مستقبل الإسلام في رؤيته الحضارية

25 تشرين الأول 2004

“وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما
صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون.” (السجدة 24)

يرتبط مستقبل الإسلام بالعناصر التكوينية لرسالتة وبالحركة التاريخية التي تحكم تطور الأفكار والثقافات. وكما لعبت الرسالة الإسلامية دوراً حاسماً في تطوير المجتمعات الإنسانية باتجاه النضج العقلي والعلمي والأخلاقي، وفي تحرير إرادة الإنسان من وهم الخرافة وهيمنة الأنظمة الكسروية والقيصرية، تظهر الحاجة اليوم إلى مساهمة الإسلام في تحرير الوعي الإنساني من آصار الإباحية والعدمية، وتسلط القوى العنصرية، واستغلال النخب المترفة التي تسعى باستمرار إلى زيادة حدة التفاوت الاقتصادي، للوصول إلى نشوة القوة وثمالة الهيمنة، والتي تبيح لنفسها استغلال الأغلبيات لتنعم الأقليات.

الحديث عن مستقبل الإسلام كما أفهمه ليس حديثاً عن قدرة الرسالة الخاتمة على ترشيد السلوك وزرع الأمل وتقديم الحلول التي تمنح العزة والكرامة. فهذا حديث امتزج بأعمال رواد الإصلاح الإسلامي منذ عقود طويلة، وخالج أرواح رجالات الإسلام مع بروز معالم الصحوة الإسلامية في منتصف القرن الماضي، ورافقهم في حلهم وترحالهم وهم يشهدون إمتداد الصحوة في بلاد المسلمين، وعبورها الجبال والبحار نحو الغرب الذي هاجر المسلمون إليه وأقاموا فيه، ثم عقدوا العزم على حل الرحال، ودق الأوتاد، وضرب الجذور.

الحديث عن مستقبل الإسلام الذي أقصده هنا هو حديث عن مستقبل العمل الإسلامي، والرؤية الإسلامية، والحل الإسلامي. هو حديث عن استراتيجية التحرك وكيفياته، وعن طبيعة المجتمع الذي يسعى المسلم المعاصر إلى إنشائه، وعن طبيعة التحديات التي تواجه الحركة الإسلامية، وسبل التعامل معها. هو حديث عن الفرص التي تواكب التحديات، والآمال التي تختلط بالأحزان والويلات، والتطلعات والأحلام التي تتطاول فوق المخاوف والأوهام.

أحاول في هذه العجالة أن أرسم صورة المشهد السياسي الراهن، وأستعرض أبعاد نبوءة صدام الحضارات، وخلفياتها السياسية والدينية، وعلاقتها بالتطرف الديني في الشرق والغرب، وطبيعة القوى الاجتماعية التي تروّج لها وتسعى إلى تحقيقها. وسمات الرؤى التي تدعم هذه النبوءة وتعمل على إنزالها على الواقع، ومعالم الرؤية القادرة على التصدي لها، والحيلولة دون تجسيدها. وأسعى إلى تأكيد أهمية استشعار أن الصراع القائم اليوم هو صراع بين رؤى حضارية لا صراع بين حضارات، وعلى ضرورة عمل حركة الإصلاح الإسلامي على تجاوز النزعات الذاتية المتمثلة في الاستغراق في الهم الإسلامي، والتحول إلى رؤية إنسانية عالمية، يتسع من خلالها الهم الإسلامي ليحيط بالهم الإنساني، وتستلهم عبرها الأمة الرسالة التي حملها الرسول الأمين فتصبح، كما صار، رحمة للعالمين.

المشهد العام

يمر العالم اليوم بسلسلة من التحولات المتسارعة والتي تمثل في ظاهرها تداعيات لأحداث الحادي عشر من أيلول، والتي استهدف خلالها متشددون إسلاميون أهم المراكز الاقتصادية والعسكرية في الولايات المتحدة، واستفاق العالم بعدها ليجد نفسه في خضم صراع مسلح بين قوى أمريكية وغربية تدعو إلى محاربة الإرهاب العالمي الجديد، وجماعات مسلحة تتحدث بخطاب ديني إسلامي، وتدعو إلى مواجهة الهيمنة الغربية على مقدرات الشعوب الإسلامية، وتعبر عن سخطها وغضبها بضرب أهداف عسكرية ومدنية دون تمييز، في سعي مستمر لنشر الفوضى في المنظومة السياسية المحلية والعالمية.

يبدو الصراع تحقيقا لنبوءة الباحث الأمريكي صاموئيل هانتنغتون بقيام حرب حضارية بين معسكر غربي من جهة ومعسكر إسلامي من ناحية ثانية.[1] والعالم اليوم آخذ بالاستقطاب تدريجيا إلى معسكرين كبيرين، المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة، والمعسكر الإسلامي بقيادة منظمات إسلامية أهلية، تمثلها منظمة القاعدة التي يتزعمها أسامة بن لادن. وينتشر مسرح الصراع العسكري والدموي على مساحة شاسعة، تشمل حتى الآن الولايات المتحدة وأسبانيا وبولونيا وإيطاليا في المعسكر الغربي، كما تشمل أفعانستان والعراق واليمن وفلسطين في المعسكر الشرقي، وهو مسرح مرشح للإتساع إلى مساحات غير محدودة.

ومع ازدياد حدة الصراع واتساع رقعته، ترتفع النبرة الدينية في الخطاب السياسي للأطراف المتصارعة، ويزاد حجم الهوة التي تفصل بين التيارات السياسية في الدول الإسلامية والدول الغربية، ويبدو الحال وكأن العالم متجه إلى رؤية جديدة لطبيعة العلاقات بين الشعوب والدول، تصطبغ بصبغة دينية داعية إلى استقطاب العالم بين محوري الإسلام والغرب. فمع تزايد نفوذ المنظمات الصهيونية واليمين المسيحي في الولايات المتحدة، تتحول السياسة الخارجية عن أسسها العقلانية التي قامت على القانون الدولي، والمنظمات العالمية، إلى أسس عقدية تهيمن عليها التضامنات الدينية، والنبوءات التوراتية والإنجيلية. ولأول مرة منذ قيام الدولة اليهودية في فلسطين، تؤكد القيادة السياسية الأمريكية إلتزامها بالمشروع التوسعي الصهيوني دون تحفظات، ويقف الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بوضوح خلف مشروع رئيس الوزراء الصهيوني أريال شارون الهادف إلى ضم المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية، والرافض لعودة سكان فلسطين المشردين إلى ديارهم. وتترافق هذه التصريحات مع تزايد وطأة الاحتلال الأمريكي للعراق، وبروز رغية الولايات المتحدة الأمريكية بجعل العراق منطقة نفوذ أمريكية، ومنصة انطلاق للضغط على دول المنطقة، وخاصة الدول الرافضة للخضوع إلى الإملاءات الأمريكية مثل إيران وسوريا ولبنان.

وفي ظل هذه التحولات الكبيرة، يبرز العديد من الأسئلة: هل يتجه العالم نحو استقطاب ديني يتحكم بالولاءات والتقسيمات السياسية، ويتحول خلاله التضامن الديني إلى أساس الإئتلافات والأحلاف السياسية؟ وهل يتحول الإسلام إلى منظومة دينية تدعو إلى التضامن السياسي بين المسلمين في مواجهة تضامنات دينية أخرى؟ وهل تتحول الولايات الأمريكية ودول العالم الغربي عن المبدأ العلماني الذي حكم تتطورها إلى منظومة حضارية عالمية؟ وهل لدى الجماعات الإسلامية التي تحمل لواء العنف العالمي مشروعاً حضارياً يتجاوز خطاب المواجهة والمقاومة والتحرر إلى خطاب البناء والأمن والحرية؟

أسئلة كثيرة تبحث عن إجابات واضحة محددة، نسعى في هذا التحليل إلى إلقاء الضوء على أبعاد منها، وإلى طرحها بطريقة تجعلها أكثر وضوحا وتجعل الإجابة عنها أكثر يسراً.

تشوف المستقبل من خلال أشكال الحاضر وأنساق الماضي

الجهد الفكري الرامي إلى تشوف المستقبل وتحديد أوضاع المجتمعات الإنسانية في مرحلة زمنية مقبلة جهد محفوف بالزلات والمطبات، وهو أقرب في طبيعته إلى عمل الراصد الجوي، الذي يسعى إلى تحديد حالة الطقس قبل وقوعها. فقدرة الراصد الجوي على التنبوء بحالة الطقس تتوقف على معرفته بالأنساق التي تحكم حركة الرياح، أي باتجاه الرياح وحالتها (درجة حرارتها ونسبة رطوبتها) في عدد من النقاط التي تقع على طول المسار المؤدي إلى المنطقة التي يسعى الراصد إلى تحديد حالة الطقس فيها في زمن لاحق. وكلما تمكن الراصد من جمع عدد أكبر من المعطيات، وتحديد أدق لأنساق حركة الرياح، كلما ازدادت دقة النبوءة الجوية. وكثيراً ما يخطؤ الراصد في تقريره الجوي نتيجة سوء تقدير لاتجاه حركة الرياح (أو أنساق حركتها)، أو نتيجة تغيير طارئ وغير محسوب في الضغوط الجوية التي تتحكم بحركة الرياح ووجهتها. وغني عن البيان أننا نترقب النشرة الجوية، ونتوقع في معظم الأحيان أن يتحقيق التقرير الجوي، رغم معرفتنا بأن عملية الرصد الجوي بعيدة كل البعد عن اليقين والكمال.

تشوف المستقبل تمرين فكري مفيد رغم صعوبة العملية، وعدم ضمان النتيجة، لأنه يعين على تحديد أولويات العمل، وبساعد على إعداد العدة وتهيئة القدرات وتجنب الزلات. فالاستعداد لمواجهة الطوفان مطلوب، والجهد المبذول قد يبدو للبعض جهداً ضائعاً حال وقوع الخطأ في التقدير، وتحول الرياح باتجاه آخر، لكنه جهد مهم مع ذلك لمنع الخطر، وضياع جهود سنين طويلة من الإعمار والبناء. والقدرة على تشوف المستقبل مرهونة بإدراك أنساق حركة المجتمع المحلي والمجتمع الدولي، وتحديد القوى السياسية المحلية والعالمية، والضغوط المتشكلة والمتلاشية. فما طبيعة الأنساق التي تحكم حركة المجتمعات المسلمة والعالمية؟ وما هي القوى الفاعلة والضغوط المؤثرة في هذه الحركة؟ وأين موقع الإسلام فكرة وحركة في هذا السياق؟

بيد أننا نرى في الجهد الهادف إلى البحث عن أنساق عامة وقوى إجتماعية وسياسية أساسية تحكم الحركة التاريخية للمجتمعات فائدة أخرى تبرر الجهد الفكري المبذول. ذلك أن العمل على تحديد الأنساق والقوى يؤدي إلى تحرير الرؤية من ضغوط اللحظة الراهنة، ومحدودية النظرة قصيرة المدى، وتسمح بتشكيل تصور أكثر اتساعا وإشرافا، يصل الحاضر بالأمس القريب والبعيد، ويربط اليوم بالغد، ويبرز تأثير الإرث الثقافي والتجارب التاريخية في تشكيل وعي إنسان اليوم الفاعل في مجريات الأحداث.

وكما سنلاحظ في التحليل التالي، فإن تداعيات أحداث الحادي عشر من أيلول ترتبط ارتباطا مباشرا بسلسلة طويلة من الأحداث التي سبقت تلك الحادثة التي زلزلت الوعي التاريخي الأمريكي، وأدت إلى تغيير حاد في سياساته الخارجية والداخلية. فالسياسات الخارجية والداخلية التي قد تبدو غير مسبوقة في تاريخ السياسة الأمريكية تم الإعداد لها، كما سنبين لاحقا، طوال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، وجاءت أحداث أيلول لتفيذ السياسات المعدة مسبقا بحجة محاربة الإرهاب.

إذن تحديد معالم مستقبل الإسلام هو في جوهره تحديد لمستقبل العالم، أي تحديد لمستقبل القوى السياسية الفاعلة اليوم ومشاريعها السياسية والاجتماعية المستقبلية. ونظرا للاستقطاب المتزايد بين العالم الإسلامي والغربي، والصدام الحاد بين قوى إسلامية وغربية، فإنني سأركز في تحليلي المقتضب خلال الصفحات القليلة الآتية على تلك القوى والنظر في رؤاها ومقومات وجودها ونفوذها.

بين تحقق النبوءة والسعي إلى تحقيقها

النبوءة في التراث الديني رؤية لنبي يتشوف خلالها أحداثاً تقع في المستقبل ثم يقوم بإخبار قومه وأتباعه إستعداداً لها. ويؤدي تحقق النبوءة إلى تولد الثقة بصدق النبوة وتأكيد المصدر الإلهي لرسالة النبي. كما تهئ النبوءة المؤمنين لتلقي الحدث قبل وقوعه، وتعينهم على قبوله حال وقوعه. ومن النبوءات التي سجلتها الديانات السماوية كثيرة، منها نبوءة الطوفان التي دفعت نوح لبناء السفينة استعدادا للطوافان الذي أخذ قومه عندما تهكموا بنبوءته وكذبوها فمنعهم ذلك من إعداد العدة للقاء يوم هائل مهيب. ومنها نبوءة موسى عليه السلام عندما أعلن لقومه وعد الله لهم بدخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، ونبوءة مقدم المسيح التي تناقلها أنبياء بني إسرائيل لأجيال، والتي تحققت بمقدم عيسى بن مريم عليه السلام.

ومع مقدم خاتم الرسل والأنبياء توقفت النبوءات، وأعلن القرآن الكريم بداية مرحلة جديدة في التاريخ الإنساني، تتراجع فيه المعجزة والنبوءة، ويتقدم فيه العلم والفكر، ليتابع هداية البشرية استنادا إلى قيم الوحي العليا والبحث المنهجي الذي يعتمد السمع والبصر والفؤاد. وأصبحت قيم العدل والإنصاف والرحمة والتعاون واحترام كرامة الفرد واحترام عقله ودينه وماله ونفسه ومروءته الحكم في توجيه الفعل الإنساني. والفعل الصحيح هو ما وافق تلك القيم وحقق كرامة الإنسان، لا ما وافق الهوى والرؤية الخاصة لفرد أو جماعة عرقية أو دينية. فلا يصح إهدار دم أو الفتك بعرض أو استباحة مال وأرض لتحقيق نبوءة أو تفسير نص. فلا يجوز مخالفة قيم النبوة الصادقة والثابتة لتحقيق تفسيرات أو تأويلات قد يحتملها النص أو قد يحتمل غيرها.

لقد أدت هذه الرؤية العقلانية للعالم التي أسست لها خاتم الرسالات إلى تطور إمكانيات الإنسان العقلية عبر القرون، وتطورت معها وسائلة وأشكال حياته. فتمكنت الحضارة الإسلامية من إنشاء مجتمعات حضارية، تحترم فيها كرامة الإنسان، ويتعايش فيها الناس على اختلاف قومياتهم ودياناتهم وتفسيراتهم، وتتأجج فيها مراكز البحث العلمي والإبداع الحضاري، كما تمكنت الحضارة الغربية من بعد من تطوير الإمكانيات التنظيمية والإبتكارية إلى المستوى الذي نعرفه اليوم.

العقلانية التي صبغت الحياة السياسية والاقتصادية والمهنية والثقافية في الحضارة الإسلامية لم تهيمن على كل دوائر الحياة، وما كان لها ذلك. وحافظت الدوائر الاجتماعية والروحية والأدبية على خصوصياتها الذاتية التي لم تخضع إلى المنهجية العقلانية التي انبثقت عن الوحي الإسلامي وقيمه الإنسانية الكلية. كذلك دخل العقلاني وغير العقلاني في صراع جدلي عبر التاريخ الإسلامي، فاتصفت بعض المراحل بغلبة الصبغة العقلانية في حين اتصفت أخرى بتراجعها. كذلك خضعت الحضارة الغربية إلى تأثيرات مشابه اختلط فيها العقلاني بغير العقلاني. ففي حين تمكنت أوربا الغربية من تجاوز الاقتتال الديني الذي هدد مستقبل المجتمعات الغربية إبان الانقسام الكنسي (الكاثوليكي) والإصلاحي (البروتستانتي) عبر تبنيها للمبدأ العلماني الذي منع النظام السياسي من اسخدام إجهزة الدولة لفرض مذهب ديني على جميع أفراد المجتمع، وأكد على حق الأفراد بممارسة شعائرهم معتقداتهم بعيدا عن هيمنة الدولة، سعت أوربا إلى إقامة دولة يهودية تقوم على استخدام مؤسسات الدولة لتوفير امتيازات خاصة لأتباع دين على حساب الكرامة الإنساية والحقوق المشروعة لأتباع ديانات أخرى.

عدوى الانكباب لتحقيق النبوءات التاريخية التي اختصتها الرسالات السماوية بأجيال غير الأجيال الحالية وبظروف إنسانية مغايرة كليا للظروف التي تطبع المجتمعات الإنسانية الراهنة لا تقتصر على تخير نصوص وقراءتها خارج سياقها التاريخي، بل نراها اليوم تنتقل إلى الباحثين السياسيين واساتذة الدراسات الاجتماعية الحديثة، كما هي الحال في كتابات هنتنغتون (صراع الحضارات) وفوكوياما (نهاية التاريخ). وتعاني الكتابات التنبؤية الحديثة من نفس الآفة التي أصابات الكتابات الإحيائية التي تسعى إلى إحياء النبوءات التاريخية خارج سياقها التاريخي: آفة تقديم النبوءة على قيم الإنبياء، ثم السعي الحثيث لتحقيق النبوءة ولو أدى ذلك إلى التخلي عن الإنجازات التاريخية التي جاءت من أجلها الرسالات وحققها أتباع الرسل. وحال هؤلاء كحال الذين برروا الظلم والفحشاء باتباع تراث ديني تناقلوه عن آبائهم، فزجرهم القرآن قائلاً: “وإن فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، قل إن الله لا يأمر بالفحشاء، أتقولون على الله ما لا تعلمون.” (الإعراف 28)

تشير الكثير من المؤشرات إلى أننا اليوم على أعتاب مرحلة صدام حضاري بين عالم شرقي إسلامي وعالم غربي تقوده رؤية مسيحية يهودية. وبدأت الأصوات التي ترى أن الصراع السياسي العسكري الدائر بين جماعات إسلامية عسكرية وعدد من الدول والقوى السياسية العربية والإسلامية من جهة والولايات المتحدة وبعض الدول الغربية من جهة أخرى ذي طبيعة دينية متأججة. ففي العالم الإسلامي تتردد أصوات عديدة، بدءاً بالجماعات الإسلامية المسلحة، تصف الحرب الأمريكية على مناطق إسلامية، والدعم الأمريكي الكامل لخطط التوسع الإسرائيلية، بالحرب الصليبية. وتشير هذه الأصوات إلى الجهود الرامية إلى تحجيم التعليم الديني وتغيير المناهج الدراسية ووسم كل حركات التحرر في المناطق الإسلامية بالإرهاب. وفي العالم الغربي ترتفع أصوات مهمة ومؤثرة منددة بالدين الإسلامي، وداعية إلى مواجهة القوى الإسلامية ورفض أن يكون للإسلام دور فاعل في الحياة العامة. فيصف وزير العدل الأمريكي المتعصب جون أشكرفت الإسلام بأنه “دين يلزم الله فيه أتباعه بالتضحية بأبنائهم من أجله، في حين أن المسيحية عقيدة تؤكد على أن الله ضحى بابنه من أجل أتباعه.”[2] كما يصف ويليام بويكن، العميد في الجيش الأمريكي ونائب معاون وزير الدفاع لشؤون الاستخبارات الحرب الأمريكية بأنها حرب روحية بين أمة مسيحية وأتباع صنم.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل يتجه العالم نحو صراع حضاري حتمي بين شرق إسلامي وغرب مسيحي يهودي؟ وأين موقع الإسلام من هذا الصراع؟ هل سيأخذ الصراع منحى عسكريا أم سياسيا أم فكريا؟ وما هو مستقبل الإسلام والغرب في هذ الصراع؟ هذه أسئلة كبيرة لعلنا نلقي الضوء على طرف منها في الصفحات التالية.

التطرف الديني وخلفية الصراع الحضاري

الصراع الدائر اليوم بين الشرق والغرب والذي يريد البعض له أن يأخذ منحى صدام حضاري ليس صراعاً بين حضارات تحمل داخلها بزور الصراع، بل هو صراع بين قوى اجتماعية تحمل رؤى متضاربة حول مستقبل العالم وتسعى لتوجيه مسار التطورات السياسية والاجتماعية بحيث تضمن امتيازاتها المستقبلية. فالنظرة التحليلية المتأملة تظهر بأن الصراع ليس صراع بين شرق إسلامي وغرب مسيحي، لكنه صراع يأخذ أبعاده داخل الشرق والغرب. وبتعبير أدق فإن الصراع الذي نشهد تداعياته في العراق اليوم هو صراع بين رؤية عنصرية توسعية ترى أن المصالح الأمريكية في العالم، والتي تشمل ترسيخ ودعم قيام دولة يهودية مهيمنة على المنطقة، يجب تكريسها في كل مناطق العالم، بما في ذلك مناطق الشعوب الإسلامية، من خلال استخدام القوة العسكرية الأمريكية، وبين رؤية ترى أن خير ورفاه الشعوب لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال احترام كرامة الإنسان، وحماية حقوق الشعوب، بما في ذلك حقهم بتقرير المصير، وأن مشاريع الهيمنة مصيرها دوماً إلى الفشل الذريع الذي يهدد أمن وكرامة واستقرار كلا من القوى المهيمنة والقوى المستهدفة.

وعلى الرغم من أن الصراع يبدو متجهاً إلى استقطاب بين محور إسلامي وآخر غربي، إلا أن واقع الحال يخالف مظاهر الاستقطاب الذي ولده الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة ورد الفعل الأمريكي الذي نقل القتل والتدمير من مدن نيويورك وواشنطن إلى كابول وقندهار وبغداد والفلوجة وكربلاء وغيرها من المدن العراقية والأفغانية. فعمليات التدمير التي قامت بها جماعات إسلامية متطرفة والتي تلقت تبريكات قادة منظمة القاعدة تمثل رؤية عدد محدود من الأفراد والمنظمات التي تعتمد خطاب إسلامي، لكنها لا تعي أبعاد الرؤية القرآنية والنموذج النبيوي الحضاري الرفيع. ولقد استنكرت الدول العربية والإسلامية العمليات الإرهابية ونهج العنف العشوائي، باستثناء عراق صدام وأفعانستان طالبان، كما نددت بها منظمات المجتمع المدني في العالم الإسلامي، ومنها منظمات يسمها الغرب بالإرهاب كحزب الله وحماس.

العمليات الأمريكية في العراق لم تلق دعما وتأييدا من كافة القوى السياسية والاجتماعية في الغرب، بل لاقت معارضة جماهيرية واسعة من القوى السياسية والشعبية الغربية، وأدت إلى انقسام الرأي العام في الغرب حولها. ولم تستطع إدارة الرئيس الأمريكي بوش الإبن ورئيس الوزراء البريطاني بلير من تبريرها إلا من خلال تضخيم حجم الخطر الذي يشكله نظام صدام ضد أمن الولايات المتحدة، وهي ادعاءات أظهرت الأحداث اللاحقة زيفها. وكما قاد الحرب العسكرية ضد الغرب ثلة من المتطرفين الإسلاميين، فقد قادها في الغرب ثلة من المتطرفين النصارى واليهود، الذين يتشابهون في رؤاهم الضيقة والمتشددة مع نظرائهم في العالم الإسلامي، ويختلفون معهم في قدرتهم على أخفاء مواقفهم المتشددة في خطاب ذي صبغة إنسانية ودعاوِ طنانة عن رغبتهم في نشر الديمقراطية والحرية والرخاء.

لقد استطاعت القوى الدينية المتطرفة في الولايات المتحدة الأمريكية من توظيف الغضب الشعبي والواسع تجاه أعمال العنف الإرهابية التي قام بها متطرفون إسلاميون لتحقيق مخططاتها الخاصة التي لا علاقة لها بمحاربة الإرهاب، بل ترتبط بنبوءات دينية توراتية وبمشاعر العداء التي تكنه للإسلام وأهله.

التطرف الديني خروج على الإصلاح الإسلامي

التطرف الديني ذي النزعة الخارجية ظاهرة معقدة متعددة الأبعاد، ترتبط بالمنظومة الاجتماعية والسياسية السائدة اليوم في العالم الإسلامي، كما ترتبط بالمشروع الحداثي الغربي.

عرف التاريخ الإسلامي حالات من التطرف الديني لعل أهمها بروز الخوارج في القرن الأول للهجرة، الذين دعوا إلى تأسيس مجتمع إسلامي سياسي قائم على رؤية عقدية مركزية، ترفض التعدد العقدي وتستبيح المغايرين في الدين والتصور والولاء. ونجمت الحركة الخارجية عن عوامل عدة لعل أهمها حالة الاقتتال المستمرة خلال خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والانقسامات السياسية والقبلية التي تبعت انهيار الخلافة الراشدة، وبروز قبائل تميم وبكر التي قامت بقراءة نصوص الرسالة وفق ثقافة قبلية منعزلة عن التعدد الديني والاجتماعي الذي طبع الحياة في الحجاز إبان نزول الوحي.

بيد أن التطرف الديني اليوم، وإن تشابه في بعض جوانبه مع النزعات الخارجية التاريخية، ينبع من عوامل ترتبط بالرؤية الحداثية المعاصرة والنظام الحداثي المهيمن. ذلك أن التطرف الديني الذي يزداد حدة وشدة يرتبط بالنزعات المركزية الحداثية كما يرتبط بالدولة الحداثية في العالم الإسلامي التي تسعى إلى إقصاء الإسلام عن الحياة العامة، وإلى تهميش الثقافات المحلية واستبدالها بثقافة علمانية غربية ترتكز على تجربة تاريخية ومنظومة معيارية نابعة عن التراث الثقافي والسياسي الغربيين.

قامت الدولة الحداثية في الغرب على مبدأ فصل سلطة الدولة عن سلطة الكنيسةِ، وهوالمبدأ الذي سمي لاحقاً بمبدأ علمنة الدولة. وبرزت الحاجة إلى فصل السلطتين كحل للصراع بين أتباع الكنيسة الرومية (الكاثوليكية) وأنصار الكنائس الإصلاحية (البروتستانية) التي احتدمت في القرن الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، وللحيلولة دون استخدام الدولة لفرض مذهب ديني محدد على سائر أفراد المجتمع الغربي الحديث. لم تهدف العلمنة إلى إلغاء الدين أو استبعاده عن الحياة الاجتماعية، بل حولت مؤسسة الكنيسة إلى مؤسسة مجتمع مدني، في حين قامت الدولة على مبادئ إنسانية عامة، تحددت بحماية أمن وحقوق أفراد المجتمع، بما في ذلك حقهم في ممارسة شعائرهم الدينية، وتداول تعاليمهم دون تدخل الدولة في شؤونهم الخاصة ومؤسساتهم الاجتماعية والمدنية. وعكست القوانين المدنية والتشريعية القيم الأساسية للمجتمع الغربي التي تشكلت تحت تأثير حركة الإصلاح الديني.

لكن انتقال نموذج الدولة الحداثية من الغرب إلى المجتمعات الإسلامية أدى إلى تشوهات خطيرة في هذا النموذج وإلى تحويله من نموذج تحرر إلى نموذج قهر تتحكم من خلاله النخبة الحاكمة المتأثرة بالافكار الحداثية بمقدارت الأغلبية الشعبية الراغبة في الحفاظ على هويتها التاريخية وتراثها الإسلامي. واتسمت حكومات ما بعد الاستعمار في المجتمعات الإسلامية بهيمنة المؤسسة العسكرية على مقاليد الحكم، وحرص هذه المؤسسة على فرض الثقافة الحداثية على أبناء المجتمعات الإسلامية، باعتبار أن اقتباس أساليب الحياة الغربية هوالطريق الوحيد لتحقيق نقلة حضارية والتخلص من مظاهر التخلف. ولم تلبث الدولة الحداثية في المجتمعات الإسلامية أن تحولت إلى أداة قمع وقهر في يد السلطة الحاكمة، التي مارست الهيمنة والفساد الإداري باسم الحداثة والعلمانية، وضيقت الحريات السياسية، وزجت بالمعارضين لأساليبها وسياساتها في غياهب السجون.

لقد برز التطرف الديني والسياسي ضمن أجواء القمع التي هيمنت على حياة الناس في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، ومنعت الحوار وحرية الصحافة والأحزاب السياسية. وضمن هذه الظروف برزت جماعات إسلامية تبنت العنف ومقارعة الدولة واجهزتها السياسية والأمنية تحت شعار ممارسة الجهاد. ولعل أبرز القوى الإسلامية العسكرية التي تشكلت نتيجة الأضطهاد السياسي والديني التي مارسته الدولة الحداثية في مصر في العهد الناصري، والتي برزت في مرحلة “الانفتاح” التي قادها أنور السادات، الجماعات الإسلامية التي قادت صراع مسلح ضد نظام الأخير، وتمكنت من اغتياله في صيف 1981.

أجواء الاضطهاد السياسي والديني، وفقدان حرية التعبير والحوار والنقد والتنظيم في دول العالم الإسلامي، أدت في العقود الأخيرة إلى إيجاد أجواء التطرف، وتولد قناعات عند البعض أن القوة هي الطريق الأمثل للتعبير تحت ظل الدولة الحداثية، وأن العنف والإرهاب هو الطريق الوحيد للتغيير. وبرزت ثقافة جديدة توظف النصوص الإسلامية المرجعية، من قرآن وسنة، لتبرير سفك الدماء وقتل المدنيين والعزل تحت عنوان محاربة الكفر ورفع راية الإسلام. وتتسم ثقافة التطرف الديني في العالم الإسلامي بجملة من السمات، يمكن إجمالها بالآتي:

أولاَ، تقسيم العالم إلى معسكرين: معسكر المؤمنين ومعسكر الكفار وأعوانهم. وعلى الرغم من أن هذا التقسيم يستعيد التقسيمات الفقهية التاريخية التي تميز بين دار إسلام ودار حرب، لكن المتتبع لتصريحات الناطقي بلسان الجماعات الإسلامية المتطرفة يلحظ غياب القواعد الشرعية التي فصلها الفقهاء التاريخيون، من استهداف المقاتلين وعدم الاعتداء على غير المقاتلين، وتجنب إلحاق الأذى بالنساء والأطفال.

ثانياً، استباحة دماء وأموال الموسومين بالكفر. واستخدام وصف الكافر استخداما واسعا ليشمل غير المسلم، دون تفريق بين صديق وعدو، أو مسالم ومحارب، واليشمل كم من دعى إلى فكرة أو تصور يتعارض مع معتقدات الجماعات المتطرفة

ثالثاً، رفض التعديدية الاجتهادية وسيطرة الحرفية في قراءة النصوص وتفسيرها، والاعتساف في الاستدلال، وغياب الفقه العميق القادر على التمييز بين العام والخاص، والكلي والجزئي، والعزيمة والرخصة، والمقاصد الشرعية وتطبيقاتها التاريخية.

إن التطرف الديني الذي علا صوته مؤخرا عبر لجوئه إلى العنف السياسي كأداة للتغيير يمثل خروجاً على الاتجاه الإسلامي العام المتمسك بسماحة الإسلام وانفتاحه على المجتمعات الإنسانية وحرصة على رسالته الإنسانية التي وصف المولى جل وعلا رسولها بأنه رحمة للعالمين، والتي أظهر أتباعها عبر التاريخ أنهم رسل عدل وسلام وتسامح، وأنهم صناع حضارة نعمت بها شعوب العالم على اختلاف ألوانها ودياناتها وقومياتها. ومن هنا تتأكد أهمية الحفاظ على روح الإسلام ومغبة الانكبات في نزعات التطرف والثأر والانتقام.

السياسة الخارجية الأمريكية من توليد الإرهاب إلى محاربته

تظهر العمليات العسكرية في أفغانستان والعراق ضمن الخطاب الرسمي الأمريكي حرب دفاعية تسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى ضرب منظمة القاعدة وحلفائها في أفغانستان والعراق للحيلولة دون قيامها بهجوم شبيه بهجوم الحادي عشر من أيلول. ففي خطاب ألقاه أمام اجتماع مشترك لمجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين، أكد الرئيس الأمريكي عزمه على محاربة الإرهاب وتعقبه في أكثر من ستين دولة أدعت الإدارة الأمريكية أن لمنظمة القاعدة التي يتزعمها أسامة بن لادن قواعد فيها. لم تقم إدارة بوش بتعريف الإرهاب تعريفا دقيقا، بل عمدت إلى تسمية منظمات إرهابية شملت حركات تحرر وطنية ينتمي معظمها إلى شعوب العالم الإسلامي. ولم يربط الرئيس الأمريكي بين تحول الإرهاب إلى ظاهرة عالمية والأوضاع السياسية الفعلية التي تولد هذه الظاهرة، بل ادعى بأن الإرهاب يهدف إلى تقويض الحريات الأمريكية، وأنه نابع عن كراهية الإرهابيين للديمقراطية والحرية.

وفي خلال أسابيع قليلة قامت إدارة بوش بشن حرب مدمرة ضد أفغانستان ولتتبع ذلك بحرب أخرى ضد العراق. وبادرت إدارة بوش إلى بناء قواعد عسكرية جديدة في أفغانستان والعراق وأعلن الناطقون باسمها بأن الجيوش الأمريكية ماكثة في منطقة وسط آسيا والشرق الأوسط على مدى عقود عديدة. وعلى الرغم من ارتباط التطرف الديني بأسباب محلية، فإن السياسة الخارجية الأمريكية ساهمت في خلق أجواء التطرف في العالم الإسلامي. وكما سنبين لاحقاً، فإن الإرهاب التي تحاربه الولايات المتحدة ينبع جزئياً من السياسة الخارجية الأمريكية.

من الواضح إذن أن الإدارة الأمريكية لا تسعى إلى إيقاف الإرهاب بالبحث عن جذوره وأسبابه، بل تعمد إلى توظيف القوة العسكرية الضاربة للولايات المتحدة لفرض قرارها السياسي وإيجاد واقع عالمي جديد يخضع لقواعد التعامل السياسي والثقافي والاقتصادي التي تقرها الولايات الأمريكية. بيد أن الإرهاب العالمي الذي طال الولايات المتحدة مؤخراً مرتبط إلى حد كبير بالسياسة الخارجية الأمريكية، وبالتالي فإن القضاء عليه يتوقف إلى حد كبير بقدرة القيادة الأمريكية على تغيير هذه السياسة.

ومن المفيد أن نستعرض بصورة سريعة سلسلة الأحداث التي قادت إلى الاحتلال الأمريكي للعراق، وقرار إدارة بوش بمحاربة الإرهاب بمزيد من العمل العسكري والهيمنة السياسية على دول العالم الإسلامي. فالأحداث التي قادت ِإلى احتلال أمريكا للعراق تعود في بداياتها إلى السياسة الأمريكية تجاه دول آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية، المعروفة باسم الدول النامية، والتي تهدف إلى دعم أنظمة سياسية تتبع في سياساتها القرار الأمريكي وتحقق مصالح الولايات المتحدة. دفعت هذه السياسة الولايات المتحدة إلى استخدام وكالة استخباراتها للإطاحة بحكومة محمد مصدق المنتخبة شعبيا وتنصيب نظام سياسي تابع لها يترأسه الشاه البهلوي. وكانت هذه الخطوات الجواب الأمريكي على قرار حكومة مصدق بتأميم شركات النفط الأمريكية. واستمرت الإدارت الأمريكية المتعاقبة بدعم سياسات الشاه، رغم تجاوزات الأخير التي بلغب حد الفضيحة. بل إننا نجد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الذي جعل الدفاع عن حقوق الإنسان شعار سياسته الخارجية يكيل المديح والثناء لشاه إيران في زيارة لطهران قبيل الإطاحة به من قبل الثورةالإسلامية.

كان رد الفعل الإيراني عقب الثورة الإسلامية تجاه الولايات المتحدة عنيفاً، فقد اعتبر قادة النظام الجديد أن الولايات المتحدة ضليعة ضلوعاً كاملاً في نظام الشاه، واتخذوا سلسلة من القرارات التي استهدفت المصالح الأمريكية في إيران. وشملت الاجراءات الإيرانية احتلال السفارة الأمريكية واحتجاز أفرادها رهائن، تم الإفراج عنهم بعد مفاوضات طويلة، ومحاولة عسكرية فاشلة لإطلاق سراحهم عنوة. وبدلاً من أن تقوم الولايات المتحدة بتهدئة الأجواء سعت إلى تحريض الرئيس العراقي صدام حسين لإعلان الحرب على إيران وتسليحه بكل أنواع الأسلحة، التي استخدمها في حرب استمرت قرابة عشر سنوات، وخلفت دماراً بشرياً واقنصادياً هائلا، قدر بمليوني إنسان، ومئات المليارات من الدولارات.

ومرة أخرى نجد الولايات المتحدة تعيد الكرة مع صدام بعد أن اتخذ قراره بإنهاء الحرب مع إيران، والاستمرار بتطوير أسلحته الاستراتيجية، مما جعل النظام الصهيوني يستشعر الخطر ويسعى إلى الحد من القدرة العسكرية العراقية المتزايدة. وقادت هذه الجهود في النهاية إلى توتر العلاقة بين النظام العراقي والكويتي واحتلال الكويت، وما تلا ذلك من حشد لقوات دولية وقيام حرب الخليح الثانية بين قوة التحالف الدولي تقودها الولايات المتحدة ونظام صدام الذي آثر الانسحاب، ووقع اتفاقية استسلام، تضمت حق الولايات المتحدة وحلفائها بمراقبة المجال الجوي العراقي ومنع العراق من استخدام سلاحها الجوي.

وتأتي حرب العراق واحتلاله عسكريا تتويجا لسلسلة الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة في التعامل مع المنطقة العربية والإسلامية، والتي تقوم على تغليب مصالحها والاقتصادية والسياسية، ودعمها للأنظمة السياسية التي تحقق لها مصالحها، وتغاضيها عن سياسات القمع وكم الأفواه وسلب الحريات التي تمارسها هذه الأنظمة طالما استمرت في حماية المصالح الاقتصادية والسياسية الأمريكية. لقد روجت الإدارة الأمريكية لحرب العراق على أنها حرب وقائية ضد الإرهاب، للحيلولة دون تعاون النظام العراقي وتزويد منظمة القاعدة بالأسلحة النووية والجرثومية لستخدامها في العمليات العسكرية التي تنوي الأخيرة القيام بها ضد أهداف مدنية أمريكية.

ومع ظهور هشاشة الذريعة الأساسية التي قدمتها الإدارة الأمريكية لإرسال الجيوش إلى العراق، انبرت الإدارة إلى تسليط الضوء على قضية الديمقراطية التي قدمتها أيضا على أنها هدف من أهداف التدخل العسكري في العراق. لقد أبرز الاحتلال الأمريكي للعراق تخبط السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة العربية، كما أظهرت الأهداف المتضاربة التي تتبعها الولايات المتحدة، وأثر ذلك على قدرة الولايات المتحدة الاستمرار في العمل لتوسيع هيمنتها على العالم في الوقت الذي تؤكد فيه رغبتها في نشر الديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان. كما تظهر أيضاً تعدد القوى السياسية التي تقود الولايات المتحدة، وحاجة القوى الإسلامية إلى تفهم هذه التعديدية وتوظيفها من أجل تحقيق مستقبل إنساني يقوم على مبادئ العدل واحترام كرامة الإنسان كل الإنسان. وفهم طبيعة القوى السياسية المتواجدة في الولايات المتحدة موضوع المبحث الآتي.

المحافظون الجدد والتطرف الديني في الغرب

الحرب على العراق كانت، منذ مجئ إدارة بوش إلى الحكم وقبل أحداث الحادي عشر من أيلول، الفقرة الأولى في جدول أعمال هذه الإدارة، وأول مهمة حملها وزير خارجيتها كولن باول في أولى زياراته إلى الدول العربية. أحداث أيلول لم تكن إلا مناسبة لتحقيق واحدة من أولويات الإدارة. فما سر الإصرار على غزو العراق؟

غزو العراق إريد له أن يشكل الخطوة الأولى لتحقيق حلم راود مجموعة من المفكرين والسياسيين الأمريكيين المعروفين بالمحافظين الجدد. تجمع المحافظين الجدد رؤية تدعو إلى استخدام القوة العسكرية الأمريكية لبسط نفوذ الولايات المتحدة، والحيلوة دون تشكل مناطق تتمرد على الإملاءات الأمريكية. وتتحدد أبعاد رؤيتهم في وثيقة وقعها عدد من زعماء المحافظون الجدد في حزيران من عام 1997 تحت عنوان “إعلان مبادئ.” وتشمل قائمة الموقعين أسماء بارزة في إدارة بوش الابن، منهم وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، وديك تشيني نائب رئيس الجمهورية، وجيب بوش حاكم ولاية فلوريدا وشقيق الرئيس، وبول ولفويتز مساعد وزير الدفاع، ودان كويل نائب الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الأب، ولويس ليبي مدير مكتب نائب رئيس الجمهورية، وريتشارد بيرل رئيس المجلس الاستشاري لوزارة الدفاع، وزالماي خليل زاد السفير الأمريكي في أفغانستان، وفرانك جافني مدير مركز الدراسات الأمنية، وفرانسيس فوكوياما مؤلف كتاب نهاية التاريخ، وريتشارد أرميتاج مساعد وزير الخارجية.

ويتميز المحافظون الجدد بتأييدهم الكامل لإسرائيل، وتعاونهم المستمر مع اليمين الإسرائيلي المتطرف في حزب الليكود. ولا غرابة في ذلك، فالأسماء اللامعة في تيار المحافظين الجدد هم من الصهاينة المتعصبين للمشروع الصهيوني التوسعي، ومنهم بول ولفويتز ولويس ليبي وإليوت إبرام ووليام كريستول المدير التنفيذي لمشروع القرن الأمريكي الجديد الذي قام على أساس “إعلان المبادئ” المشار إليها أعلاه. فريتشارد بيرل أبرز رجالات المحافظين الجدد وأشد الداعين إلى الحرب ضد العراق والدول العربية غير المتعاونة مع إسرائيل كان مستشارا لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ناتنياهو، وأحد منظري السياسة الإسرائيلية تجاه الدول العربية المعروفة باسم “السياسة الجديد لتحقيق السيادة،” والذي شارك في إعدادها فريق من الصهاينة الأمريكيين، منهم مساعد وزير الدفاع دوغلاس فايث.

يسعى المحافظون الجدد، بالتعاون مع عدد من زعماء اليمين المسيحي، إلى ربط الإسلام بالإرهاب، وتضليل الرأي العام الأمريكي حول أحوال الفلسطينيين والسياسات الإسرائيلية المتعسفة، ويحاولون الاستفادة من الصراع بين الولايات المتحدة والجماعات الإسلامية المتشددة لوسم الإسلام بالعدوانية. ويرى هؤلاء في انتقال الوجود الإسلامي إلى المجتمع الغربي وتزايد أعداد الجاليات الإسلامية في أوربا والولايات المتحدة خطراً مباشراً على مستقبل إسرائيل. ويخشى المحافظون الجدد من أن يتزايد نفوذ المسلمين ويتمكنوا من نقل صور معاناة الفلسطينيين، كما يخشوا أن يصبح المسلم الأمريكي جسر تواصل بين المجتمعات الغربية والإسلامية، وهو تواصل يخشاه كثيراً ائتلاف المحافظون الجدد واليمين المسيحي المتطرف.

وكما أعلن أسامة بن لادن وأمثاله في العالم الإسلامي حرباً شعواء على الشعوب الغربية عموماً، واستباح دماء الغربيين دون تفريق بين مدني وعسكري، معتبراً أن المسيحيين واليهود أعداء للمسلمين يجب قتالهم، تتعالى أصوات شبيهة في أوربا والولايات المتحدة تدعو إلى محاربة الإسلام باعتباره ديناً يدعو إلى الإرهاب، ويدعو أتباعه إلى فرض عقيدتهم على مغايريهم. فنجد العديد من قيادات الكنيسة التبشيرية الناشطة في الولايات المتحدة يعلنون عداءهم السافر للإسلام، وينعتونه بأسوء النعوت. فيدعي فرانكلين غرام أحد كبار الزعماء التبشيريين أن الإسلام دين إرهاب، ويصف زميله جيري فالول رسوله الكريم بأنه إرهابي، ويتهم جيري فين رئيس تجمع الكنائس التبشيرية الرسول المصطفى بالشذوذ. ويتابع العديد من منظري المحافظون الجدد حلفاؤهم من اليمين المسيحي في غلوهم المقيت وعدوانهم السافر على المقدسات الإسلامية، فيتهمون المسلمين الأمريكيين بالعمالة والتآمر، ويشنون حملات إعلامية ضد المنظمات الإسلامية التي تمثل المسلمين الأمريكيين، ويسعون إلى تحريض الرأي العام الأمريكي ضدهم، ويقود حملتهم قيادات بارزة ضمن هذا الاتجاه من أمثال دانيال بايب وريتشارد بيرل وفرانك جيفني وويليام بانت. أصوات شبيهة، وإن كانت أقل صخباً تتعالى في أوربا، لعل أبرزها التحذيرات التي يرفعها كتاب مسيحيون من أمثال ألين بيسانسون إلى الأوربيين ضد الإسلام.

تنامي الوجود الإسلامي في الغرب والهواجس الصهيونية

الوجود الإسلامي الكثيف في أوربا وأمريكا الشمالية وجود جديد نسبياً، نجم عن الهجرة الكبيرة من العالم الإسلامي خلال العقود الثلاثة الماضية. فقد وصل عدد المسلمين في أوربا إلى الاثني عشر مليوناً، خمسة منهم يقطنون فرنسا ويشكلون عشرة بالمئة من عدد سكانها. كما يتراوح عدد الجالية الإسلامية في أمريكا بين سته وثمانية ملايين نسمة.

يثير تزايد أعداد المسلمين قلق القوى السياسية اليمينية نظراً لإصرار أفراد الجالية المسلمة على تأكيد هويتهم الإسلامية وممارسة قيمهم المتميزة. وتشعر القوى الصهيونية واليمين المسيحي بشكل خاص بالقلق من تزايد حجم الجالية الإسلامية وبروز منظماتها الخاصة ونشاطها المتزايد للتأثير في القرار السياسي والحياة العامة. فالجالية اليهودية لا تخفي قلقها من أن يؤثر نشاط المسلمين الأمريكيين سلباً على مستقبل إسرائيل، كما ترى الكنيسة الإنجيلية المهتمة في نشر مذهبها في أمريكا والعالم في الروح الإسلامية المتأججة وتحول عدد متزايد من الغربيين إلى الإسلام خطراً على رسالتها.

في دراسة أعدها ستيفن لايتستاين ونشرها مركز دراسة الهجرة بعد شهر واحد من أحداث الحادي عشر من إيلول، دعا المؤلف إلى إعادة النظر في سياسات الهجرة الأمريكية، وشدد على أن الهجرة المتزايدة من العالم الإسلامي إلى أمريكا تشكل خطراً مباشراً على الجالية اليهودية في الولايات المتحدة. وأكد لايتستاين الذي سبق له أن عمل مديراً في اللجنة اليهودية الأمريكية، إحدى كبريات المنظمات اليهودية في أمريكا، في دراسته أن مشكلة هجرة المسلمين إلى أمريكا تنبع من بروز الروح الإسلامية في دول العالم، ووجود منظمات إسلامية نشطة تعمل جاهدة على الحيلولة بين المسلمين وزوبانهم في المجتمع الأمريكي.

ويمضي لايتستاين في تحديد المشكلة التي يطرحها الوجود الإسلامي في أمريكا للجالية اليهودية فيقول: “الأمر الأكثر خطورة لليهود وللدعم الأمريكي للدولة اليهودية أن الإسلام هو الدين الأسرع نمواً في الولايات المتحدة، وأن المسلمين سيتجاوز عددهم في العقدين القادمين عدد اليهود، وأن المسلمين الذين يمتكلون “ورقة عمل إسلامية” قد أصبحوا ناشطين سياسياً عبر شبكة واسعة من المنظمات الوطنية. ويحدث هذا في وقت الذي يتبنى فيه الدين الإسلامي في كثير من الدول الإسلامية التي ترسل المهاجرين عقيدة إسلامية كلية تشكل معادة السامية ومعادة الصهيونية مبدأ مركزياً فيها.”[3]

ويضيف لايتستاين: “الأسئلة التي تواجه الجالية اليهودية الأمريكية ذات نتائج خطيرة في أي مرحلة تاريخية، لكنها اليوم أكثر خطورة في مرحلة بلغت فيها الجالية اليهودية قمة قوتها ونفوذها السياسي، وهي مرحلة ستتبعها حتماً التراجع الغربي البطئ. وفي حين تتزايد أعداد أبناء الجماعات القومية والدينية باستمرار، تتوقف الجالية اليهودية عن النمو، ويتراوح معدل نموها حول الصفر، بل تتناقص أعداد اليهود في أمريكا، ويزداد عدد العجائز بينهم، في حين تبلغ نسبة تزاوج اليهود مع غيرهم 50%. وتظهر الاستبيانات أن اليهود العلمانيين يتناقض اهتمامهم بإسرائيل، كما تتناقص عضوية اليهود في المنظمات اليهودية والكنيسات باستمرار.”[4]

ويذكّر لايتستاين بني جلدته بأن هواجسه السابقة لا تعني أن النفوذ اليهودي صائر إلى زوال عاجل وكامل، وأن الزخم التي تملكه الجالية سيمكنها من ممارسة نفوذها إلى عقد أو عقدين على أقل تقدير: “لا أقصد أن قوتنا السياسية غير المتناسبة مع عددنا ستتلاشى فجأة أو بسرعة، فنحن قادرون على ممارسة نفوذنا غير المسبوق إلى عقد أو عقدين، ما لم تنجح الجهود لإصلاح نظام الدعم المالي للحملات الانتخابية، وهو مشهد بعيد الاحتمال. والثروة المالية اليهودية الضخمة ستستمر في إعطائهم إمتيازات هامة، وسنستمر في التأثير بقادة الكونجرس. “[5]

لقد أحرجت تصريحات لايتستاين في المقالة السابقة التي خرجت بعنوان “المصلحة اليهودية في التغيرات السكانية” الجالية اليهودية لما تحتويه من أعترافات تظهر بجلاء النظرة العنصرية التي تتأجج في كتابات واحداً من قيادييها النابغين، الذي عبر في لحظة صدق عن هواجس قيادات الحركة الصهيونية القوية في الولايات المتحدة.

مقولة لايتستاين تفسر الحملة العدائية التي تشنها قيادات يهودية وصهيونية على الإسلام والمنظمات الإسلامية. ففي مقالة نشرها دانيال بايب أحد قادة الحملة المعادة للإسلام في أمريكا تحت عنوان “محاربة عقيدة المتطرفين الإسلاميين،” أنكر فيها وجود اختلافات بين أطياف الإسلاميين، وشدد على استعداء الجميع: “لا يوجد شئ اسمه الإسلامي المعتدل، فجميع الإسلاميين يشتركون في أهدافهم بعيدة المدى، وإن اختلفت وسائلهم. فحزب العدالة والتنمية التركي، على سبيل المثال، مختلف كثيراً عن الطالبان في وسائله، ولكن لا يختلف في غاياته. إذا وصل هذا الحزب إلى سدة الحكم في تركيا فإنه سيشكل الخطورة نفسها التي شكلها الطالبان في أفغانستان.”[6]

من الواضح أن الحركة الصهيونية العالمية هي العدو الأول للإسلام والحركات الإسلامية، وأنها تسعى جهدها لاستخدام القوة الإمريكية لإضعاف العالم الإسلامي وتقطيع أوصال من جهة، كما تجهد للحيولة دون تنامي القوة الإسلامية في الغرب. بيد أنه من المهم التنبه إلى أن قدرة الصهاينة على التأثير في القرار الأمريكي راجع إلى حد كبير إلى قدراتهم الفكرية والمالية من ناحية، والمراكز السياسية والإعلامية التي يشغلونها ويوظفونها لدعم المشروع الإسرائيلي، وتحريض الرأي العام الأمريكي ضد العالم الإسلامي. فالصهاينة وحلفاؤهم على وعي كامل بأن نجاح مشاريعهم التوسعية مرتبط بقدرتهم على خلق الشكوك والمخاوف بين أبناء المجتمع الأمريكي تجاه الإسلام، وتقديم صورة مشوهة تتساوى فيها ميادئ الإسلام وتصوراته والأعمال المشينة التي تقوم بها الجماعات الإسلامية المتطرفة، من قتل للمدنيين دون تمييز، واعتماد خطاب خارجي يرى أن من واجب المسلم قتال المغاير له بالدين والعقيدة.

ومن هنا تتأتى أهمية الوجود الإسلامي في الغرب. فالجاليات الإسلامية في الغرب على العموم والولايات المتحدة على وجه التحديد تمتلك زخما أخلاقيا وروحيا كبيرا، وبثقة كبيرة بقيم الدين الإسلامي وقدرة الرؤية الإسلامية على تطوير نموذج اجتماعي وسلوك سياسي منفتح على الإنسان، وقادر على تحريره من الظلم والعدوان، وعلى تحقيق سلام اجتماعي وسلام عالمي عادل. ويتعرض الوجود الإسلامي في الغرب اليوم إلى أشد امتحاناته، بعد أن تحالف ضده قوة اجتماعية وسياسية ذات قدرات كبيرة، وبالتحديد المحافظون الجدد الذين يقودهم التيار الصهيوني واليمين المسيحي. بيد أن الجالية الإسلامية وقياداتها قد أثبتت مهارة كبيرة في إدراة الصراع، وهي تسعى جاهدة إلى تقوية قدارتها البشرية والتنظيمية، والانفتاح على القوى الاجتماعية والسياسة غير المعادية، والدخول في تحالفات ومشاريع تعاون مع المنظمات المدنية، وذلك للحيلولة دون عزلها اجتماعيا وسياسياً.

الجاليات الإسلامية المتنامية عددا وقوة يمكن أن تشكل جسراً بين الشرق والغرب يمنع تزايد البون بين العالمين الإسلامي والغربي، وتحول دون الخطط الرامية إلى تأجيج الصراع بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني. لكن ذلك مرهونا بقدرة القوى الإسلامية في العالم الإسلامي والغربي على تقديم رؤية حضارية، ومشروعاً إنسانياً لا يكتفي بالدفاع عن حقوق المسلمين، بل يعمل على نصره الإنسان بغض النظرعن هويته ودينه، وتقديم الحلول للمشكلات الإنسانية المتزايدة.

صراع رؤى حضارية لا صراع حضارت

تسعى القوى السياسية المهيمنة اليوم على السياسة الخارجية الأمريكية إلى تحقيق نظام دولي توسعي، تتركز فيه الثروة والقوة في نخبة سياسية عالمية تتحكم بمقادير شعوب العالم، من خلال شركات استثمارية ومصرفية عالمية، ومنظومة سياسية تعمل على فرض ثقافة استهلاكية بوهيمية عدمية. وتسعى هذه القوى إلى استخدام التفاوت الكبير في موازين القوى الاقتصادية والعسكرية بين العالم الغربي والإسلامي إلى إخضاع الأخير عبر استخدام القوى العسكرية الأمريكية الضاربة. ومن هنا جاءت حرب العراق التي أراد لها مخططوها أن تكون الخطوة الأولى في سلسلة من الخطوات الرامية إلى إخضاع العالم الإسلامي، والقضاء على القوى الرافضة للرؤية التوسعية، وأراد لها الله أمراً مغايراً لأماني المتربصين الطامعين، “ويمكرون ويمكر الله، ولله خير الماكرين.” (الأنفال 30)

مغامرة إدارة المحافظين الجدد في العراق أظهرت بجلاء القدرة النفسية والفكرية التي يمتلكها المد الإسلامي، وعجز القوة العارية عن تحقيق أهدافها أمام وعي القوى السياسية. لقد أدت مغامرة العراق إلى انقلاب السحر على الساحر، وارتفاع عين القوى السياسية الإسلامية التي أرد المحافظون الجدد القضاء عليها. لقد أراد المحافظون الجدد أن تكون حرب العراق مشهدا يبرز القوة العسكرية الأمريكية، ويرهب القوى السياسية المعترضة على مشاريع التوسع والهيمنة، فأراد الله لها، والله غلب على أمره، أن تكون مثالا على محدودية القوة العسكرية، وأهمية الإرادة الشعبية، ومركزية الروح الإسلامية في مستقبل المنطقة العربية.

تمثل مغامرة العراق إذن نكسة لمشروع المحافظين الجدد الذين فقدوا الكثير من مصداقيتهم نتيجة الأخطاء المتراكمة في العراق، ونتيجة التضارب بين الأهداف المعلنة والأهداف الحقيقية للغزو. بيد أنه من المفيد التنبه إلى أن المحافظون الجدد ومن ورائهم الحركة الصهيونية قد خسروا معركة لكنهم لم يتخلوا عن حربهم. ولم يتخلوا عن عزمهم إلى تحويل صراعهم مع الإسلام والقوى الإسلامية إلى صدام حضارات. والمطلوب من القوى الاجتماعية والسياسية الرافضة لهذه الأطروحة العنصرية العدوانية إظهار أن صدام الحضارات المزعوم هو في حقيقة الأمرصدام بين قوى سياسية متطرفة، بين تطرف إسلامي وتطرف غربي. وتظهر عنصرية الأطروحة التي أطلقها هانتنغتون قبل عقد من الزمن بعنصرية صاحبها والعقلية التي تكمن وراءها. فقد كتب هانتنغتون مؤخراً مقالة في عدد آذار من مجلة السياسية الخارجية تحت عنوان “التحدي الهسباني” حذر فيها من تنامي السكان من أصول أمريكية جنوبية، والمعروفون باسم الهسبان، في الولايات المتحدة، ودعى إلى وقف الهجرة من جنوب إمريكا. وهذا يؤكد مرة أخرى أن المطلوب هو الحفاظ على هيمنة العرق الأنجليكاني والثقافة التي يحملها في أمريكا وفي العالم.[7]

المطلوب من القوى الإسلامية أن تعي أن الصراع هو صراع بين رؤى حضارية لا صراع بين حضارات وشعوب، وأن تتجنب الوقوع في حبال الشرك الذي أعده المحافظون الجدد ومن لف لفهم، والذي يهدف إلى تأجيج العداء بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي. والمطلوب إيضاً تقديم نموذج عالمي للمشروع الإسلامي يعطي الأمل والثقة لغير المسلم، كما يعطي الثقة والأمل للمسلم، بأن المشروع الحضاري الإسلامي قادر على تأمين حياة كريمة للمجتمع الإنساني في النصف الأول من القرن الخامس عشر الهجري، وبدايات القرن الحادي والعشرين الميلادي.

نحو رؤية إسلامية إنسانية عالمية

تمكنت الحركات الإسلامية من تأجيج الحس الإسلامي وإعادة الثقة للمسلم الملتزم بهويته ورسالته، لكنها لم تتمكن حتى الآن من توفير الثقة لغير المسلم بأن المشروع الإسلامي قارد على تحقيق الأمن والعدل والرخاء للجميع.

وترجع المخاوف بصدد المشروع الإسلامي لدى المشككين بمصداقيته إلى الخطاب الإسلامي نفسه، الذي يكاد يقتصر في اهتمامه على أحوال المسلم دون غيره، والذي يأسس في عمومه لإنشاء مجتمع من المتقين الإبرار، ويغفل أن الالتزام العميق بالتوجيهات القرآنية حالة سامقة يرتفع إليها فئة قليلة من الناس في أي زمان ومكان، وأن أكثر الناس في أي لحظة تاريخية في تقلب بين التزام بخصائص الإيمان[8] والاستغراق في هموم الحياة ومستلزماتها: “وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين.” (يوسف 103)

يرتبط المشروع الإسلامي في أذهان الناس بالتطبيق الصارم للشريعة، وباستخدام الدولة لنشر الإسلام وفرض الأخلاق، ومحاربة المواقف والأراء المغايرة. ويعود هذا الربط إلى إطروحات الجماعات الإسلامية المتشددة، والمتشددين من الفقهاء والخطباء وحملة الشعارات الإسلامية من جهة، وصمت الخطاب الإسلامي الإصلاحي أو عدم وضوحه فيما يتعلق بالعلاقة بين الدولة والشريعة، والحريات المتاحة لأفراد المجتمع. لذلك فثمة حاجة إلى تأكيد أن النظام الذي يطمح إليه التيار الإسلامي الإصلاحي هو نظام يحترم الحريات السياسية الأساسية من حرية التعبير والتنظيم والالتزام الديني، وأنه نظام تعددي يوفر الحرية والاستقلالية السلوكية لاتباع الأديان والعقائد المغايرة.

لقد غطت التطورات السياسية وتصاعد ِأعمال العنف والعنف المضاد جهود الحركة الإصلاحية، وأربكت المواقف الأمريكية والغربية تجاه جهود القيادات الإصلاحية، وأرغمت بعضها على اتخاذ مواقف مترقبة في حين اتخذ آخرون مواقف متشددة صاخبة تجاه الغرب عموماً. واستغلت الحركة الصهيونية العالمية الأوضاع المتفاقمة بين الغرب والشرق لتعكير الصورة، وتأجيج نار الفتنة والعمل على تحقيق نبوءة صدام الحضارات، وتحريض أبناء المجتمعات الغربية ضد الإسلام الذي تصوره على أنه دين يدفع أتباعه إلى العنف ومحاربة أصحاب الديانات الإخرى. وعلى الرغم من استمرار قيادات الاتجاه الإصلاحي بالعمل لتأسيس الحياة العامة على أسس القيم الإسلامية التي تدعو إلى العدل والرحمة والتسامح والتعاون على الخير، فإن الرؤية التي تحرك الجهود الإصلاحية تتسم بشئ من الضبابية وعدم الوضوح. فنموذج المجتمع الذي يسعى الاتجاه الإسلامي الإصلاحي لتحقيقه يجب أن يحدد بصورة لا تترك مجالا للشك بأن الإسلام والنظام الاجتماعي والسياسي القائم على أساسه رحمة للعالمين، لا للمسلمين فحسب. ولعل السمة الأهم التي يجب تجليتها سمة تساوي الناس في حقهم في العيش الكريم الحر وفق نظام قائم على القيم الأنسانية الكلية، وفق نظام تعددي يعطي استقلالية أخلاقية وقانونية للجماعات الدينية والسكانية المختلفة.

كذلك، يجب على الاتجاه الإسلامي الإصلاحي أن يتحول من تأكيد الهوية الإسلامية إلى تأكيد القيم والممارسات الإسلامية الحضارية، وبالتالي الانخراط في عمليات البناء الثقافي والعلمي والتقاني والتنظيمي للمجتمعات التي ينتمي إليها. لقد قدمت الحركة الإسلامية في تركيا نموذجاً متميزاً في العمل السياسي والاجتماعي، واستطاعت أن تحول القيم الإسلامية إلى برنامج إنمائي واجتماعي وسياسي إصلاحي، يقدم قيادات تتمتع بالاخلاص والصدق والتفاني في العمل، وتكريس الإمكانيات لبناء الوطن وحل مشكلات البلاد. وبذلك كسبت تأييد الشارع التركي، وأحرجت خصومها الحداثيين.

خاتمة

مستقبل الإسلام لم يكن موضع تساؤل في هذه الدراسة، فالمعطيات التاريخية والثقافية تؤكد مركزية الفعل الإسلامي في سيرورة تطور الحياة الإنسانية، كما تؤكد الوقائع أن الإسلام قوة نفسية وروحية وسياسية لا يمكن تجاهلها، وأن الجهود المتضافرة لمحاصرة التيارات الإسلامية لا تزيدها إلا قوة وصلابة. لذلك تركز النقاش في الصفحات السابقة على مستقبل الحركات الإسلامية ومقارباتها، ومستقبل المجتمعات التي تعمل التيارات الإسلامية على بنائها. مستقبل الإسلام مرتبط، كما بينت، بمستقبل الرؤية الإسلامية والإصلاحية والحركات التي تحملها وتعمل على بيانها.

المهمة الملقاة على عاتق القوى الإصلاحية تتحدد في تقديم رؤية منفتحة على الإنسان كل الإنسان، والعمل على تجسيدها على أرض الواقع من خلال المؤسسات والمشاريع الإصلاحية والنماذج العملية. وهي تتطلب أن يتجاوز التيار الإصلاحي حدوده النخبوية، وأن لا يكتفي بالتنظير وإطلاق الشعارات، بل يتبع الكلمة الفعل، ويربط الخطاب بالممارسة، ويعمل على تأسيس مجتمعات تحترم كرامة الإنسان ورأيه وجهده.

وبالمثل يجب أن لا ينحصر الهم الإصلاحي بالإنسان المسلم، بل ينبغي أن يتحول إلى هم إنساني يسعى إلى انتاج مجتمع التراحم والتعاون والتسامح بين الناس، ولتعود رسالة الإسلام كما بدأت رحمة للعالمين. ومن هنا تتعين أهمية رفض الدعوات إلى استعداء الشعوب وحرب الديانات وصدام الحضارات، وإدراك أن العدو يتمثل في التيارات والحركات العنصرية المترفة التي تريد استغلال جهود الشعوب وثرواتها، ووعي أن المستقبل لمن سعى إلى العدل والخير والتراحم، وأن السنة التي تحكم حركة التاريخ تقوم على أساس مبدأ قرآني ثابت:

“كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.” (الرعد 17)

هوامش


[1] انظر صاموئيل هانتنغتون، صراع الحضارات:

Samuel P. Huntington, Clash of Civilizations, Foreign Affairs (Summer 1993), vol. 72, no. 3, pp. 22-28.

[2] نقل العبارة السابقة الصحقي الأمريكي اليميني كال توماس عن وزير العدل بتاريخ 11 شباط 2002، ولم ينفها مكتب وزير الداخلية، لكنه ادعى أن ناقليها أساؤوا فهمها.

[3] ستيفن لايتستاين، المصلحة اليهودية في التغيرات السكانية، مركز دراسة الهجرة، واشنطن، الولايات المتحدة، 2001.

[4] المصدر نفسه.

[5] المصدر نفسه.

[6] دانيال بايب، “محاربة عقيدة المتطرفين الإسلاميين،” محاضرة قدمت في مؤسسة واشنطن للدراسات الشرق أوسطية، 10 أيار 2003

[7] صومائيل هانتنغتون، التحدي الهسباني، مجلة السياسة الخارجية، آذار 2004، ص 1-12.

[8] الإيمان في هذا السياق لا يؤخذ على أنه نقيض الكفر، بل نظير التسليم بالأمر الإلهي دون التزام الكامل والعميق بالوحي الإلهي. وهو الإيمان الذي قصده القرآن الكريم في سورة الحجرات، آية 14: “قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم، وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً، إن الله غقور رحيم.” ويعرف الله تعالى الإيمان في الآية التالية فيقول جل وعلا: ” إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبييل الله …”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: