” العقد الاجتماعي” المسؤولية الأخلاقية ضمن المجتمع السياسي، وأباح مفهوم “القانون الطبيعي” الهوبزي استخدام القوة المجردة من الالتزام الأخلاقي والقانوني المدني تجاه المجتمعات السياسية المغايرة. كما سمح مفهوم “تطوير المجتمعات المتخلفة” و “المصلحة القومية” لحركة التوسع الاستعماري بحجة نقل الحياة الحضارية من المجتمعات الغربية إلى المجتمعات الأخرى.

وتبدو مفارقة التحرر الغربي (الليبرالية) أكثر وضوحاً في المجتمعات النامية. فقد أدت حركات التحرر في هذه المجتمعات إلى بروز الدول النامية الحديثة التي ألغت، أو كادت، كل مساحات الحرية في المجتمع المدني، وحولت المجتمعات النامية إلى مؤسسة مركزية تتحكم في كل مؤسسات المجتمع وتلحقها بجهاز الدولة.

الحريـة صنو القــوة

المفارقة بين خطاب الحرية والنزوع الاستعماري التسلطي خارج حدود المجتمع السياسي الغربي دفع واحداً من أكثر المفكرين الغربيين تأثيراً في الفكر بعد الحداثي إلى الثورة على الفلسفة الغربية الحداثية ووصفها بالنفاق والازدواجية، ليصبح اليوم أبرز رموز الفلسفة بعد الحداثية. يرفض نيتشه في كتاباته دعوى الفكر والفلسفة الغربيين الحديثين أنهما يهدفان إلى البحث عن الحقيقة، ويرى أن الإرادة الحقيقية للفكر الغربي ليست إرادة الحق بل إرادة القوة. وبالتالي يجعل نيتشه مبدأ القوة المبدأ الحاكم للفكر والفعل.[15]

يرى نيتشه في الفلسفة الحديثة ازدواجية لأنها تخفي النزعة الحقيقية للخطاب الفلسفي بادعائها أن هدفها الأول البحث عن الحقيقة. فالهدف الحقيقي للفلسفة والفلاسفة، كما يؤكد نيتشه، بناء رؤية محددة للعالم تتوافق مع النزعات الذاتية لأصحابها، ثم العمل لإعادة تشكيل العالم وفق هذه الرؤية. وبالتالي فإن الهيمنة وإرادة الهيمنة هما الباعث الأساسي للتفكير الفلسفي، كما يرى نيتشه.[16] ويشير نيتشه إلى أن أكثر دعاة الحرية والديمقراطية في أوربا، الشعب البريطاني والجاليات اليهودية، هما أكثر الشعوب رغبة في الهيمنة وتوسيع دائرة سيطرتهم على الشعوب الأخرى[17].

ينتهي نيتشه في تحليله للفكر الغربي والمجتمع الغربي الحديث إلى اعتماد مبدأ “إرادة القوة” مبدأ تأسيسياً، يفسر من خلاله الحضارة الغربية – بل التاريخ الإنساني برمته. لذلك يعتمد نيتشه مفهوم “إرادة القوة” لتفسير حركات التحرر الأوربية والنظام الديمقراطي الناشط في العالم الغربي. ويستنتج نيتشه أن الممارسة الديمقراطية والحريات العامة التي ينادي بها الغرب لم تكن في يوم من الأيام هدفاً بحد ذاتها، بل عرضاً لتنامي إرادة القوة في أوربا. فالهدف الأول لجهود الأفراد والجماعات في المجتمعات الأوربية الهيمنة والسيطرة وفرض الذات على الآخر. والقبول بالحوار وبالحلول والمواقف الوسطية وفق آليات القرار الديمقراطي يعكس في جوهره عجز أي من القوة السياسية المتنافسة السيطرة وإخضاع الآخر من خلال الفرض الكامل للذات. وبالتالي فإنّ التنازلات التي يقدمها الخصوم السياسيون والتي تنعكس في الممارسة الديمقراطية ناجمة عن تكافؤ القوة، وانتشـارها في مختلف أجزاء المجتمعات الغربية الحديثة، وعدم انحصارها في فئة واحدة مهيمنة.

من الواضح أن محاولة نيتشه اختزال الحياة الحديثة إلى ممارسات يمكن أن تفهم باعتماد مبدأ “إرادة القوة” لا يعكس بالكامل الأبعاد النظرية والأخلاقية التي تحرك المجتمع الحديث. بيد أن تسليط نيتشه الضوء على مبدأ القوة يسمح لنا بفهم العديد من المفارقات والتناقضات التي لا يمكن فهمها باعتماد المنظور الإنساني الأخلاقي التحرري الذي تؤكده معظم الفلسفات الحديثة.

وبالتأكيد فإن تحليل نيتشه يبرز بعداً غائباً في الحياة الحديثة المنبثقة عن التجربة الأوربية الضاربة جذورها بعيداً في التاريخ القروسطي الأوربي. فالحياة الديمقراطية ليست نظرية ورؤية أخلاقية أو وجودية فحسب، بل هي بنية اجتماعية وحالة نفسية تنعكس في سلوك أفراد المجتمع الحر وممارساته العامة.

تداخل خطاب الحريـة والهيمنـة في ممارسات الدولة الحديثـة

يبدو جلياً لدى استعراضنا السريع لجوانب من مفهوم الحرية في الفكر الحداثي ارتباط هذا المفهوم بالمنظومـة الفكرية التي تشكل سياق عمله واستخدامه من جهة، وبالبنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع. ووجدنا أنه على الرغم من النزعة التحررية (الليبرالية) الواضحة في الخطاب الحداثي، فإن النتائج العملية المترتبة عن هذا الخطاب لا تؤدي بالضرورة إلى تحرير الإنسان، بوصفه إنساناً، بل غالباً ما تؤدي إلى تحرير الإنسان بوصفه عضواً في مجتمع سياسي محدد. لقد مكن مفهوم الدولة القومية القيادات السياسية والنخب الحاكمة من توظيف هذا المفهوم لتقليص دائرة الحقوق والحريات ليقتصر على المجتمع السياسي للدولة القومية، وتحرير القيادات السياسية للدولة القومية من الالتزام بمبادئ الحق والعدل والمساواة خارج دائرة المجتمع السياسي الحديث. فنحن نجد، مثلاً، أن المبدأ الحاكم في التعامل بين الدول القومية هو مبدأ “المصلحة القومية” لا مبدأ “الحق” أو “المساواة” أو غيرها من المبادئ المعتمدة في الخطاب السياسي الليبرالي. فالدول المتقدمة صناعياً وعسكرياً تجيز لنفسها الهيمنة على الدول النامية واستغلال ثرواتها بحجة تحقيق “المصلحة القومية” أو “الأمن القومي”. كذلك شكل مفهوم “العنصر المتفوق” أساساً لتجريد “السود” في الولايات المتحدة الأمريكية من حقوقهم المدنية قرابة قرنين من الزمان، على الرغم من تأكيد الخطاب السياسي الأمريكي طوال تلك الفترة على حرية الإنسان. ولم يتمكن الأفارقة الأمريكيين من تحصيل بعض حقوقهم المدنية إلا بعد تحولهم إلى قوة سياسية مؤثرة وتحرير إرادتهم من نوازع الضعف والعبودية، ورفضهم الهيمنة العنصرية.

لقد أدى تداخل خطاب الحرية والهيمنة، ونزوع الدولة الحديثة إلى حصر ممارسة الحرية ضمن إطارها السياسي إلى معاناة شديدة طوال القرنين الماضيين، نتيجة المد الاستعماري الذي حوّل أقطار العالم إلى مناطق نفوذ للدول الأوربية الحديثة، ونتيجة حربين عالميتين اصطدمت خلالهما الشعوب الغربية، وخلفتا قرابة مائة مليون قتيل.

يرى العديد من الباحثين الغربيين أنّ الحرب العالمية الثانية شكلت صداماً ميدانياً لمفهومي الحرية الإنجليزي الهوبزي والألماني الهيغلي، الحرية بوصفها تحريراً للفرد من تسلط المجتمع، والحرية باعتبارها التزام الفرد بالمبادئ والقيم التي تحرره من النزوات والعبث. ويرون كذلك أن انتصار المعسكر الإنجليزي على المعسكر الألماني مثل في حقيقة الأمر انتصار المفهوم الهوبزي على المفهوم القاري.

وبعيداً عن الدعاوى الكبرى التي يحملها الادعاء السابق، ثمة حقيقة واضحة: أدت الحرب إلى انتصار النظام السياسي البريطاني-الأمريكي الذي يصر على تحرير مؤسسات المجتمع المدني (الأسرة، الجماعات الدينية، المؤسسات الاقتصادية، النقابات المهنية، إلخ..) من هيمنة الدولة على النموذج الفاشي–النازي الذي يعطي الدولة الحق في الهيمنة على كافة مؤسسات المجتمع. بيد أنه من الخطأ تحميل مفهوم الحرية، بوصفها رديف لالتزام الفرد بالواجب، مسؤولية هذه الهزيمة. فالتحليل الدقيق للنظامين الفاشي والنازي يظهر أن المشكلة الحقيقية لهذين النظامين تنبع من استبداد الحزب الحاكم وتحويل رؤية الحزب وعقيدته إلى حقيقة كلية لا تقبل المناقشة والنقد. ومن ثم استخدام أجهزة الدولة لإسكات الصوت المعارض وإضعاف الكيانات الاجتماعية والسياسية المغايرة، أو إلغاؤها كلياً. وبعبارة أدق، تكمن المشكلة في السياق النظري الذي يشكل الرؤية الكلية المعتمدة لاستيعاب المفهوم وربطه بغيره من المفاهيم الأساسية، كما يكمن في النموذج العملي الذي اعتمد لتحويل المفهوم من فكرة مجردة إلى بنية اجتماعية وممارسة سياسية.

النموذج الحداثي للحريـة

بناءً على السابق يمكن القول إنّ إشكالية مفهوم الحرية في الفكر الحداثي الغربي ناجمة أساساً عن تحليل المفهوم على المستوى النظري، وإغفال المؤثرات العملية التي تحكم هذا المفهوم. وبالتالي فإنّ تجاوز إشكالية الحرية الحداثية وحل لغزها يتطلب الانتقال بالتحليل من مستوى النظرية إلى مستوى النموذج.

برز الغرب الحديث إلى الوجود على أنقاض النظام الإقطاعي الذي هيمن على أوربا على مدى حقب من الزمن، منذ منتصف العشرية الميلادية الأولى إلى منتصف العشرية الثانية. ورافق بروزه تنامي القدرات العلمية والمالية للقطاعات الاجتماعية التي هيمن عليها الإقطاعيون. وتمكنت القطاعات الاجتماعية المسحوقة عبر ثورات وانتفاضات وحروب أهلية من المطالبة بحقوقها السياسية. وبقيت المطالبة عبر تاريخ الغرب الحديث المدخل الوحيد للتحرر والمشاركة في الحقوق. الحقوق في النموذج الغربي لا تمنح للأفراد والجماعات وفق الخطاب النظري الحداثي الذي يؤكد على تساوي الناس في الحقوق والواجبات العامة، بل تؤخذ نتيجة لمطالبة حثيثة وأكيدة يحشد خلالها المطالبون جموعهم، ويظهروا إصرارهم على المعنى حتى تحقيق مطالبهم، وتتزايد جموعهم وتنمو قواهم إلى المستوى الذي يرغم النظام على تعديل بنيته أو ممارساته لاستيعاب المطالب الجديدة. لذلك فإنّ التمتع بالحقوق المعلنة يتبع آلية: “المطالبة – بناء القوة – توازن القوى”. آلية المطالبة هذه أساسية لفهم تطور المجتمعات الغربية من المرحلة الإقطاعية – عبر سلسلة من المطالبات – إلى المرحلة الراهنة.

وعلى الرغم من إمكان اعتماد آلية المطالبة لفهم مجمل التغيرات في المجتمعات الغربية، فإننا نكتفي بمثالين: الحركة العمالية وحركة الحقوق المدنية.

تركز مفهوم الحرية في القرن الماضي حول حرية التصرف بالممتلكات الخاصة، وهو المفهوم الذي طوره ودافع عنه مفكرو عصر الأنوار للحيلولة دون الأنظمة الملكية والتحكم بالممتلكات الخاصة للأفراد. ولم يلبث أن وظف مبدأ حق الأفراد بالتصرف بممتلكاتهم للدفاع عن حق أصحاب رأس المال التصرف بمؤسساتهم التجارية والصناعية دون اعتبار لمصالح العمال. واستخدمت الدولة للحيلولة بين العمال والدخول في تفاوض جماعي لضمان حقوقهم المالية.

بيد أن تزايد القوى السياسية للفئات العاملة، عبر تأسيس نقاباتهم للمطالبة بحقوقهم، وتزايد الدعم العمالي والشعبي لمطالب النقابات العمالية، أدى إلى تراجع المؤسسات الرسمية عن موقفها الرافض للتفاوض الجماعي، وعدلت القوانين لتسمح للنقابات بالتفاوض مع أصحاب العمل نيابة عن أعضائها، وأدى هذا التغيير إلى تحسين الظروف المعيشية للطبقة العاملة.

وبالمثل لم يتمكن الأفارقة الأمريكيين من رفع الكثير من القوانين المجحفة بحقهم إلا من خلال المطالبة بحقوقهم، وتنظيم أنفسهم ضمن حركة حقوق الإنسان، وذلك بعد مضي قرن من الزمان على إلغاء الرق في الولايات المتحدة الأمريكية، وقرنين من الزمان على إعلان وثيقة الاستقلال واعتماد الدستور الأمريكي اللذين أكدا تساوي الناس في الحقوق والواجبات. وأظهرت التجربة ثانية أنّ الحقوق والحريات لا تتحصل عبر خطاب فكري مجرد، بل تتطلب فعلاً عملياً، وتتوقف على آلية المطالبة وبناء القوى وتوازن القوى.

تداعيات التجربة الغربية على تطوير مفهوم الحرية في الفكر الإسلامي

أشرنا سابقاً إلى اختزال مفهوم الحرية من الخطاب الإسلامي التاريخي بحرية الإرادة، وعدم ربط هذا المفهوم بالدولة. هذا يعني أن ثمة حاجة إلى تطوير مفهوم الحرية في سياقه السياسي، نظراً لبروز الدولة الحداثية في المجتمعات المسلمة اليوم وهيمنتها الكاملة على القرارات الجماعية والمجتمعية.

الفكر الإسلامي المعاصر لديه فرصه ذهبية اليوم للتعاطي مع مفهوم الحرية تعاطياً يسمح بتجاوز المفارقات الأساسية بين المفهوم وممارساته في المجتمع الحداثي. إمكانية التجاوز هذه مرتبطة بقدرة الفكر الإسلامي المعاصر على فهم أثر السياق التاريخي والمنظومة الثقافية على تشكيل الفكرة، ومن ثم تحويلها إلى مؤسسات اجتماعية فاعلة من جهة، وعلى قدرته على تحليل البنية الاجتماعية والسياسية الفعلية، واقتراح بدائل عملية يمكن أن تضعف أثر المفاهيم الحصرية، مثل مفهوم “الدولة القومية” أو “التفوق العنصري” أو “التفوق الديني”.

هوامش

[1] أنظر أفلاطون، الجمهورية، ص 218-223: Photo, The Republic (NY: Penguin Books, 1987)

[2] أنظر أرسطو، السياسة، ص 106-111: Aristo, Politics, in William Bernstein, Great Political Thinker ( NY: Holt, Rinehart, and Winston, 1969).

[3] المصدر نفسه، ص 102.

[4] أنظر أبو حامد الغزالي، الرسالة المستنصرية، والماوردي، الأحكام السلطانية.

[5] توماس هوبز، المارد، ص 375: Thomas Hobbes, Leviathan, in William Bernstein (NY: Holt, 1969).

[6] المصدر نفسه، ص 381.

[7] جون لوك، دراستان حول الحكومة، في المصدر السابق، ص 412-413.

[8] جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، ص 60.

(J.J. Rousseau, The Social Control in London, Penguin Books, 1988).

[9] المصدر نفسه، 62-74.

[10] المصدر نفسه، ص 84

[11] المصدر نفسه، ص 186.

[12] هيغل، فلسفة الحق، ص 107

Hegel, Philosophy of Right, Franz. TM. Knox (Oxford University Press, 1967)

[13] المصدر نفسه، ص 156.

[14] روسو، العقد الاجتماعي، ص 64.

[15] فر يدريك نيتشه، تجاوز الخير والشر، ص 9.

(Friedrich Nietzsche, Beyond Good and Evil, Trans. Walter Kaufmanns, CNY: Random House, 1966)

[16] المصدر نفسه، ص 104.

[17] المصدر نفسه، ص 187-188.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: