عالمية الإسلام بين الأصالة والنهوض

عالمية الرسالة الإسلامية والحضارة التي أنتجتها حقيقة منبثقة عن الرؤية الإسلامية ذاتها قبل أن تتجلى في الأمة التي امتد حضورها ليشمل العالم القديم برمته عبر قرون عشرة. فقد برزت العالمية الإسلامية في مجتمع المدينة الصغير من خلال الخصائص المميزة لذاك المتجمع الإنساني العالمي، وفي الخطاب القرآني العالمي الذي ارتبطت مقاصده بكرامة الإنسان، والذي جعل مدار البعثة المحمدية رحمة الإنسان: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين،” والإسلام لم يزل قابعاً في طرف جزيرة العرب النائية عن العالمين.

لقد أسس رسول الله في المدينة مجتمعاً عالمياً ناهضاً، شكل الأساس الذي انبنت عليه حضارة المسلمين. فحضارة الإسلام الشامخة انبثقت من الرؤية والقيمة الإسلاميين بدءاً قبل أن تتحول إلى دول ومؤسسات. وتشكلت الرؤية الإسلامية الحضارية في وعي الرعيل الأول من المسلمين الذين استبطنواها وتفاعلت معها قلوبهم وأرواحهم قبل أن تتحول إلى ممارسات وعلاقات ومؤسسات أدت تدريجياً إلى تحول الإسلام إلى حضارة إنسانية عالمية ممتدة.

ومن هنا فإن الخطوة الأولى والأساسية لفهم عالمية رسالة الإسلام وحضارته تتحدد بفهم العلاقة الجدلية التي تربط مفاهيم العالمية والأصالة والنهوض. وفهوم الجدلية هنا يحمل معنى التراكب والتساوق لا معنى التناقض. فهو هنا يحمل معنى يختلف اختلافا جذرياً عن المعنى الذي حمّله إياه الفكر الماركسي، أو الفكر الهيغلي من قبل. الجدلية المقصودة في استخدامنا مفهوم مفتوح يعبر عن تلازم شرطي بين ظواهر اجتماعية، لا عن حتمية تاريخية مفترضة. فالنهوض الحضاري يشترط قيام ثقافة عالمية إنسانية ذات خصائص كلية محددة، والثقافة العالمية تنجم عن حركة إصلاح ثقافي هو بدوره وليد الوعي الأصيل والأصالة الواعية.

وجدلية العلاقة بين الأصالة والعالمية والنهوض لا تقتصر على معنى التلازم الشرطي بين الظواهر المذكورة، بل تنبه إلى أهمية العامل الزمني في مشروع النهضة. فالأصالة والعالمية والنهوض ليست مراحل زمنية متسلسلة بحيث تبدأ إحداها حيث تنتهي الأخرى، بل علاقة داخلية بين عناصر يثري بعضها بعضاً، ويؤدي نضج أحدها إلى نضج الآخر. فالزيادة في الأصالة الوجدانية تؤدي إلى زيادة في الثقافة العالمية والنهوض الحضاري، كما تؤدي الزيادة في النهضة إلى زيادة الأصالة والعالمية، وهكذا دواليك في حركة صاعدة مضطردة نحو نهضة حضارية عالمية.

النهضة الحضارية كما نبين في الصفحات الآتية عملية بناء تساهم في تشييده أجيال متتالية. وهي حركة مركزية طاردة تبدأ في بؤرة حضارية تتسع جغرافياً وثقافياً مع امتداد الزمن لتأخذ بعداً عالمياً. وهي نمو حيوي متسارع كنمو الكائن العضوي يبدأ خلية ليصبح جسماً ممتداً، وهو مع اختلاف حجمه وشكله وأبعاده بين لحظة التكوين ولحظة النضج يحمل خريطته التشكيلية ونموذجه التكويني منذ لحظة وجوده الأولى. فكما تحمل الخلية البشرية خريطتها الوراثية منذ لحظة تشكلها بويضة ملقحة في رحم الأم، كذلك يحمل المجتمع الحضاري العالمي خريطته الثقافية منذ لحظة تكوينه في بقعة جغرافية محدودة، قبل أن يمتد وينتشر عبر الزمان والمكان.

الأصالة وعي بالذات وحقيقتها الوجودية، وإدراك لحدودها الزمانية والمكانية، وتفاعل مع تحديات اللحظة الراهنة، وانطلاق منها لاكتشاف الماضي وتشوف المستقبل، والسعي لتحقيق الذات الفردية والذات الجمعية من خلال استبطان معنى الوجود، والتزام قيم الإسلام الكلية وتصوراته الأساسية، والاعتزار بحضارته الإنسانية. والعالمية انفتاح على الإنسان والعالم، ورغبة في مد الجسور، والتعاون لتحقيق مجتمع عادل يحقق كرامة الإنسان كل الإنسان، والتفاف حول القيم والمبادئ التي تتجاوز كل الخصوصيات الجغرافية والعرقية، وتأكيد لرسالة الإسلام الذي أُرسل رسوله رحمة للعالمين. والنهوض ارتفاع عن الواقع الراهن نحو مواقع أسمى وآفاق أوسع، وتغلب على عطالة الطين استجابة لروح السماء، وعمل دؤوب لجعل الحياة عطاءً حاضراً ينضاف إلى عطاءات السابقين ويثير همم اللاحقين.

الوعي الديني والنهوض الحضاري

إن الترابط بين الالتزام الأخلاقي والرؤية الكونية من جهة والنهوض الحضاري من جهة أخرى ترابط بيّن كترابط المبتدأ وخبره أو الاسم وصفته. وليس من الصعب إظهار تهافت الجهود الاستشراقية التي حاولت ربط حضارة العرب بعروبتهم وتجاهلت دور الإسلام الرئيسي في ظهور العرب وانتشار لغتهم خارج حدود الجزيرة العربية. فالاستعراض السريع لدور الشعوب الإسلامية في قيام هذه الحضارة من عرب وفرس وبربر وترك وكرد يكفي لتبرير الوهم الاستشراقي. كذلك يظهر التأمل في أسماء العلماء والقادة الذين رفعوا راية العلم والكفاح، من أمثال الرازي والغزالي والبيروني وصلاح الدين الأيوبي وأبو مسلم الخرساني ومحمد الفاتح والظاهر بيبرس لإدراك الصفة العالمية للحضارة الإسلامية. فهي لم تكن يوماً من الأيام حضارة عرب بل حضارة عالمية ذات مرتكزات إسلامية.

نعم شكّل العرب اللبنات الأولى التي قام عليها البناء الحضاري الإسلامي. لكن قدرة العرب على بناء هذا الصرح الشامخ المهيب لا يرتبط بأساس قومي أو عرقي، بل بالرؤية التي حملوها والقيم التي التزموا بها، والمبادئ التي دافعوا عنها، المنبثقة من رسالة الإسلام وجهود الرعيل الأول الإصلاحية. لقد استطاع الرسول الكريم مؤيداً بوحي السماء وجهود أصحابه الصادقة من تغيير الرؤية الكونية التجزيئية والمنظومة القيمية القبلية للمجتمع العربي الجاهلي واستبدالها برؤية كونية توحيدية ومنظومة قيمية إنسانية، تجلت عملياً في مجتمع المدينة وثقافتها العالمية.

إن قدرة الإسلام على الانتشار إلى أصقاع بعيدة عن موطنه الأصلي، وقدرته على تحريك المشاعر وتأجيج الهمم واستحضار ولاء الشعوب في مشارق الأرض ومغاربها، لا يمكن فهمه إلا من خلال فهم الثقافة العالمية الناهضة التي تجلت في مجتمع المدينة. فقد مثل مجتمع المدينة نموذجاً مصغراً لمجتمع عالمي يضم قبائل عربية متصارعة ألّف الإسلام بين قلوب أبنائها، ثم عاد ووحد بينها وبين موالي من حبشة وفرس وروم، ثم جمعها ضمن ولاء تعاقدي مع يهود المدينة. وبذلك حقق الإسلام نموذج المجتمع القائم على التضامن القيمي والتعاقدي ليحل مكان نموذج المجتمع القبلي القائم على مبدأ التضامن العضوي العقدي. لقد وحدت مبادئ الحق والعدل والتكافل والتراحم والتسامح التي جاء بها الدين الجديد مجتمع المدينة، وتكفلت وثيقة تأسيسه التي تمثلت بصحيفة المدينة الحفاظ على كرامة وحقوق أفراده بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية والعرقية والدينية.[1] ولا يقولن قائل إن مجتمع المدينة التعددي المنفتح على الإنسان، بوصفه إنسان، كان نموذجاً انتقالياً ولم يكن نموذجاً نهائياً بدليل إخراج المسملين اليهود من المدينة بعد صراع دام،ٍ والقضاء على معاقل الشرك في المدينة. فهذه صراعات مرهونة بظروفها التاريخية الخاصة، وبمواقف اليهود والمشركين العرب من الدين الجديد، ناقشتها في مواضع أخرى ولا أرى إمكانية الاستفاضة في بيانها هنا.[2] ويكفي لإظهار أن النموذج المدني المشار إليه كان نموذجاً نهائياً، أن المسلمين أعادوا بناءه على مستوى الحضارة العالمية التي أنشؤوها وأشادوا صرحها، والتي ضمت المسيحي واليهودي والمجوسي والهندوسي كما ضمت المسلم، والتي وفرت لجميع المنتسبين إليها فرصة المشاركة في بنائها وترسيخها.

وكما شكل الإصلاح الديني حجر الزاوية في بروز الحضارة الإسلامية، فقد مارس الإصلاح الديني المسيحي في بلدان أوروبا الغربية مهمة مماثلة في انطلاق الحضارة الغربية. ولعل البعض يتساءل – وهو محق بذلك – كيف نعزو دوراً أساسياً للإصلاح الديني في حضارة تقوم على مبدأ العلمانية؟

لفهم الأساس الديني للحضارة الغربية يجدر بنا العودة ستة قرون إلى الوراء عبر التاريخ الأوروبي وتركيز النظر على الجهود التي بدءها مصلحون دينيون، يتقدمهم توماس أكويناس الذي عكف على تخليص الرؤية المسيحية الأوروبية من تناقضاتها الداخلية، مستفيداً في عمله هذا من أطروحات مفكرين إسلاميين من أمثال الفارابي وابن رشد. ثم تبعه مصلحون دينيون ثاروا ضد سلطة الكنيسة وتعسفها في تفسير نصوص الإنجيل من أمثال كالفين السويسري ومارتن لوثر الألماني. وشدد الأخيران على التساوي بين المسيحيين وحقهم في النظر، قساوسة وعامة، في نصوص المسيحية المقدسة وتفسيرها، ورفضا فكرة وساطة الكنيسة وعصمة الحبر الأعظم. لقد كان لقيم العدل وسيادة القانون وتساوي الناس في الكرامة، التي تسربت إلى أوروبا الغربية خلال عصر النهضة من العالم الإسلامي عبر التجار والرحالة الغربيين، وعبر فلول الجنود الصليبيين الذين عادوا من بيت المقدس والساحل السوري بعد تحرير تلك المناطق من الاحتلال الصليـبي، وعبر ترجمات الكتب التي نقلها الفاتحون الأوروبيون من جنوب إيطاليا والأندلس، أثر كبير في تحرير المجتمع الغربي من الجمود وتحفيزه إلى الارتفاع إلى مستوى الفعل الحضاري.

وما لبثت حركة الإصلاح الديني أن أججت العقل الأوروبي وأطلقته من عقاله، ليبدأ رحلة طويلة ممتدة عبر قرون عديدة، يشير إليها اليوم المثقفون والمفكرون، اتباعاً لماكس فيبر، بالعقلنة الثقافية، والتي بلغت أوجها في حركة الأنوار التي تألقت في القرن الميلادي التاسع عشر. فالعقلنة عند فيبر تعني إعادة تنظيم المجال الثقافي ضمن دوائر معرفية مستقلة وخاضعة لمجموعة من القيم والمفاهيم المحددة. القيم والتصورات التي تبنتها العقلنة الغربية هي القيم والتصورات التي دعت إليها حركة الإصلاح الديني. والعلمانية نفسها تعود بجذورها إلى أفكار لوثر وكالفن، وإن اختلفت في مفهومها وفحواها مع تقدم الأزمان وتتالي الأجيال. فالعلمانية في أصولها جهد يهدف إلى منع الكنيسة من التحكم بالمجتمع المدني وفرض تفسيراتها على أفهام الناس.

إن الأشكال السلبية التي تولدها العلمانية اليوم، من تحلل أخلاقي، وتهافت على المتعة البدنية، وتراجع البعد الروحي الوجداني، والفردية المفرطة التي تدفع الفرد إلى إهمام واجباته الاجتماعية، وتفكك الأسرة وانتشار الرذيلة، وغيرها من الأزمات الاجتماعية المحيقة بحياتنا المعاصرة، لا تعود بطبيعة الحال إلى فصل الكنيسة عن الدولة، بل إلى عملية العقلنة الغربية نفسها التي حوّلت الدين والأخلاق إلى دوائر معرفية مستقلة عن الدوائر المعرفية والاجتماعية الأخرى، كالسياسة والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس. إن التفسخ الاجتماعي والتحلل الأخلاقي الذي يطبع الحياة في المجتمعات الحديثة ناجم عن فصل الأخلاق والقيم والتصورات العلوية – وفي مقدمتها الشعور بالمسؤولية أمام الله – عن التفكير السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي. فالاقتصادي الحداثي اليوم يحكم على الفعل الاقتصادي بأنه ناجع طالما أدى إلى تحقيق ربح مادي، غير آبه بآثار هذا الفعل على المحيط الاجتماعي والبيئة الطبيعية، وغير مكترث فيما إذا نجم الربح عن ظلم أو استغلال.

إن تلازم الوعي الديني والنهوض الحضاري حقيقة تاريخية وشرط موضوعي. فالحضارات الإنسانية عبر التاريخ تعود في جذورها إلى وعي ديني ورؤية كونية متعالية، بدءاً من حضارات الهلال الخصيب ومصر الفرعونية، ومروراً بالحضارات الصينية والهندية والفارسية والإغريقية والرومانية، وانتهاءً بالحضارتين الإسلامية والغربية. ولقد وثق المؤرخ الغربي الشهير أرنولد توينبي العلاقة بين الدين والحضارة وأظهر في كتابه دراسة الحضارة أن العلاقة بين الدين والحضارة علاقة المقدمة بنتيجتها.[3] كذلك أظهرت الدراسات الاجتماعية أن القيم والمعتقدات الدينية تشكل العنصر الأساسي في البناء الثقافي للمجتمع. فأظهرت أبحاث ماكس فيبر العلاقة الوثيقة بين النهوض الثقافي والحضاري لمجتمع وبروز الوعي الديني. وانتهى فيبر إلى تقديم نظرية في التطور المؤسسي الاجتماعي تربط ارتقاء المجتمع والمؤسسات الاجتماعية بظهور القيادة الملهمة (charismatic leadership) التي يمثل الرسول، والمصلح الديني من بعده، أهم أشكالها. فالقائد الملهم إنسان يملك رؤية متميزة تؤدي إلى تحفيز الهمم والأفعال، وتوليد زخم نفسي وروحي يخرج المجتمع من ركوده ويدفعه للمضي في عملية بناء قدراته العلمية ومؤسساته التنظيمية. ويتبع مرحلة القائد الملهم مرحلة العقلنة الثقافية والاجتماعية التي يقودها المثقفون من مفكرين ورجال دولة، والتي تهدف إلى تحويل القيم والتصورات الرسالية الجديدة إلى قواعد ومرتكزات يتأسس عليها البناء الاجتماعي.

فإذا تساءلنا عن سر التلازم بين الوعي الديني والنهوض الحضاري وجدنا تعليلاً عميقاً عند ابن خلدون، تحت فصل “في أن الدول العامة الإستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين إما من نبوة أو دعوة حق” من مقدمته، يقول فيه: “وذلك لأن الملك إنما يكون بالعصبية واتفاق الأهواء على المطالبة، وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه قال تعالى: لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم. وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا، حصل التنافس وفشا الخلاف. وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل، وأقبلت على الله، اتحدت وجهتها، فذهب التنافس وقل الخلاف، وحسن التعاون والتعاضد، واتسع نطاق الكلمة لذلك، فعظمت الدولة كما تبين لك بعد، إن شاء الله سبحانه وتعالى، وبه التوفيق لا رب سواه.”[4]

الثقافة الناهضة والنهوض الحضاري

عكفنا في الفقرة السابقة على إظهار الالتحام العميق بين الوعي الديني والنهوض الحضاري وشدّدنا على تلازم الإصلاح الديني والإصلاح الثقافي. وننتقل في هذه الفقرة إلى تفصيل العلاقة بين الديني والثقافي وإظهار أن الثقافة الناهضة الكامنة وراء أي تطور اجتماعي وسياسي واقتصادي ذي بال توجهها القيم والتصورات الدينية الإصلاحية، لكنها لا تتماهى فيها وتتطابق معها. بمعنى أن قدرة الوعي الديني على توليد ثقافة ناهضة محفزة للهمم، منيرة للعقول، تتوقف على مرونتها واستعدادها للتفاعل مع خصوصيات البيئة الاجتماعية من جهة، واستيعاب الاختلافات الفكرية والنفسية للجماعات السكانية التي يشكل مجموعها المجتمع المدني الواسع. وبعبارة أبسط نقول إن أبرز خصائص الثقافة الناهضة عالميتها التي تجعلها تكتسب احترام الناس على مختلف انتماءاتهم الدينية والجغرافية، وتدفعهم إلى محاكاتها والسير على هديها.

إن نظرة مقارنة إلى القواسم المشتركة بين الثقافات الناهضة التي ولدت حضارات شامخة عبر التاريخ تظهر أن الثقافة الناهضة تتميز بخصيصتين رئيسيتين: (1) القدرة على توليد تضامن داخلي يتمثل بتعاون أفراد المجتمع الناهض وتلاحمهم وتكامل جهودهم، و (2) القدرة على تحرير الطاقة الخلاقة المبدعة للفرد والجماعة، وبالتالي تمكينهم من تطوير أدواتهم وزيادة فاعليتهم. وفي الجهة المقابلة فإن الثقافة الهابطة، ثقافة التخلف، تتميز بخصيصتين: (1) تشرذم أفراد المجتمع وتشاكسهم وتبدد جهودهم، و(2) تكبل إرادة أبناء المجتمع وعقولهم بأغلال القهر والاستبداد السياسي والتعسف الفكري.

فالنهوض الحضاري للمجتمع الإسلامي الأول يرتبط مباشرة بالقيم التي آمن بها المسلمون الأوائل من تقدير لكرامة الإنسان والحرص على الحرية الدينية وترسيخ مبادئ التكافل والإصرار على سيادة القانون وخضوع الجميع لحكمه، واحترام الإبداع العلمي والاجتهاد الخلاق. كذلك سادت الحضارة الرومانية والفارسية السابقتين على ظهور الإسلام بمقدار اعتمادهما القوانين العامة لتثبيت الحقوق، واحترام التعدد الديني، والانفتاح على الثقافات الفرعية، واستيعاب الكفاءات العلمية والفنية للشعوب الخاضعة لهما. وبالمثل فإن قدرة الثقافة الغربية على الانتشار والهيمنة مرتبطة مباشرة باحترام القوانين والدفاع عن حريات مواطنيها، وتقديرها الإبداع الفكري والعلمي.

وجدير بنا أن ننوه ونحن نتحدث عن الخصائص العامة للثقافة الناهضة، وقبل أن يتحرك ذهن القارئ لتلقط أمثلة في الحضارات المشار إليها أعلاه تتعارض مع القيم المذكورة، أننا عندما نتحدث عن خصائص ثقافية نوجه الأنظار إلى الخطوط العريضة الغالبة عبر تاريخ هذه الحضارات، ولا نقصد تعميم هذه الخصائص على كل أشكال الأفعال الاجتماعية والعلاقات الإنسانية. فالحضارات العالمية على اختلافها مليئة بأمثلة من الضعف القيمي والظلم السياسي والاجتماعي، مارسه أفراد وجماعات على مختلف المستويات. لكن الروح الأخلاقية والقانونية والعقلية للثقافة الناهضة المسؤولة عن نهوض الحضارات وظهورها ولدت أفكاراً وحركات مضادة لواقع الظلم الإفساد، وأجبرت القوى الكامنة وراء الواقع المذكور علىالتراجع. فاستبداد يزيد بن معاوية وتسلطه الأرعن دفع المجتمع للالتفاف حول عبد الله بن الزبير وتقويض أركان الحكم اليزيدي؛ وتحيز البيت الأموي للعنصر العربي في المجتمع على حساب الشعوب الأخرى مهد للإنقلاب العباسي؛ وتجاوزات الحجاج الثقفي وعبد الملك بن مروان حركت قيادات شعبية من أمثال سعيد بن جبير وغيلان الدمشقي للتصدي للعنف السياسي، والسعي إلى تقوية المجتمع المدني، الذي تمكن خلال قرن من الزمان من السيطرة على الوظيفة التشريعية، وإلزام السلطة السياسية بقوانين وأحكام صاغها فقهاء وعلماء ارتكزت سلطتهم إلى مؤسسات أهلية مستقلة كامل الاستقلال عن الدولة.

المثقف في الحضارة الإسلامية

لا بأس أن نذكر ونحن نتتبع ظاهرة المثقف في الحضارة الإسلامية أن مفهوم المثقف لم يأخذ معنى متميزاً في الأدبيات العربية حتى منتصف القرن الحالي. بيد أن هذا لا يعنى أن ظاهرة المثقف كانت غائبة بكل أشكالها عن المجتمع الإسلامي التاريخي. فغياب الوعي بالظاهرة لا يعنى غياب الظاهرة نفسها، بل قد ينجم عن استخدام مصطلحات أخرى للإشارة إلى الظاهرة المعنية، أو جوانب منها، أو عن بقاء الوعي بالظاهرة على مستوى المعرفة الحدسية المباشرة، وعدم تحوله إلى معرفة لفظية تواصلية محددة.

لعل السبب الرئيسي لغياب مفهوم مثقف هو غياب مفهوم الثقافة التي تشكل بطيبعة الحال المحور الناظم للمجال الدلالي لمفهوم مثقف. لذلك فإن تحديد هوية المثقف في الحضارة الإسلامية ومن ثم تلمس دوره الاجتماعي والسياسي يتطلب أولاً تحديد المفهوم، أو مجموعة المفاهيم، التي سبقت تطوير مفهوم الثقافة واستخدمت للدلالة على الظاهرة عينها. هنا نجد مجموعة من المفاهيم المرتبطة بمعنى الثقافة ومجالها الدلالي، لعل من أبرزها مفاهيم الملّة والنحلة والدين. والمفاهيم الثلاثة استخدمت تاريخياً للإشارة إلى مجموعة القيم والتصورات والقناعات والخصائص السلوكية التي تميز الجماعات السكانية بناءً على التزامها برسالة سماوية معينة، أو تفسيرات خاصة لها. إن اعتماد الأدبيات الإسلامية التاريخية على مفاهيم ذات دلالات دينية ينبهنا إلى حقيقة ذات دلالات اجتماعية وتاريخية في آن، هي أن تمايز الجماعات السكانية ارتبط بصورة أساسية في اختلافها العقدي. لذلك نجد أن معظم الكتابات التي تعرضت إلى تصنيف الجماعات السكانية ارتكزت على تفصيل العقائد المميزة لها. [5] نعم، تتضمن كتابات المسلمين التاريخية إشارات إلى تقسيمات عرقية، مثل عربي، تركي، كردي، بربري، أو تقسيمات جغرافية، مثل بغدادي، وشهرستاني، وقرطبي، وحجازي، ودهلوي، بيد أن هذه التقسيمات ارتبطت غالباً بتفصيل السيرة الذاتية لأفراد المجتمع، ولم تستخدم للتمييز بين جماعات سكانية ذات خصائص سياسية سلطوية.

وتتأكد ملاحظتنا بتماهي الديني والثقافي في تاريخ المجتمعات الإسلامية عند النظر في الدراسات التي عنيت بتحليل الخصائص التصورية والقيمية والفكرية للمذاهب الفلسفية والسياسية والفرق الدينية، وتوصيف طبيعة الصراع الدائر بينها. إن دراسة متأنية لطبيعة الصراع بين الجماعات السكانية في المجتمع الإسلامي التاريخي عموماً، والفرق الإسلامية على وجه الخصوص، تبين لنا تداخل السياسي والفكري والديني. لذلك نحد نزعة قوية في المجتمعات المسلمة إلى تحويل الخلافات الدينية والفكرية إلى خلافات سياسية. فنجد مثلاً أن مسألة فكرية كتحديد خصائص الأجسام والعلاقة بين الشيء وأعراضه والشيء وجوهره تتحول إلى قضية مصيرية فاصلة تستخدم للتمييز بين الذات والآخر والداخل والخارج والإيمان والكفر والولاء والخيانة.[6]

بيد أن الدارس لتطوير الأنساق الثقافية في المجتمع الإسلامي التاريخي يلحظ وجود حركة مد وجذر بين نسقين أساسيين، يرتبط الأول بنوازع التعصب القبلي المؤكد على أولوية التضامن القبلي والعرقي والمحلي، بينما يتعلق الآخر بالعالمية الإسلامية، والإصرار على إخضاع الخصوصيات الجغرافية والتاريخية إلى مبادئ الإسلام الكلية من عدل وتراحم وتعاضد وتسابق في الخيرات.

لقد جاءت الرسالة الإسلامية، كما رأينا آنفاً، لإنشاء مجتمع يقوم على العدل والإحسان ونبذ الاستكبار سواء بشكله العضوي الذي تمثل باستعلاء قريش على القبائل المغايرة، أو الديني الذي تمثل باستعلاء يهود المدينة على سكانها الأميين. وحقق مجتمع المدينة نموذجاً يقوم على تساوي البشر بالكرامة الإنسانية وحقهم في اختيار قيمهم ومعتقداتهم ضمن إطار قيمي عام حددته صحيفة المدنية. ونظراً لأهمية هذه الصحيفة لفهم نموذج المجتمع المدني الذي أسسه رسول الله، صلوات الله عليه وسلامه، نستعرض في الفقرة الآتية مضامينها الرئيسية.

“بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبي، صلى الله عليه وسلم، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس. المهاجرون من قريش على ربعتهم (حالهم المعتادة) يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين…(تعيد الوثيقة بند تعاقل أفراد القبيلة وفداء الأسرى لكل قبيلة من قبائل الأنصار على حدى) وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه. وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين. وإن أيديهم عليه جميعاً ولو كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر؛ ولا ينصر كافر على مؤمن. وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم. وإن المؤمنين بعضهم مولى بعض دون الناس. وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين عليهم. وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم. وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً. وإن المؤمنين يبيئ بعضهم على بعض بما نال دماؤهم في سبيل الله. وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه، وإنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن. وإنه من اعتبط (بادر) مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود به إلا إن يرضى ولي المقتول؛ وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه. وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثاً ولا يؤويه. وإنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (يهلك) إلا نفسه وأهل بيته…(تعيد الوثيقة بند حماية اليهود في دينهم ومالهم وأنفسهم بذكر كل قبيلة من قبائل اليهود على انفراد) وإن بطانة يهود كأنفسهم. وإنه لا يخرج أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم. وإنه لا ينحجز على ثأر جرح. وإنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته، إلا من ظلم. وإن الله على أبر هذا. وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم. وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم. وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه. وإن النصر للمظلوم. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة. وإن الجار كالنفس غير مصار ولا آثم. وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها. وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره. وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها. وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين؛ على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلهم. وإن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة “[7].

لقد أسست وثيقة المدينة هذه عدداً من المبادئ التعاقدية المهمة، التي شكلت بمجملها الميثاق السياسي للمدينة الذي حدد حقوق وواجبات أعضاء المجتمع السياسي الجديد، مسلمين وغير مسلمين، وصاغ البنية السياسية للنظام الناشئ. وفيما يلي أهم المبادئ التي أثبتتها الوثيقة.

أولاً، أعلنت الوثيقة أن الأمة المتشكلة مجتمع سياسي منفتح لجميع الراغبين في الالتزام بمبادئه وقيمه، والنهوض بتبعاته، وليس مجتمعاً منغلقاً تقتصر عضويته والتمتع بحقوقه وضماناته على فئة مختارة. فحق العضوية في الأمة يتحدد، كما تشير الوثيقة، في أمرين: (1) قبول مبادئ النظام الجديد، وهو قبول يتجلى في قرار “اتباع” الأحكام الأخلاقية والقانونية التي تضمها الميثاق؛ و(2) “الالتحاق” بالنظام وذلك عبر المساهمة العملية والجهاد لتحقيق مقاصده وأهدافه المعلنة فالاتباع واللحاق والجهاد هي الضوابط التي تحدد العضوية في الأمة كما تبين الفقرة الأولى من الصحيفة: “هذا كتاب من محمد النبي، صلى الله عليه وسلم، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم”.

ثانياً، أدى انضواء الأفراد والجماعات في نطاق النظام الجديد إلى اعتماد الأمة، والرابطة الأمية[8]، إطاراً عاماً يحدد سلوك الأفراد واتجاهات الفعل السياسي ضمن المجتمع الجديد، مع الاحتفاظ، في الوقت نفسه، بالبنى الاجتماعية والسياسية السابقة. فقد نجم عن بروز الأمة الإسلامية في المدينة اختزال القيمة السياسية للرابطة القبلية دون إلغائها، فتحولت الرابطة القبلية من رابطة سياسية رئيسية وآصرة عليا لا ينازعها أي نوع من الروابط الأخرى، إلى رابطة ثانوية خاضعة في القيمة والاعتبار لرابطة رئيسية عليا هي رابطة العقيدة المحددة لإطار الأمة. فكما أعلنت الوثيقة أن المجتمع السياسي الناشئ “أمة واحدة من دون الناس”، أقرت التقسيمات القبلية، بعد أن فرغتها من الروح القبلية المتمثلة بشعار “أنصر أخاط ظالماً أو مظلوماً”، وأخضعتها لمبادئ الحق والعدل العليا. لذلك أعلنت الصحيفة أن المهاجرين من قريش، وبني ساعدة وبني الحارث وبني الأوس، وبقية القبائل المقيمة في المدينة “علىربعتهم بتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم”.

ثالثاً، تبنّي النظام السياسي الإسلامي مبدأ التسامح الديني المبني على حرية اعتقاد أفراد المجتمع، فأعطى اليهود الحق في اتباع أحكام دينهم، مؤكداً حق الجميع، مسلمين وغير مسلمين، في العمل بالمبادئ والأحكام التي آمنوا بها: “وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم” وأكدت الوثيقة مبدئية التعاون بين المسملين واليهود في إقامة العدل والدفاع عن المدينة ضد العدوان الخارجي: “وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم. وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة. وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم” وحرمت على المسلمين ظلم اليهود أو الانتصار لإخوانهم المسلمين ضد اتباع الديانة اليهودية دون الاحتكام إلى مبادئ الحق والخير: “وإن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم“.

رابعاً، أكدت الصحيفة أن السلوك الاجتماعي والسياسي في النظام الجديد يجب أن يخضع إلى منظومة من القيم الكلية والمبادئ المعيارية، التي يتساوى أمامها الجميع. فالسيادة في المجتمع ليست لإرادة أفراد وجماعات خاصة، ولكن للشريعة والقانون القائمين على أساس القسط والخير، الكفيلين بحفظ كرامة جميع أفراد الجماعة السياسية. والحقيقة البادية للعيان في بنود الصحيفة هي تأكيد الصحيفة المتتابع والمتكرر لمبدئية العدل والقسط والمعروف والخير، وإنكارها، بعبارات شتى، الظلم والعدوان، منها: “وهم يفدون عانيهم بالمعروف ولاقسط بين المؤمنين”، ومنها أيضاً: “وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعاً، وإن كان ولد أحدهم”.

خامساً، أعلنت الوثيقة عدداً من الحقوق السياسية التي يتمتع بها أفراد المجتمع السياسي الإسلامي، المسلمين منهم وغير المسلمين، مثل حق المظلوم على المجتمع بالنصرة واسترداد مظلمته: “أن النصرة للمظلوم”، والمسؤولية الشخصية للأفراد، وعدم جواز أخذ البريء بذنب المتهم: “لا يأثم امرؤ بحليفه”، وحرية الاعتقاد: “إن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم”؛ وحرية الانتقال من وإلى المدينة دون التعرض لموانع وعقبات: “وإنه من خرج آمنٌ ومن قعد آمنٌ بالمدينة إلا من ظلم أو أثم”.

واضح إذن أن ميثاق المدينة أنشأ مجتمعاً مدنياً عالمياً قائماً على الولاء التعاقدي بين أفراده وجماعاته، من خلال الالتزام بمجموعة من المبادئ الأخلاقية الكلية التي شكلت الميثاق المدني، وأخضعت الولاء العضوية للجماعات السكانية المختلفة (من مسلمين ويهود ومشركين) إلى الولاء التعاقدي.

بيد أن النـزعة القبلية التشرذمية الجاهلية ما لبثت أن عادت بلبوس جديد في خضم الفوضى التي أعقبت مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان. فقامت الحركات الخارجية من كيسانية وأزارقة باستخدام الدين الإسلامي كأداة لتبرير سفك الدماء وقهر معارضيها وحد سلطانهم، ولجأت إلى مقولات التكفير المعروفة واعتمدتها لتحقيق تجانس عقدي شبيه بالتجانس القبلي الذي خبرته لقرون عديدة. وهكذا تحول التمزق القبلي لمجتمع الجزيرة العربي إلى تمزق عقدي في المجتمع الإسلامي الفتي، وظهرت الفرق الإسلامية كوريث للقبائل العربية.

تشكلت هوية المثقف الإسلامي – صانع الثقافة الإسلامية – في خضم العمل الدؤوب لتجاوز النـزعة القبلية التشرذمية وتحويل القيم الإسلامية العالمية إلى مؤسسات مجتمعية وعلاقات إنسانية، وإعادة بناء نموذج المجتمع المدني الذي أسسه رسول الله عليه الصلاة والسلام في لحظة وضيئة خالدة، قبل أن تُعمل فيه معاول الاستكبار اليهودي، ثم معاول الترفع القبلي، ضرباً بغية هدمه وإزالة معالمة الشامخة ومعانيه العظيمة.

نعم إنقسم المثقفون الإسلاميون تاريخياً إلى عشرات من المذاهب والفرق ناقش ابو الحسن الأشعري أطروحاتها الرئيسية في كتابه المشهور مقالات الإسلاميين، ثم عاد إلى تفصيلها أخرون في فترات لاحقة. بيد أن نظرة متمعنة مميزة إلى أطروحات المثقفين الإسلاميين تدعونا إلى تصنيفهم ضمن تيارين رئيسيين: مثقفو السلطة ومثقفو الأمة. تميز مثقف السلطة بحرصه على تبرير بنية الدولة – بدءاً بالدولة الأموية – والإجراءات التي اعتمدها السلطان وسياساته العامة. لذلك لجأ مثقف السلطة إلى الترويج إلى الأفكار والمعتقدات التي تضفي الشرعية على نظام سياسي يقوم على تسلط العشيرة على المجتمع وتبرر استخدام القوة لإسكات المعارضة. ووجد في مقولة الجبر أساساً ينطلق منه لتحقيق مهمته، فشدد على أن أفعال الناس جميعاً تنطلق من إرادة إلهية، وأكد على أن فعل السلطان تعبير مباشر عن إرادة الله، وأن التمرد عليه في حقيقته تمرد على الإرادة الإلهية. وقام مثقف الأمة لينكر مقولة الجبر ويؤكد حرية الإرادة الإنسانية ومسؤولية الإنسان عن كل أفعاله.

لقد تبنت الحركات المعارضة من البداية موقفاً قدرياً لتطلق إرادة الإنسان، وتحمله مسؤولية أفعاله ومقاصده، بدءاً بمعبد الجهني وغيلان الدمشقي، عبر رواد الاتجاه الاعتزالي يتقدمهم واصل بن عطاء. فينقل لنا الشهرستاني قول واصل “إن الباري تعالى حكيم عادل لا يجوز أن يضاف إليه شر وظلم، ولا يجوز أن يريد العباد خلاف ما أمر، وأن يحكم عليهم شيئاً ثم يجازيهم عليه. فالعبد هو الفاعل للخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، وهو المجازى على فعله، والرب تعالى أقدره على ذلك كله”.[9]

بيد أن المثقف المعتزلي الذي حمل لواء العالمية الإسلامية المتعينة بقيم العدل والمساواة والتسامح والتسابق في الخيرات لم يلبث أن تحول من مثقف أمة إلى مثقف سلطة في مطلع الحكم العباسي، يعتمد قوة الدولة لفرض رؤاه وتصوارته، ومحاربة خصومه. وتحولت مهمة مثقف الأمة إلى التيار السلفي الذي قاده أحمد بن حنبل والأشاعرة من بعده.

إذن تحددت هوية المثقف في التاريخ الإسلامي وفق متغيرين: الموقع والتوجه، أو إن شئت الموقع والموقف. فتقلب في موقعه بين مثقف سلطة ومثقف أمة، كما تقلب في موقفه وتوجهه بين النـزعة العالمية والنـزعة التشرذمية. وبلغت مساهمة المثقف في التاريخ الإسلامي أوجها في نموذج مثقف الأمة ذي النـزعة العالمية الذي تمكن من تطوير ثقافة منفتحة معززة لكرامة الإنسان بغض النظر عن أصوله العرقية أو القومية، أو انتماءه العقدي أو الديني؛ واستطاعت بالتالي تحقيق نهضة حضارية عالمية ساهم فيها العربي والفارسي والهندي والبربري والكردي والتركي، كما ساهم فيها المسلم والنصراني واليهودي.

لم تكن عالمية الثقافة التي واكبت النهوض الحضاري الذي بلغ أوجه في القرن الهجري الخامس ناجمة بطبيعة الحال عن عملية تلفيق بين قيم الشعوب التي شكلت المجتمع الإسلامي الذي استوعب القارات الثلاث المعروفة آنذاك، كما أنها لم تنجم عن توفيق بين التصورات والمعتقدات الإسلامية والنصرانية واليهودية، بل حافظت عبر تاريخها على شخصيتها الإسلامية المتميزة. فعالمية الثقافة والحضارة الإسلاميتين لا تعود إلى مقومات دخيلة على الرؤية والقيمة الإسلاميتين، بل تنبع منهما. فعالمية الرؤية الإسلامية نابعة أصلاً من الخطاب القرآني الذي أكد على تساوي الناس في الكرامة والتفاضل بالعمل: ]يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [(الحجرات: 13) والذي شدد على ضرورة البحث عن قواسم مشتركة بين التوجهات العقدية والدينية المختلفة: ]قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضنا بعضاً من دون الله، فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأننا مسلمون[ (آل عمران : 64) وعالمية الرؤية الإسلامية نابعة من تأكيد الإسلام على حق الإنسان باختيار الشريعة التي يخضع لها والعقيدة التي يؤمن بها، وبالتالي ضرورة تعايش الجماعات العقدية والقيمية المختلفة، والتسابق في تطوير الحياة الإنسانية وتحقيق خيريتها: ]..لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة فاستبقوا الخيرات.. [(المائدة: 48) وعالمية الرؤية الإسلامية نابعة من نموذج مجتمع المدينة الذي أسسه رسول الله على عينيه، والذي حرص على الانفتاح على الآخر وتأسيس مجتمع تعددي متسامح، يوفر لجميع أبنائه مسلمين ويهود ومشركين حقهم في العيش الكريم في ظل نظام عادل يحمي أفراده من الظلم والتسلط وتحكم نخبة أو جماعة.

هوامش

[1] انظر عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى السقا وجماعته (دمشق، سوريا: دار الكنوز الأدبية، د.ت.)، ج1، ص 501

[2] انظر كتابي العقيدة والسياسة (المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1416هـ/1996م) ص 167-71

[3] أرنولد تويني، دراسة التاريخ :

Arnold Toynbee, A Study of History (Oxford University Press, 1946)

[4] عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، ص 124

[5] انظر مثلاً محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، الملل والنحل (بيروت: دار السرور 1368/948)، وعبد القادر البغدادي، الفرق بين الفرق (بيروت: المكتبة العصرية، 1416/1995)

[6] انظر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص 115

[7] ابن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص 501-502

[8] استخدمت كلمة “أمية” هنا نسبة إلى الأمة بإضافة ياء النسبة وحذف التاء.

[9] الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، ص62

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: